محمد عرفان حامل سيف السيسي

الأحد 2017/10/01
عرفان المسؤول الذي يخشاه المسؤولون

القاهرة - في مصر هناك الآن مسؤول رقابي صارم وحازم يمكن أن يكون سببًا في الإطاحة بأيّ شخصية حكومية مهما كان منصبها إذا سقطت في مصيدة الفساد، إنه اللواء محمد عرفان رئيس هيئة الرقابة الإدارية التي تعدّ أعلى جهاز رقابي على أداء الهيئات والمسؤولين الحكوميين.

أكثرية المصريين لم يعرفوا مدى أهمية الدور الذي تلعبه هيئة الرقابة الإدارية وموقفها من الفاسدين وناهبي المال العام إلا منذ فترة قصيرة ربما لا تزيد على عامين بعد أن تولى رئاستها اللواء محمد عرفان في العام 2015، وحصوله على ضوء أخضر من الرئيس عبدالفتاح السيسي بالضرب بيد من حديد على الفساد ومرتكبيه دون اعتبار لمنصب أو حصانة، وهو ما يتردد على نطاق واسع في مصر الآن.

منذ إنشائه وجهاز الرقابة الإدارية يتمتع بسمعة طيبة ونمط مختلف عن أداء الأجهزة الرقابية الأخرى، لأنّه يتبع رئيس الجمهورية بشكل مباشر دون وسيط، وكان طوال فترة حكم نظام حسني مبارك مقيدا ما زاد من نسب الفساد في الإدارات الحكومية بالدولة، ثم جاء الرئيس السيسي فأطلق له العنان الظاهر كي يصطاد الفاسدين بغض النظر عن مكانتهم.

صحيح أن مصر بها أكثر من جهاز رقابي على الشؤون المالية والموظفين الحكوميين، لكن تظل الرقابة الإدارية درة التاج وعلى قمة هذه الأجهزة بفعل القضايا التي تقوم بضبطها وإعلانها للرأي العام، وفي كثير من الأحيان يكون المتورطون في تلك القضايا من الشخصيات كبيرة في الدولة، وهو ما أثار إعجاب الناس ودغدغ مشاعرهم واستثمرته الحكومة في تحسين وجهها.

ضبط الوزراء وإحضارهم

لم يعهد المصريون أن يتم الإعلان عن ضبط وزير وهو ما زال في منصبه بالحكومة وإرغامه على الاستقالة لتورطه في واقعة فساد مالي، وهو ما حدث في مشهد درامي مع صلاح هلال وزير الزراعة الأسبق عندما تم قطع الطريق من جانب ضباط هيئة الرقابة الإدارية على سيارته وبرفقته الحراسة الخاصة به بميدان التحرير، أشهر ميادين القاهرة، وإبلاغه بتهمة الفساد المدعومة بالأدلة بالصوت والصورة، واقتياده إلى سيارات الرقابة وسط الجمهور الذي كان يقف لمتابعة الموقف باستغراب.

ولم يكن من المألوف أن يتمّ إلقاء القبض على قضاة داخل مكاتبهم وهم الذين يعتبرهم المواطنون الفئة الأكثر حصانة بالمجتمع، وتم ضبط وائل شلبي أمين عام مجلس الدولة (انتحر داخل محبسه) بتهمة الرشوة والفساد المالي، ثم من بعده تمّ ضبط أكثر من قاضٍ آخرهم رئيس محكمة جنايات الشرقية في أغسطس الماضي بتهمة تلقّي رشوة لتخفيف حكم بالإعدام إلى مؤبد على أحد المتهمين.

كل ذلك وغيره يديره محمد عرفان من مكتبه القابع بهيئة الرقابة في حيّ مدينة نصر شرق القاهرة، فهو من المسؤولين القلائل الذين يتولون مناصب مهمة ولا يراجعون رئيس الدولة لاستئذانه مهما كان منصب المسؤول المتهم بالرشوة وإهدار المال العام، وأكد هو بنفسه ذلك عندما قال في حوار تلفزيوني إن السيسي قال له بوضوح “اضبط الفساد ولا تراجعني قبل الأمر أو بعده. فأنا لن أمنعك. أنت معك تفويض رئاسي، فافعل ما شئت”.

وهو أيضًا من المسؤولين القلائل الذين يحظون بإعجاب ودعم المؤيدين والمعارضين للنظام، وربما يكون الشخصية الاستثنائية التي لم ينتقدها أحد أو يوجّه إليها أصابع الاتهام، خاصة وأن نوعية قضايا الفساد التي يفصح عنها والشخصيات المتورطة فيها تكون كبيرة وتوقّع كثيرون إخفاءها وتجنّب الإعلان عنها والتكتم عليها مثل ما كان يحدث في العهود السابقة.

تفويض من الرئيس

بين وزراء ومحافظين سابقين وقضاة ومسؤولين بالموانئ والجمارك ومساعدين ومستشارين لوزراء وموظفين صغار تعددت ضبطيات اللواء عرفان الذي ينظر إلى الفساد على أنه “واحد”، وأن مرتكبه الشخص وليس المنصب، بالتالي فإن ضبطه وإبلاغ الرأي العام عنه بشفافية مطلقة دون تزييف أو مجاملة هما بمثابة مهمة وطنية لا تقلّ عن الحرب التي يخوضها الجيش ضد الإرهاب.

هول القضايا التي ضبطها يمنحه صورة خاصة لدى المصريين حتى أن الناس أطلقوا عليه عدة ألقاب من بينها "الصقر" و"الأمين على المال العام" و"صائد الحيتان" و"صائد اللصوص"

ويمكن تفسير التلاقي في محاربة الفساد بين شخصية اللواء عرفان وشخصية الرئيس السيسي كرئيس للدولة بأن كليهما عسكريان سابقان، ويدركان أن الفساد هو الخطر الأكبر على التنمية والتقدم بالبلاد، لذلك يشعر كثيرون بأن هناك كيمياء مشتركة بين الرجلين، فرئيس الدولة يحارب لأجل إظهار جهوده التنموية للناس ورئيس الرقابة يدرك أن مهمته تحصين التنمية من الفساد.

وكثيرًا ما ذكر عرفان أنه لولا وجود إرادة سياسية قوية تقف خلفه لما تقدّم خطوة واحدة للأمام للقضاء على الفساد وكشف مرتكبيه، لأن هناك قضايا حساسة للغاية قد لا يصدق الناس اسم الشخصية المتورطة فيها، وأحيانًا ما يسبّب ذلك نوعا من الحرج للحكومة والقيادة السياسية باعتبار أنهما هما من اختارا هذه الشخصية لهذا المنصب أو ذاك.

توثيق بالصوت والصورة

عرفان (61 عاما) تخرّج في الكلية الحربية وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية عام 1977 وشغل العديد من الوظائف العسكرية في النواحي الإدارية وحصل خلال فترة عمله بالقوات المسلحة على بكالوريوس كلية التجارة شعبة محاسبة عام 1982، ومن ثم فإن دراسته للتجارة جعلته يلمّ جيدا بخفايا الأوراق الحكومية والميزانيات والحسابات وطرق التلاعب والفساد في الهيئات.

التحق للعمل كضابط بهيئة الرقابة الإدارية في عام 1986 وبدأ تدرّجه في المناصب عام 2011 عندما تولّى رئاسة مكتب الهيئة بالأقصر، ثم نائبا لرئيس مكتب الرقابة الإدارية بالإسكندرية، ثم رئيسًا للإدارة المركزية للرقابة على وزارة المالية والضرائب والجمارك والتأمينات الاجتماعية عام 2009، ثم رئيسًا لقطاع الأمانة العامة عام 2013، ثم رئيسًا لقطاع العمليات الخاصة، وانتدب للعمل في أوغندا وسلطنة عمان لتقوية الأجهزة الرقابية بالدولتين.

ما يميز عرفان، ويجعله الرجل المصدّق دون تشكيك في نوعية القضايا التي يشرف عليها ويوجه بضبطها، أن جميعها موثقة بالصوت والصورة، ولا يستطيع أحد الطعن فيها أو الإفلات منها، فالمعلومات تمثل بالنسبة إليه السلاح الأقوى والأهم والذي تبنى عليه كل القضايا والاتهامات، وفي نفس الوقت يعوّل كثيرًا على المبادرات الشخصية من الناس للإبلاغ عن الفساد ومن ثم التحرك نحو ضبطه.

يعُرف عن عرفان أنه شخصية حازمة جدًا، ونادرًا ما يبتسم، وهو دائمًا يتحدث بنبرة المنتصر الذي لا تشوبه شائبة ولا تقبل قراراته تجاه الفساد القسمة على اثنين، ولا يعرف الرجل الخطوط الحمراء ولا المناصب المهمة ولا يعطي أيّ قيمة للحصانة مادام هناك خرق للقانون، ويمكن ردّ ذلك إلى أنه متأكد من أنه لا سلطان عليه سوى رئيس الجمهورية وما دون ذلك يظل تحت المجهر.

عرفان من القلائل الذين يتولون مناصب مهمة ولا يراجعون رئيس الدولة، وقد أكد بنفسه ذلك عندما قال في حوار تلفزيوني إن السيسي قال له بوضوح "اضبط الفساد ولا تراجعني قبل الأمر أو بعده. فأنا لن أمنعك. أنت معك تفويض رئاسي، فافعل ما شئت".

اعتاد عرفان العمل في صمت ودون ضجيج إعلامي إلا من البيانات الصحافية التي تصدر عن هيئة الرقابة الإدارية عن واقعة ضبط الفاسد وتفاصيل تحركاته من لحظة الإبلاغ وجمع المعلومات حتى ضبطه ومواجهته بالتسجيلات.

ضباطه لا يعرفهم أحد، فهم يرتدون الزيّ المدني وتتخفّى وجوهم خلف نظارات سوداء، ويتحركون وسط الناس ولا يمكن اكتشافهم، هذا يتحرى عن معلومة وآخر يراقب تحركات المتهم عن بعد وثالث يتتبع التسجيلات الصوتية ورابع يقوم بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو كتوثيق للجريمة، وحتى بعد واقعة الضبط لا يعرف أحد من الناس من هم الذين قاموا بهذا العمل.

لا استثناءات

منذ تكليفه بالمنصب آثر ألا يعرف أيّ ضابط بالرقابة الإدارية أيّ تفاصيل عن قضية لا علاقة له بها، وجعل من الجهاز شبكة متعددة الأفرع تعمل في نطاق سري بحت، وكل وحدة كأنها جهاز رقابي مستقل بذاته.

ومن هول القضايا التي ضبطت في عهده منحه الناس عدة ألقاب من بينها “الصقر” و”الأمين على المال العام” و”صائد الحيتان” و”صائد اللصوص”.

يصفه الكثيرون بأنه أصبح الذراع اليمني القوية للسيسي في مواجهة من يفسد من الوزراء والموظفين بالجهاز الإداري للدولة، فهو الذي أصبح يظهر ويجلس خلف السيسي في جميع الفعاليات التي تشهد احتفالا بافتتاح مشروعات تنموية، وأحيانًا يسأله الرئيس أمام الشعب “هل راقبتم هذا المشروع؟ وهل تأكدتم من أن كل جنيه أنفق في مكانه ولا توجد مخالفات مالية وإدارية؟”.

لم يسبق أن أخفى اللواء عرفان الحقيقة الموجعة وفي كل مرة يتحدث عن تدخل الرقابة الإدارية لإصلاح أخطاء في هذه المشروعات، بل إنه يعدد هذه الأخطاء بدقة متناهية حتى في وجود الجهة التي قامت بتنفيذها لدرجة أنه ذات مرة انتقد طريقة الهيئة الهندسية التابعة للجيش في بناء مشروع استزراع سمكي بمنطقة قناة السويس، ما رد عليه السيسي بالقول “أنا أتلقى التمام منك أنت”.

وكان هذا أمرًا غير معتاد، إذ أن الهيئة الهندسية معروفة لدى الرأي العام أنها “صاحبة الدقة في تنفيذ المشروعات القومية”، وهو ما أثار استغراب كثيرين حول بلوغ الأمر عند اللواء عرفان حدّ الإعلان عن وجود ملاحظات على مشروعاتها، وفي وجود السيسي باعتباره رئيسا هو أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يعكس مدى الصلاحيات الموكولة لعرفان حتى بلغت حدّ رقابته على بعض مشروعات الجيش.

يمكن القول إن عرفان هو من أرسى قاعدة ثابتة في مصر لم يكن متعارفًا عليها وهي أن “محاسبة الوزير تكون قبل محاسبة الموظف الصغير”، وأنه “لا استثناءات لأحد إلا بالنزاهة”.

عرفان ليس رقيبًا على المال العام فحسب وإنما يُعتمد عليه في التقارير المتعلقة بمدى رضا المواطنين عن المشروعات والخدمات الجماهيرية، مثل منظومة الخبز والخدمات الصحية وتلوث المياه وغيرها من القضايا الحياتية للمصريين

أصبح الرجل الاستثنائي الذي يرهبه كلّ من في الحكومة ويخشاه الجميع لإدراكهم أنه قد يكون في مقدمة من يتسبّب في إقصاء أيّ أحد من منصبه وفضحه وسجنه إذا ما ارتكب جريمة فساد أو أخلّ بمقتضيات وظيفته وخان الأمانة الموكلة إليه ولم يكن على قدر المسؤولية، فهو وجهازه يمثلان السيف المسلط على رقاب الفاسدين أينما وجدوا ومهما بلغت مناصبهم.

ما يميز عرفان، وسط هذا الصيت الذي يتمتع به جهاز الرقابة الإدارية في مصر، أنه لا يبخس حق باقي الأجهزة الرقابية الأخرى ولا يتحدث بنوع من التعالي أو إظهار جهازه على أنه الأقوى والأهم وما دون ذلك لا قيمة له، فهو الذي اعتاد مدح مختلف الأجهزة قبل التحدث عن نفسه وجهود رجاله في مواجهة الفساد.

مثلت واقعة ضبط سعاد الخولي نائبة محافظ الإسكندرية، أو المرأة الحديدية كما لُقبت، قبل أيام بتهم الحصول على رشوة استغلالاً لمنصبها ضربة قوية عزّزت شعبية عرفان وجعلت منه شخصية مألوفة عند الجميع، لا سيما وأن الخولي كان أكثرية سكان الإسكندرية يرشحونها لتولي منصب المحافظ، أعلى حاكم محلي في البلاد.

عرفان ليس رقيبًا على المال العام فحسب وإنما يُعتمد عليه في التقارير المتعلقة بمدى رضا المواطنين عن المشروعات والخدمات الجماهيرية، مثل منظومة الخبز والخدمات الصحية وتلوث المياه وغيرها من القضايا الحياتية للمصريين، ويطلب منه الرئيس السيسي دائماً تقديم التقارير الرقابية عن أسـباب القصور في عمل مؤسسات الدولة وتراجع إنتاجها واقتراح وسائل تلافيها.

يرى أن مهمته لا تقتصر فقط على كشف الفساد والمفسدين، بقدر ما يعتبر أن الأكثر تميزا من ضبط غير الأمناء على المال العام هو استبعاد مسؤول غير كفء وغير قادر على اتخاذ القرار من موقعه، فهو يؤمن بأن هؤلاء أيديهم مرتعشة ولن ينصلح حال أيّ دولة بمسؤول مرتعش.

المشكلة التي تواجه عرفان أنه محسوب على المؤسسة العسكرية التي جاء منها أصلا وأصبحت عنصرا مشتركا في غالبية المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وجهوده لا تنكر لكن الأضواء مسلطة تظل عليها لأن رئيس الجمهورية أكد مرارا تقديره للرجل.

المشكلة الثانية أن الرقابة الإدارية تضبط يوميا فاسدين كثرا، لكن ما يتم الإعلان عنه يظل قليلا مقارنة بالحصيلة النهائية، كما أن الكشف أو الإعلان يتم وفقا لحسابات دقيقة ولاعتبارات عديدة خوفا من انهيار النظام الإداري في الدولة لأن تغوّل الفساد تحوّل إلى خطر حقيقي يمكن أن يتسبب في تداعيات خطيرة.

8