محمد عبيدالله: الشعراء المتحوّلون إلى الرواية أثقلوها بالصور

الرواية في العقود الأخيرة اجتذبت انتباه الكتاب والنقاد والشعراء ولصعودها أسباب كثيرة تتصل بتجاوبها مع طبيعة العصر الراهن ومقدرتها التعبيرية الفائقة عنه.
الأربعاء 2021/01/20
بعض الشعراء حوّلوا الرواية إلى عواطف (لوحة للفنان بسيم الريس)

ربما عوضت الرواية مكانة كلّ من الشعر والقصة القصيرة في المدونة الأدبية العربية المعاصرة، لذا نجد الكثير من كتاب القصة وحتى النقاد والشعراء يتجهون إلى كتابة الرواية، لكن هذه الهجرة لم تكن موفقة في الكثير من الأحيان، حيث شابت الكثير من الروايات أساليب من خارجها، لم تساهم في إثرائها بقدر ما ساهمت في تشويهها. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الناقد الأردني محمد عبيدالله حول الهجرة إلى الرواية والشعر، وبعض مناحي الحركة الثقافية والأدبية العربية.

يعد الناقد الأردني محمد عبيدالله عاشقا من عشاق اللغة العربية، حيث يتطلع دوما إلى الإسهام في ثرائها، من خلال تقديم ما هو جديد ونوعي في دراساتها. ويميل إلى ضرب من الموسوعية، يذهب إلى أنه أخذه عن بعض أساتذته كإحسان عباس وناصرالدين الأسد.

درس عبيدالله في الجامعة الأردنية حتى حصل على الدكتوراه، وتدرج في المجال الأكاديمي، واليوم يشغل وظيفة أستاذ الأدب والنقد وعميد كلية الآداب والفنون بجامعة فيلادلفيا الأردنية، وخلال هذه الرحلة راكم مساهمة متأنية ونوعية في الحركة النقدية والأدبية الأردنية والعربية، فألف ما يزيد على خمسة عشر كتابا، ونشر العشرات من البحوث والمئات من المقالات في المجلات والصحف العربية، وهو من الأكاديميين الذين يؤمنون بالترابط بين الجامعة ومحيطها ودورها التنويري والثقافي.

الرواية بصوت غنائي

نقد

انطلاقا من اشتغاله النقدي على القصة القصيرة في الأردن وفلسطين، يتحدث عبيدالله عن أبرز الخصائص التي تتمتع بها هذه القصة مقارنة بنظيرتها عربيا وأهم التطورات التي أنجزتها، يقول “القصة القصيرة ظلت لعقود النوع الأدبي الرئيس في فلسطين والأردن، ولم تتزحزح إلا مع الألفية الجديدة. صعدت القصة مع صعود الصحافة الأدبية والثقافية تقريبا في منتصف القرن العشرين، وعبرت عن انكسارات ووثبات ما بعد النكبة، في مجتمع لم يتماسك ولم ينضج، لم يخرج تماما من البداوة والريف، وظل يتطلع إلى الحالة المدينية بريبة وتشكك”.

ويضيف الناقد “يبدو لي أن قطاعا كبيرا من الإبداع السردي المرتبط بتأثيرات القضية الفلسطينية واحتلال فلسطين هو أقرب إلى أدب المنافي الذي تشيع فيه الأنواع والأشكال ‘الشذرية‘ والفسيفسائية وفي مقدمتها القصة القصيرة، وقد يكون هذا العامل أحد أسباب انتشار القصة أكثر من الأنواع الأخرى على امتداد عقود، بل ما زالت الرواية التي كتبت وتكتب في هذا الجزء من العالم العربي أقرب إلى النوفيلا (الرواية القصيرة) وإلى أشكال فيها تقطيع وتجزئة وتشظية، أكثر من الأشكال الروائية التي توحي بانتظام الشكل وتماسكه. كل هذا في رأيي يعود إلى طبيعة المضمون، والعالم المفكك الذي عبرت عنه، انطلاقا من التأثير الطاغي للمضمون في اختلاق الشكل وتوجيهه”.

ويرى عبيدالله “أن الرواية في العقود الأخيرة اجتذبت انتباه الكتاب والنقاد والشعراء، ولصعودها أسباب كثيرة، تتصل بتجاوبها مع طبيعة العصر الراهن، ومقدرتها التعبيرية الفائقة عنه، فتحوّل إليها شعراء مكرسون مثل إبراهيم نصرالله وسليم بركات، وشعراء شباب نسبيا مثل جلال برجس، واجتذبت قصاصين كبارا مثل محمود شقير، إلى جانب نقاد ودارسين مرموقين مثل شكري المبخوت ويوسف زيدان، وغيرهم. بمعنى إننا نعيش موسم الهجرة إلى الرواية، إذا شئنا استعارة عنوان الرواية البديعة للطيب صالح”.

ويوضح الناقد بأنه لا مانع لديه أن يكتب المرء ما يشاء، فالمعوّل عليه هو طبيعة الإنتاج الروائي، ومدى المشروعية الإبداعية التي يقدمها عبر قوة النصوص. مع هذا يلاحظ أن قطاعا واسعا من الرواية العربية الراهنة، أقرب إلى نوع الرواية الغنائية، التي يهيمن عليها وعي الصوت الواحد، وهو صوت الشاعر الغنائي أساسا، ولا تستفيد من تعدد الأصوات، وهي سمة روائية أصيلة تنفتح على مبدأ ديمقراطية الرواية وعلى معاينة عالم مركب فيه نبرات وطبقات متنوعة، تتمثل المتعة الروائية في التقاط التنوّع وليس اختصاره في طبقة واحدة.

مساهمة متأنية ونوعية في الحركة النقدية
مساهمة متأنية ونوعية في الحركة النقدية 

الرواية في ظن الناقد الأردني، “طباقية” بتعبير إدوارد سعيد، أو متعددة الأصوات حسب توصيف باختين الشهير، وعلى كثرة ما ينتج فيها فيبدو له أن أصواتا عربية قليلة نجحت في تقديم هذا الضرب الروائي الأصيل. ومشكلة الرواية التي كتبها مبدعون تكوّنت بطانتهم الإبداعية تكوّنا شعريا يتمثل في مشكلة الغنائية الطاغية التي تثقلها الصور والعواطف المجانية، كأننا في حلقة أخرى من حلقات عواطف المنفلوطي.

ويلفت عبيدالله إلى أنه في كتابه “الرواية العربية واللغة” قرأ جانبا متميزا من تجربة نجيب محفوظ، مما يتمثل في علاقة روايته باللغة، ويقول “دافعت عن لغته التي يخالها بعض القراء عامية وما هي كذلك، وآمل أن أكون قد وفقت في تبيان طبيعة اللغة الروائية واختلافها عن لغة الشعر، ومحفوظ هو أستاذ الرواية العربية بلا منازع، وما زال كما أشرت صراحة في الكتاب يقف على القمة التي بلغتها الرواية العربية الحديثة، وما زال صوت محفوظ هو الصوت الغامر القوي، الذي لم تتمكن الرواية العربية بعد من تجاوز القمة الرفيعة التي بلغها في تجربته الإبداعية والنوعية الأصيلة”.

ويتابع الناقد “هذا لا يضير التجارب الأخرى ولا يضير الكتاب المتميزين في الرواية، بل لعله يشكل حافزا ومحركا للإفادة من دأب محفوظ وإخلاصه لفنه على مدار أكثر من سبعة عقود، فيها ما فيها من تحولات، وفيها الفهم الفكري العميق لحركة المجتمع المصري والعربي بل وهموم الإنسان ككل، وإعادة إنتاجها بصورة إبداعية تجمع بين متعة السرد وعمق التجربة، وبلغة فصيحة بعيدة عن الصعوبة أو الحذلقة، بحيث يشعر القارئ مهما يكن مستواه أنها لغته ولسانه. لقد حل محفوظ جانبا من مشكلة اللغة معاندا التيارات التي طالبته بأن يكتب بالعامية أو يستعملها في الحوار الروائي، وظل وفيا للعربية الفصيحة، مؤمنا بقدرتها على التطور وعلى أن تكون لغة حية قابلة لاستيعاب التنوع السردي”.

الشعر والنقد

الإبداع الحقيقي لا يرتبط بالزمن ولا يتقدم أيضا بتقدم الزمن
الإبداع الحقيقي لا يرتبط بالزمن ولا يتقدم أيضا بتقدم الزمن

يقول عبيدالله “في بداية حياتي الأدبية قبل نحو ثلاثين سنة، بدأت شاعرا لا أعرف لي هوية غير الشعر، أسست مع عدد من زملائي بداية تسعينات القرن الماضي جماعة أجراس الشعرية، وأصدرت مجموعتين شعريتين هما: مطعونا بالغياب (1993)، وسحب خرساء (2006)، ووهمت في أول الأمر أنني إذا اتجهت إلى نقد السرديات فسأحمي قصيدتي من جور الوعي النقدي ومنافسته، فمضيت نحو نقد القصة وعنيت بجيل الأفق الجديد صاحب البصمة في مسيرة القصة الفلسطينية والأردنية، وفي مرحلة الدكتوراه عنيت بالقصة العربية قبل الإسلام، فتعمقت صلتي بالموروث الشعري والسردي، أحسست إحساسا عميقا أن الشعراء والمبدعين القدامى والمعاصرين يسبحون في العتمة نفسها، وأن الإبداع الحقيقي لا يرتبط بالزمن ولا يتقدم أيضا بتقدم الزمن، وإنما المعوّل عليه قيمة الإبداع ودرجة الاستبصار التي يتمتع بها”.

ويتابع “علمني في الجامعة أساتذة موسوعيون على رأسهم إحسان عباس وناصرالدين الأسد ومحمود السمرة، رحمهم الله، وهم ممن تعلموا الموسوعية نظرا لنشأتهم العلمية والثقافية في البيئة والجامعة المصرية في عصرها الذهبي في خمسينات القرن العشرين، كما أنهم لا يؤمنون بميلنا المعاصر إلى التخصص الضيق أو الدقيق، لعلي تأثرت بهم وسرت في مسارهم بعدما وافق هوى عندي إلى اعتبار العربية بأدبها وحقولها كلها حقلا واحدا لا انفصام بين عراه ومكوناته، وأشعر اليوم بأنه لا تناقض بين قراءة المعري وخليل خاوي وصلاح عبدالصبور مثلا، ولا بين قراءة المتنبي ومحمود درويش أو عبدالمعطي حجازي. لا أجد عنتا ولا صعوبة في التنقل بين قراءة الجاحظ والقاضي التنوخي وصولا إلى طه حسين ومحفوظ أو بهاء طاهر”.

يرى عبيدالله أن نقد الشعر هو الحقل الأضيق في اهتمامه من ناحية التأليف، مع أنه ربما يكون الأوسع من ناحية المتابعة والقراءة. فتراثنا العربي في الأساس تراث شعري، وفي الجامعة تعلّم الشعر القديم لسنوات طوال. ومؤخرا عاد إلى دراسة الشعر وكتب كتابا مكثّفا حول تجربة محمود درويش في الحلقة الأخيرة من إنتاجه الشعري، وسينشر في الشهور القادمة.

ناقد عمله متعلق بالأدب العربي قديمه وحديثه
ناقد عمله متعلق بالأدب العربي قديمه وحديثه

ويضيف الناقد “مكّنتني الدراسة المتأنية من التثبت من قيمة هذه الموهبة العظيمة التي حظي بها الشعر العربي بأسره، وكيف فعل ما فعله جدّه المتنبي قديما، عندما صبت فيه أنهار الشعر العربي، فكوّن منها محيطا شعريا بديعا، استنادا إلى اقتران الموهبة والثقافة والتجربة في آن واحد. محمود درويش واحد من أهم شعراء العالم مهما يكن رأي الشعراء المعاصرين الذين يرون في اتساع الاهتمام به وقراءته ظلما لتجاربهم، والحقيقة التي لا مراء فيها أنه يشبه نجيب محفوظ في إخلاصه ووعيه وشدة اتصاله بعصره ومقدرته الفذة على التعبير عنه تعبيرا يتجاوز الراهن إلى الأبدي والخالد”.

وحول اهتمامه بالصناعة المعجمية حيث أصدر أخيرا كتابه “الصناعة المعجمية.. والمعجم التاريخي عند العرب”، يقول “اهتمام قديم نشأ ربما من صحبتي للمعجم العربي، ربما كنت في بداية العشرينات حين صاحبت ‘لسان العرب‘ وغامرت بمطالعته مندهشا من ثراء العربية وتشعّبها، قرأته مادة مادة دون كلل أو ملل، كأني أقرأ رواية متتابعة الفصول، ثم تبين لي أنه غيض من فيض العبقرية العربية في صناعة المعاجم”.

ويضيف “تشعب بي الاهتمام بالمعاجم، لما له من صلة وثيقة بألفاظ العربية وما تحمله من مدلولات ثقافية وحضارية، إلى جانب تدريسي الجامعي لمادة المعجميات والمصطلح في مرحلة الدراسات العليا، وما ظهر من اهتمام متنام بالمعجم التاريخي، وأحببت أن أساهم مع إخوتي المعجميين بهذه الدراسة على أمل أن يقبلوا بي عضوا مؤازرا في مجال المعجمية، إلى جانب ذلك وضعت معجما سميته ‘مفاتيح التراث’ يصدر الكتاب الأول منه في نحو 500 صفحة قريبا، ليعكس جانبا أصيلا من جوانب الحضارة والثقافة العربية قبل الإسلام، وضعته خلال العقد الأخير، متأنيا متمهلا فيه قدر المستطاع”.

الرواية التي كتبها مبدعون تكوّنت بطانتهم الإبداعية تكوّنا شعريا، تعاني من  الغنائية التي تثقلها الصور والعواطف المجانية

ويؤكد عبيدالله أنه لا يجد أي تباعد في هذه الاهتمامات، فيقول “في كل منها أحرص على بذل كل ما في الوسع والطاقة لاستيفاء متطلبات موضوع الدراسة، إلى جانب أنها توفر لي متعة خاصة لمقاومة الملل والضجر المتأتي من ضيق حقل الدراسات المتخصصة. ببساطة كل امرئ وما خلق له، كما يقولون، والمعوّل عليه هو مقدرة المرء على تقديم ما هو جدير بالقراءة وما هو نافع للقارئ العربي. والحكم بالتأكيد للقارئ المهتم. أنا ناقد عمله متعلق بالأدب العربي قديمه وحديثه، ويجد متعته في التطواف بجماليات اللغة العربية بكل علومها وحقولها وذخيرتها، وما مؤلفاتي المتنوعة إلا تعبير عن هذا الحب وذاك التعلق والوله بهذه اللغة الفريدة”.

ويرى عبيدالله أن مشكلات النقد العربي وميزاته في آن، نشأت منذ عصر النهضة وارتباط النقد بمؤسستين هما الجامعة والصحافة، فأعطته الجامعة قدرا من العمق والجدية، ولكن مع بعض الانغلاق والرطانة التخصصية، تحت حجة المنهجية الجامعية، وأما الصحافة فبسّطته، وقرّبته من القارئ العام، ولكنها، في العقود الأخيرة، مع تراجع الصحافة وكثرة المنابر والتحول إلى ضروب جديدة من نقد وسائل التواصل والمواقع الإلكترونية، وجدناه يتجه إلى ضروب من المجاملات الاجتماعية، وتبادل التهاني والتبريكات، دون أن نتجاوز ذلك إلى ضروب من القراءة العميقة التي تليق بالإبداع وبالنقد معا، والمشكلة أن المبدعين أنفسهم قد استسلموا لهذا النوع السطحي من القراءة العجلى، وباتوا لا يحتملون القراءة المشتبكة مع النصوص، فتراجعت مكانة النقد المتأني، لصالح ضروب من التناول السريع ومن التعليقات الساذجة التي يصعب تسميتها نقدا.

15