محمد عبدالوهاب رفيقي: انخراط السلفيين المغاربة في العمل السياسي وهم

انتهجت المملكة المغربية سياسة مختلفة عن غيرها من الدول العربية في التعامل مع ملف الإرهاب والتطرف الديني. وأطلقت مؤخرا برنامجا لإعادة إدماج المدانين في إطار قضايا الإرهاب والتطرف تحت مسمّى “مصالحة” يستهدف حماية المجتمع ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال بين مختلف فئاته، وحظي العديد من المحكومين في هذا النوع من القضايا بعفو ملكي بعد خضوعهم لهذا البرنامج.
الجمعة 2017/09/08
تيارات يسودها الخلاف حد التناقض

يرتكز برنامج المصالحة في المغرب والذي يستهدف المحكومين في قضايا الإرهاب والتطرف الديني على ثلاثة محاور أساسية تشمل المصالحة مع الذات، والمصالحة مع النص الديني، والمصالحة مع المجتمع. ويستمد هذا البرنامج أهميته من كونه يؤمن شروط إعادة إدماج شريحة المدانين في قضايا الإرهاب في المجتمع.

وشمل العفو الملكي الأخير 14 شخصا من المحكوم عليهم في قضايا إرهاب بعد خضوعهم لبرنامج المصالحة، الأمر الذي اعتبره كثيرون حدثا يستحق التوقف عنده لأنه للمرة الأولى يتم التعامل مع ملفات الإرهاب والسلفية على هذا النحو وعبر برنامج يستهدف إعادة بناء أفكار مدانين في هذه الملفات.

هذا الرأي الذي يتفق معه الباحث في الدراسات الإسلامية، محمد عبدالوهاب رفيقي، رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات والإعلام، حيث عبر في حديثه مع “العرب” عن أن العفو الملكي الأخير يعدّ مبادرة محمودة.

ويعد محمد عبدالوهاب رفيقي من بين الشخصيات السلفية المعروفة في المغرب، وكان قد اعتقل سابقا على خلفية تفجيرات 16 مايو الإرهابية بالدار البيضاء في العام 2003 وخرج من السجن في العام 2012 بموجب عفو ملكي.

ويقول رفيقي إن العفو الملكي الأخير عن مجموعة من المحكومين في قضايا إرهابية يتم لأول مرة في المغرب بعد وضع برنامج خاص بهم “مصالحة” اشتغلت فيه الدولة مع المفرج عنهم وأخضعتهم للتكوين وتم الاستماع إليهم وبناء على ذلك اختيرت قائمة المفرج عنهم.

واعتبر أن هذا المسار ليس سهلا وهو يمثل “مطلب الكثير من الفاعلين والمحتكّين بهذا الملف ويبدو أن الدولة استجابت دون ضجة إعلامية، حيث تم الأمر بسرية تامة إلى أن كان خروج المعفو عنهم، وأرى أنه ستتلو هذه المبادرة العديد من المبادرات المماثلة وأن الدولة في طريقها لحل هذا الملف”.

وأكد رفيقي أنه بعد تجربة السجن، التي يعتبر أنه ظلم فيها، عاش تحولا منهجيا في طريقة تفكيره وتعاطيه مع التحولات التي تهمّ المجتمع وعلاقاته بالسلطة، وهو الآن يبحث عن السبيل للمواءمة بين ما تختزنه الكتب الفقهية من نصوص وما تمليه متطلبات العصر.

وأطلق الناشط في المجال الدعوي مؤخرا موقعا إلكترونيا بمسمّى “الميزان” شدد فيه على أن هدفه هو نشر الإسلام الوسطي المعتدل ومحاربة الأفكار المتشددة التي تودي بالشباب المسلم إلى التهلكة تحت عنوان الجهاد الكاذب.

ويضيف رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات والإعلام أن الغرض من هذا المركز البحثي هو تبسيط وتفكيك المضامين التي تشكل النواة الصلبة لكل الحركات الدينية، والتفاعل المباشر مع الوقائع اليومية شرحا وتحليلا، ولم لا طرح أسئلة جديدة بأسلوب يراعي القواعد الإعلامية.

وأوضح رفيقي، حول المقارنة بين تجربته الشخصية كسلفي خرج من السجن بعفو ملكي وقيامه بمراجعات فكرية وبين المفرج عنهم مؤخرا، أنه “لا يمكن المقارنة بين التجربتين حيث تختلف تجربتي عن تجارب الكثيرين. أنا ومجموعة من المعتقلين لم نتورط في أي أحداث عنف، ولم نكن نكفّر المجتمع”.

وأردف أن “المراجعات الفكرية التي يتحدث عنها الإعلام اليوم هي مراجعات خاصة للفكر والمسار والرؤية والتصور وهي غير مرتبطة بالتهم التي اعتقل لأجلها، لكن بين هؤلاء المفرج عنهم اليوم عدد ممن اعترفوا بأنهم كانوا متورطين في أعمال عنف وبأنهم كانوا يستحقون تلك المدد السجنية التي حوكموا بها وداخل السجن راجعوا أفكارهم وتبيّن للدولة صدق مسعاهم بعد التتبع والمراقبة”.

وواكب الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب في 2016، ترشح بعض رموز التيار السلفي، من بينهم محمد عبدالوهاب رفيقي على قائمة حزب الاستقلال في مدينة فاس، وردا عن سؤال إن كانت مشاركته نابعة من قناعة بأن الجسم السلفي يؤمن بجدوى العمل السياسي أم أنها كانت ترجمة للمراجعات الفكرية التي قام بها ومحاولة تمرين لخلق الثقة بين السلفيين والسلطات صرح رفيقي بأن “الأمر بالنسبة إلي مختلف لأنني أؤمن بالعمل السياسي حتى قبل دخولي السجن”.

محمد عبدالوهاب رفيقي: كل الدول التي تصدر مهاجرين إلى أوروبا لها نصيبها في أزمة الهوية وعدم إدماج الشباب

وأضاف “لم يكن لدي إشكال مع العملية السياسية، وبعد مسار السجن والمراجعات كان التحمّس للدخول إلى العمل السياسي مبنيا على رغبة في العودة إلى الحياة والانخراط فيها واغتنام الفرص التي يمنحها المجتمع للاندماج. وهي قد تشكل تجسيدا للتصور الجديد الذي أحمله، فأنا حين أشتغل سياسيا أعمل من منظور آخر للدولة والقانون والمؤسسات”.

ويرى رفيقي أن الدولة يجب أن تكون مدنية “لأننا تجاوزنا منطق الدولة الدينية التي تؤسس للتمييز لدين معين. نحن اليوم نعيش مرحلة دولة المواطنة التي يجتمع فيها المسلم وغير المسلم بحقوق وواجبات موحدة. هذا المنطق مغاير لذلك الذي تتعامل به التيارات السلفية في سعيها لإقامة مشروع الخلافة”.

ويعتقد رفيقي أن الحديث عن مساع لتأسيس أحزاب سياسية من طرف السلفيين في المغرب يعد من قبيل الوهم، قائلا “هذا التيار كبير وفوضوي وفيه فرق وتيارات يسود الاختلاف في ما بينها ليصل حد التناقض رغم اجتماعها على قواسم مشتركة”، لذلك فالحديث عن عمل سياسي سلفي في المغرب بعيد جدا، لأن الحركة السلفية المغربية “غير منظمة وغير مهيكلة ولا يمكن أن تنتظم لأن الفكرة السلفية هلامية وتصعب هيكلتها، وستبقى تيارا ولن تتحول إلى تنظيم أو حزب أو حتى جمعية”.

ويفسّر رفيقي تورط مغاربة في أحداث برشلونة الإرهابية التي تبناها داعش بأن وجود عدد من المغاربة أو الجزائريين أو التونسيين يتعلق بجيل من أبناء المهاجرين من مجتمعات إسلامية في الغرب يعانون من أزمة هويّة تقف وراء عدد من الأحداث الإرهابية. سواء تعلق الأمر بالشباب الملتحقين بداعش وما يعيشونه من أزمة هوّية أو بالشباب المهاجرين الذين لم يجدوا هويتهم الأصلية ولا هم استطاعوا تحقيق الانتماء الكلي إلى الهوية التي يعيشون ضمنها. هذا الاضطراب في الهوية يجعلهم صيدا سهلا للجماعات المتطرفة ويسهل اختراقهم فكريا واستقطابهم.

وحول انزلاق المغاربة إلى التطرف وتورطهم في أعمال إرهابية يعتقد رفيقي أنه مرتبط بالتقصير في التأطير وبكثرة الجاليات المسلمة في دول المهجر، ما يعني أن كل الدول التي تصّدر مهاجرين إلى أوروبا لها نصيبها في سياق أزمة الهوية وعدم القدرة على إدماج الشباب. ولا شك أن هناك تقصيرا على مستوى البرامج الدينية وتقصيرا من الدول الحاضنة ليس على المستوى الأمني والسياسي فقط بل أيضا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

ويؤكد رفيقي أن المغرب حقق نجاحا أمنيا في مجال اقتناص مجموعة من الخلايا الإرهابية وفي مكافحة التطرف العنيف لدرجة أن الكثير من الدول الأوروبية استعانت بمعلومات من الأجهزة الأمنية المغربية، وهو ما يبرهن على نجاح المغرب في مقاربته لمكافحة الإرهاب.

وأردف بالقول إن “هذه المقاربة غير كافية، فهناك جوانب فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وعلى مستوى الإعلام والتربية يجب الاعتناء بها. ويجب أن تكون ضمن استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب. وإن كان المغرب نجح على المستوى الأمني فينبغي أن ينجح على المستويات الأخرى”.

12