محمد عبدالوهاب رفيقي.. من منكر للدولة إلى مرشح حزب الاستقلال

تهافتت أحزاب مغربية عدة من أجل ضم العشرات من السلفيين إلى صفوفها وترشيح البعض منهم إلى الانتخابات البرلمانية، في عودة ملفتة لهؤلاء إلى اللعبة السياسية. ولا يتجاوز عدد السلفيين المرشحين إلى الانتخابات العشرات من أصل نحو سبعة آلاف مرشح إلى الانتخابات؛ ومن أبرزهم عبدالوهاب رفيقي المعروف بـ”أبوحفص”، وهو سلفي حكم عليه بـ30 سنة سجنا خفضت إلى 25 سنة، إثر تفجيرات 16 مايو 2003 بمدينة الدار البيضاء؛ وهو اليوم مرشح باسم حزب الاستقلال المحافظ، أحد أقدم الأحزاب الوطنية في المغرب والمعارض للحكومة، وتحدّث رفيقي عن هذه التجربة، في حوار مع “العرب”.
الجمعة 2016/10/07
رفيقي: مشاركتي في الانتخابات البرلمانية تعكس نجاح جهود النقد الذاتي والمراجعة الفكرية

الرباط – سنة 2012 خرج محمد عبدالوهاب رفيقي من السجن بعد تسع سنوات غيّرته تماما من فقيه متشدد في الدين بارك هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى ناشط في حزب سياسي وداعية عصري يؤمن بأن تلك الهجمات ما كان يجب أن تكون فقد تغيّرت الأزمنة وتغيّر معها الشيخ محمد عبدالوهاب رفيقي، المعروف بكنية ”أبو حفص”، ضمن مسيرة انتهت به مرشحا على قائمة حزب الاستقلال للانتخابات البرلمانية المغربية، عن دائرة فاس الشمالية.

عبر عبدالوهاب رفيقي، في مستهل حواره لـ”العرب” عن التجربة الانتخابية المتميزة التي يعيش غمارها لأول مرة والتي ستقدم له رصيدا هاما من التجربة الحياتية مبديا تقبله لنتائج الاقتراع والمسار الديمقراطي بالمغرب.

وكشف رفيقي أن اشتغاله كان حاجزا بينه وبين الجمهور سواء عندما كان خطيبا أو حتى عندما كان محاضرا أو مؤطرا لنشاط فكري.

وقال عن تجربته “تعززت هذه الحواجز بغيابي عن المجتمع لمدة تسع سنوات ثم سنوات أخرى من الاجتهاد في العودة إلى الحياة فاليوم أنزل إلى الميدان، وأخالط الناس، وأحتك بفعاليات المجتمع، وأجالس الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والفقير والغني، أستمع لهمومهم، أصغي لآلامهم، أدخل بيوتهم، أقتحم فضاءاتهم الخاصة، وأقف عن قرب على احتياجاتهم ومطامحهم، هي تجربة مثيرة دون شك على كل المستويات، ورصيد مضاف إلى تجاربي السابقة والمختلفة”.

لن يتحالف حزب الاستقلال إلا مع الحزب الذي يتوافق مع برنامجه ويمكنه الانسجام معه وتنفيذ استراتيجية موحدة

مراجعة فكرية

أوضح عبدالوهاب رفيقي أن فكرة المراجعة الفكرية والذاتية بإصدار وثيقة “أنصفونا” انتقل على إثرها من متطرف محكوم عليه بالسجن لـ30 سنة إلى ناشط سياسي يقارب المشاكل من وجهة نظر مختلفة ليست بسبب الضغط النفسي بل هي مسار طويل بدأ قبل السجن، ورحلة مثيرة في البحث عن الحقيقة، حتى ما سمي تطرفا كان بحثا عن الذات واستكشافا للحقائق.

وأضاف قائلا و"لذلك لم يكن لي أي حرج وليست لي إلى اليوم رغبة في تغيير أي قناعة أجدها غير صالحة أو تجاوزها الزمن، أكره أن يتعامل الشيخ أو المفكر أو العالم أو المثقف بنوع من التكبر والعنجهية، والخوف من الاعتراف بالخطأ أو معاودة النظر في أي فكرة أو قناعة".

وفي معرض إجابته عن سؤال رحلة بحثه عن ذاته يرى رفيقي أن رحلة البحث عنده لم تتوقف أبدا حيث كان سلاحه فيها الاطلاع والمعرفة وعدم الاكتفاء والاغتناء مضيفا “كانت تجربة المحنة على قساوتها مفيدة من حيث ما أتاحت لي من وقت ومن اختلاء بالنفس وبعد عن كل المؤثرات، فعكفت لمدة تسع سنوات سبع منها في زنزانة انفرادية ليس لي من شغل إلا المطالعة والقراءة، والتفاعل مع مئات الأفكار كل يوم”.

وأكد رفيقي أن تحوله الجذري مفاده اطلاعه اليومي على المئات من الأفكار وتفاعله معها، ساهم في ذلك خروجه من المدرسة الشرعية التقليدية، وانفتاحه على العلوم الإنسانية ومختلف المدارس والاتجاهات في العالم بأسره، فالعمل السياسي اليوم ليس إلا تمثلا واحدا لقناعات وتصورات وأفكار كبرى يحملها اليوم بعد رحلة طويلة من المعاناة المادية والمعنوية على حد تعبيره. وعن ترشيح حزب الاستقلال له.

وعن بدايته السياسية مع الحزب قال رفيقي “بحكم اشتغالنا مع الحزب منذ مدة على المستوى الفكري، وما سميناه بمشروع (السلفية الوطنية)، وهو المشروع الذي نحيي به الفكرة التي أسسها علماء المغرب السلفيين، كأبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي وعلال الفاسي، وتقوم الفكرة على احترام خصائص التدين المحلي، والتفريق بين الدين والتدين، والاستفادة من السلفية في مضامينها الإيجابية كالرجوع إلى النبع الأول الصافي والدين الخالص، ومحاربة الخرافات والشعوذة والقبورية”.

انفتاح على الواقع

اعتبر رفيقي أن تبني فقه محلي لا يصادم المجتمع المغربي ولا يخالف أعرافه وعاداته السليمة، مع الانفتاح على الواقع، والمرونة في التعامل مع النقل، وتعظيم دور العقل، وإحداث قطيعة مع السلفية النمطية المستوردة من الخارج والتي تصادمت مع المجتمع وتركت تشنجات وتوترات أفرزت التطرف والإرهاب. وأن “هذه الفكرة كان حزب الاستقلال أول من أسس لها وكتب فيها ودعا لها، فكان التحاقنا به دون أي حواجز تذكر، وكأننا نناضل بالحزب منذ زمن”.

حزب الاستقلال يحرص على تقديم وعود واقعية ومنطقية تجنبا لأن تكون مجرد فقاعة انتخابية بتقديم أرقام معقولة دون مبالغات أو التزامات غير قابلة للتطبيق

وفي ما يخص برنامجه الحزبي أكد رفيقي حرص حزب الاستقلال على تقديم وعود واقعية ومنطقية تجنبا لأن تكون مجرد فقاعة انتخابية بتقديم أرقام معقولة دون مبالغات أو التزامات غير قابلة للتطبيق، فحين يعد الحزب بتشغيل 800 ألف شاب خلال خمس سنوات فهو مدرك لواقعية الرقم وإمكانية تنفيذه بمعدل 160 ألف منصب سنويا، وهو رقم قابل للتنزيل وهذا يشمل كل المحاور الأخرى.

ولم ينكر رفيقي إنجازات الحكومة المغربية في إجابته لـ”العرب” عن أدائها وتقييمها كصندوق دعم الأرامل والمطلقات، ورفع منح الطلبة، وتخفيض أثمان الدواء، لكن بالمقابل يرى رفيقي أنها أهلكت جيوب الفقراء، واستنزفت مواردهم، سواء عبر رفع الدعم عن صندوق المقاصة دون تقديم بدائل حقيقية وواقعية، أو عبر ما سمي بإصلاح الصندوق الوطني للتقاعد، والذي كان على حساب جيوب الموظفين ودخلهم وما بدا من عدم الانسجام بين مكونات الحكومة، وعجزها عن تخفيض المديونية والوفاء بما قطعته من وعود على مستوى النمو وغيره، جعل تقييمه لهذا الأداء تغلب عليه السلبية.

وعن رؤيته لمستقبل حزبه بعد انتخابات 7 أكتوبر قال رفيقي “لا إشكال لدى حزب الاستقلال في أن يكون في المعارضة، حزب الاستقلال كان في الحكومة وخرج منها بقرار إرادي، ولو كان راغبا في الحكومات لما فعل، ولهذا لا تمثل الحكومة هدفا بالنسبة لحزب الاستقلال، ولن يتحالف حزب الاستقلال إلا مع الحزب الذي يتوافق مع برنامجه ويمكنه الانسجام معه وتنفيذ استراتيجية موحدة”.

ولفت رفيقي إلى أن اشتغاله بجريدة آخر ساعة التي أسسها الياس العماري أمين عام الأصالة والمعاصرة كان اختيارا مهنيا محضا وكانت تجربة مفيدة له باحتكاكه بتوجهات واختيارات مختلفة وكانت في وقت ما بعيدة عنه، ولم يلاق منها سوى الاحترام والتقدير المتبادلين، نافيا العلاقة السياسية بالحزب.

محاصرة الإرهاب

أشاد محمد عبد الوهاب رفيقي بدور الأجهزة الأمنية المغربية في حماية الأمن والمحافظة على الاستقرار، لكنه يرى أن تزايد التهديدات والخلايا الإرهابية والتي تفككها الأجهزة غير كافية لمحاصرة الإرهاب والتطرف، والمقاربة الأمنية يجب أن تكون شاملـة لكل الدوافع والأسباب المنتجة للتطرف.

واعتبر أن أسباب التطرف تعود إلـى دوافع فكرية واجتماعية واقتصادية والمقاربة الناجعة هي التي تستوعب كل هذه المحاور قائلا “لا بد من إعادة قراءة للتراث الفقهي وتحيينه مع الواقع وإلا سنفرز دواعش أخرى، ولا بد من تعديل المناهج التربوية بما يتلاءم مع ما نعيشه من إكراهات وتحديات، ولا بد من الاعتناء بالشباب واهتماماتهم وتجاوز الخطاب الوعظي العاطفي إلى خطاب عقلاني مقنع ومنطقي”.

وكشف رفيقي أن من أهم أسباب ترشحه للبرلمان محاربة الأسباب والدوافع التي تسقط الشباب في براثن التطرف مضيفا “في هذا الاتجاه أسسنا بحزب الاستقلال مركزا للدراسات والأبحاث، يعنى بمحاربة التطرف ومحاورة المتطرفين، ويعمل على نشر الدراسات والبحوث المتعلقة بالموضوع، في إطار مشروع فكري ضمن عملنا على إحياء الفكر السلفي الوطني والتعريف به”.

12