محمد علي اليوسفي و"رقصة الكنغرس"

الأحد 2013/12/01
الشاعر محمد علي اليوسفي: طواف نقدي في فضاء الدم العربي

لم تعد مقبولة "مجاملة الخريف" الذي يعصف بثورات "الربيع العربي"، ومجاملة ما آلت إليه هذه الثورات من تحولات هدّامة، فالعيون والعقول والوعي الجمعي تتجه كلُّها لمراقبة ما يجري، ورفضه ومحاولة مواجهته بما أمكن من سلاح. وللشعر سلاحه في هذه المعركة، هذا ما تنبئ به وتدعو إليه نصوص الشاعر محمد علي اليوسفي في كتابه "رقصة الكنغرس"، الذي يطوف من خلاله في أزمنة وأماكن "الثورات" التي جرى اغتيالها بأدوات وأساليب عدة، دموية على الأغلب، ومن قبل فئات مختلفة، من "فلول" السلطات المنهارة حينا، ومن القوى الظلامية أحيانا أخرى.

اليوسفي في كتابه "رقصة الكنغرس" الصادر عن الدار التونسية للإبداع، ضمن"سلسلة مرافئ الإبداع"، والمهدى إلى "الثورة التونسية" "التي أكسَبتْني حرّيةَ التعبير عن الألم.."، يتساءل على سبيل التحريض: "من منّا يرفس كالطفل المغتاظ وراء الباب؟"، فما جرى في تونس ليس سوى"ربيع هشّ"، إذ أن"الثورةُ التي ألْهَبَتْ وردةَ الرّياحِ في الرّمال/ ونزفَتْ من أجلها شقيقةُ النُّعمانِ في الحقول/ تقودُها الآن حكمةُ القبور/ مالئةً رئاتِنا بعَجاجِ بخورٍ فاسد…"، هذا هو الوصف الذي "يليق بالثورة التونسية"، بحسب رؤية الشاعر اليوسفي في ما يخص تونس.


ثعالب الربيع


صورة شديدة المأسوية هذه التي يرسمها الشاعر هنا، حيث الانقضاض على الثورة من غير جهة، لكن من يدّعون حمل راية الدين يتصدرون المشهد، حيث "مِنْ ألفِ سقيفةٍ تعلو سورةُ الرّحمن…"، وليس موقف الشاعر من قبيل العداء للدين، بل العداء لهذه الجهات الظلامية. ولعل الخلاف الأبرز للشاعر، بعد الخلاف مع الكونغرس والسلطات عموما، هو مع قوى الظلام، وما يسمى بالسلفية، إذ يقدم الشاعر تشريحا مكثّفا لهذه الفئة من المجتمع، لكنه يرى أن ثمة من يتقمّص (يركب) هذه السلفية ويرتكب الجرائم باسمها، فنقرأ "ليس سلفيا/ هذا بلطجي/ لم تسبق لي رؤية سلفي حافيا".

الشاعر يتنقّل بين قضايا وهموم الثورات وربيعها وخريفها

وتختلط القوى في عبارات تحمل دلالات من عوالم الطبيعة، من الخريف والشتاء مثلا، كما في قوله "بعد خريفٍ كادتْ تتوِّجُه الأبديّةُ ملكًا، روَّعَنَا مطرٌ وثلج. فانتظرْنا الربيعَ منتَبِهين إلى ثعالبه".

وليست هذه سوى لغة ترميزية لتؤشر على وقائع لا يريد لها الشاعر أن تكون في صورتها المباشرة.

منذ العنوان يبدو موقف الشاعر تجاه ما يمثله الكونغرس الأميركي، من خلال تدخلاته الكارثية في مسار الثورات، والسعي إلى حرفها عن مساراتها "الثورية"، ودفعها إلى دهاليز الاقتتال الداخلي، وتحويلها إلى عبء على الشعوب، من دون أن يكون هذا التدخل مباشرا، وحتى من دون أن تخسر أميركا ولو طلقة واحدة، فضلا عن خسارة جندي من جنودها. هذا ما يمكن استنتاجه من العنوان، حيث الكونغرس يرقص على جثث ضحايا ما سمّي بـ"الربيع"، بعد أن نجح في تحويله إلى فصل من الخريف الدمويّ.

لكن الكونغرس ليس وحيدا في هذه الحرب على "الربيع"، بل إن أدواته محلية وعربية أولا وأخيرا، وما هو إلا محرّك لها، وثمة مسببات لهذه الثورات يجري الالتفاف عليها من قبل القوى التي "ركبت" الثورة، فخلقت أسبابا لثورة جديدة، وهنا يقوم اليوسفي بإعادة ترتيب "روايته"" لما حدث، فما يزال "التّعب هو التّعب: حاملًا طبولَه ومزاميرَه/ أرْغفَتَه الجارحةَ كجذْع/ سلالَ الخضارِ التي أنضجتْها أصابعُ البائعِ"، ومع أنّ "بِنْيَةُ النظامِ المُهرَّبِ تجشّأتْ عبر المجاري"، إلا أن ّ"الفقيرُ عاد إلى الصّراخ في وجه الثورة". لا بل "صرنا نرى الشهيدَ قبل أن يسقط/ والثائرَ الذي سوف يلاحق الحكومةَ الجديدة من أجل تركيبِ ساقٍ اصطناعيّة/ والأمَّ التي ستبكي ابنَها بقيّةَ العُمْر/ وعيناها جمرتان على شاشةِ المُنْتَصِر". فأي ثورة تحققت إذن؟ إننا حيال مشهد من التراجع نحو مزيد من البؤس والتخلف لا التقدم.


تجري الرياح..

وفي المشهد، يقرأ اليوسفي كونه مفجوعا "من شعب جاهل…"، لكن الفجيعة الأعمق هي في الاحتفاليات التي طفت على سطح الثورات، من قبل الفئات الواعية في المجتمع، فيرى الشاعر يحتفي بها على نحو "نرجسيّ"، والمغني وقد عدّلَ النوتة إكرامًا للمجلس، والمفكر يخضع واقعَهُ للفكرة. وهذا كله إشارات على انعدام الوعي بما جرى ويجري، وربما كان هذا من أخطر ما عانت منه الثورة ومن أطلقوها، إذ فقدوها في وسط هذا العماء. وفي هذا المناخ فقد الجميع الثقة بالجميع، لأن "الثِّقةُ لا تُعْطَى، بل تُكتَسَب، وانعدامُ الثقةِ ليس شرًّا كلُّه، فهو منارةُ الحارسِ الغافي بعينٍ واحدة؛ والثقةُ العمياء لا تُوَلِّدُ إلا مُسوخًا".

وفي الحقيقة أن "لا شيءَ سار كما اشتهتْ مراكبُنا، مراكبُنا التي انطلقت في الشتاء لتصنع الربيع حتى جرَّنا الصيف إلى منعطفات الخريف". إذ بينما الثوار يطلقون ثورتهم، نرى "الأسياد يُعيدون كتابةَ التاريخ، بعد أن فاجأَتْهم ثغراتُ ماضيهم في منعطفات البلاد"، وإلى ذلك "مازلنا نؤمن بأن البحارَ تزخر بقراصنتها الجدد، وإنْ أحاطوا بنا في أزياء أحدث وأجدّ. ولم نكنْ قد هيَّأْنا قباطنةَ بحار، لطول ما خذلَنا كلُّ ريّس جرَّنا من مدننا وجبالِنا وسهولِنا، وعيْنَاهُ على حاضرةِ مملكةِ تونس المحروسة، مُمْسِكًا بقرن الثور في نهاية المطاف، ظنًّا منه أنه روّض الثور، ناسيًا أنَّ للثور عضلاتٍ موزّعةً على امتداد الجسم…".

يتنقل الشاعر بين قضايا وهموم الثورات وربيعها وخريفها، يلتقط ومضة من هنا، وحلما غامضا من هناك، ويقف على الأوهام، ومن ذلك خوفه على ابنته من الفوضى التي تسمى حرية "مازلتُ أتمنّى ألاَّ أخاف،لا منكِ، ولا عليْكِ، عندما أراكِ تقتربين من فوضى الحرّية مثل فراشة". وعلى مستوى آخر يختار التقاطة العلاقة بين التونسيين المختلفين رغم كل ما يجمعهم، خصوصا على صعيد القهر الذي يطال الجميع، فنقرأ "لعلكَ صرخةُ قهرٍ/ تكهْربُها في شرايينكَ النارُ مِنْ مُقْلَتَيْ تونسيٍّ جريح/ لعلكَ… مثلي/ لعلّيَ… مثلك../ لكننا، رغم هذا التشابُهِ، لا نلتقي في طريقٍ صحيح…".

ومثلما يتجول اليوسفي في ثنايا وطنه الصغير تونس، يطوف في أرجاء من الوطن الأكبر شهدت ما شهدته تونس على نحو ما، خصوصا لجهة الخراب والدمار على أيدي قوى عدة، فنراه في سوريا مرة، وفي بابل العراق حينا، كما نراه في فلسطين أيضا. وكما يتنقل بين قضايا الثورات، فهو يتنقل حتى داخل الأسئلة الثقافية، والشعرية منها خصوصا، فيتناول "موت الشعر" في نص متميز. وينتهي إلى سؤال يمزج الوجودي بالوطني والإنساني في نص باسم "محمد علي اليوسفي"، ينظر فيه إلى نفسه من الخارج متسائلا "هل جئتَ تسألُ عنِّي؟ لقد متُّ منذ زمن. لكنَّ الحركةَ الكامنةَ في دولةٍ تعْقبُ دولةً، حقَّقتْ لي رغبَتي في الحياة…".

ومن أجواء الديوان نقرأ من قصيدة"أجمل الساحراتِ.. سورية" قول اليوسفي:

"هنا الشامُ ترفس في بطنها القدمُ

أجملُ الغرباءِ يجيئون مِنْ سوريا،

أو يظلّون في سوريا، قومَها الأوّلينْ.

كلُّهم رفعوا شُرفتي…


* * *


أجملُ الكُردِ في سوريا

حين تنفخُ روحُ أزادي

على قصَبِ الجُقْجُقِ المُرْتَوي،

أو على جمرةٍ من جنونِ عامودا،


* * *


أجملُ الوقتِ عيدٌ يزيِّنُ برْشينَ أو بابَ تومَا،

أجمل القادماتِ السويداءُ حين تحلُّ ببيتي،

أجملُ الساحراتِ هي اللاذقيّةُ مبلولةَ الشَّعرِ والحاجبيْن،

أجملُ المستغيثاتِ طَرطوسُ في رعشةِ الميجَنَا والعتابَا؛

فمن أيّما رغبةٍ جبَلَ الله طينةَ حمْصٍ،

وضحكةَ حمصٍ،

وجارتَها فيفطور الصباحِ؛ حماةَ؟

أما زلْتَ تذكرُ تلك العجوزَ، يؤرّقها فارقٌ بين ماعزِ درعَا وتونسَ؟

أيامَك المستظلةَ بالشامِ؛

لمّا بدأتَ تجاورُ لكْنتها في العشيّاتِ، بين " زملْكَا"، و"جوبرَ"

والمشمشُ الغرُّ، من غمزةٍ، يُعلنُ النضجَ بين يديكَ؟

أتذْكرُ كيف تعلّقتَ باسم الفقيرةِ: داريَّا؟

فاستشاطتْ دمشقُ؟


* * *


أين جسمُ الملاكِ الذي طار من قاسيونَ إلى التلِّ،

كي يتبخترَ في الصالحيّةِ بين المرايا؟

فكدتَ تطيرُ بكأسِ عرقْ،

غيرَ أنك طمْأنتَهُمْ: لستَ طيراً ولكنه بعضُ ريشٍ نطقْ!".

13