محمد علي بيضون: متعة القراءة لا يحققها إلا الكتاب الورقي

لا يختلف اثنان اليوم على أن الكتاب العربي يعاني من مشاكل عديدة خاصة في ما يتعلق بنشر الكتب وتوزيعها، إذ يشتكي كل من القارئ والكاتب من صناعة النشر اليوم، التي تعاني هي بدورها من تقلبات مختلفة وإشكالات عديدة تستحق إعادة النظر جديا في مسالك النشر والتوزيع، ولو أن معارض الكتب في الدول العربية أنقذت ولو جزئيا هذه الصناعة العريقة والمهمة لدى أي شعب من شعوب العالم.
السبت 2015/11/07
الكتاب الورقي لا يمكن أن يموت فمتعة المطالعة لا تتم إلا بمطالعة الكتاب الورقي

أكد الأمين العام لاتحاد الناشرين العرب محمد علي بيضون في لقاء معه على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 34 أن مشكلات النشر والناشر في عالمنا العرب تتلخص في صعوبة الظروف الراهنة، مؤكدا أن هناك أسواق في الكثير من البلدان العربية تكاد تكون مقفلة أمام توزيع الكتاب، منها سوريا وليبيا والعراق واليمن، وحتى تونس ومصر، ولو بنسبة أقل حدة، كما أن هناك مشكلة النشر الرقمي على الوسائل الإلكترونية من هواتف وآي باد وشبكة الأنترنت لكن هذه المشكلة لم تستفحل، في رأيه، حيث ما يزال وجود الكتاب الورقي قويا.

متعة الورق

أوضح بيضون أن هناك العديد من المشاكل، تتمثل خطورتها في أنها حدت من قدرة الناشر على نشر الكتاب، فتراجع الأسواق وارتفاع تكاليف الطباعة جعل الناشر يعيد تفكيره فيما ينشر، فمعظم الكتب التي تحقق مبيعات الآن هي من الروايات، ولا ينكر أمين عام اتحاد الناشرين أن جزءا من هذه الظاهرة مرده الناشرون لا شك، مؤكدا على احترامه للرواية وكاتبها وقرائها، لكنه يعتبر أن هناك كتبا أخرى تراجعت إنتاجا وتوزيعا، فقد تراجع نشر الدراسات والبحوث الجادة إن كانت لغة أو تفسيرا أو فقها وحديثا ونحوا أو صرفا، فارتفاع تكاليف الطباعة حد من إنتاج هذه الكتب وتوزيعها، كما أن منافذ البيع لم تعد كما كانت، إذ تقلص عددها وحتى القارئ لم يعد كما كان، حيث تضغط عليه تكاليف الحياة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتؤثر سلبا على قدرته على شراء الكتب.

وأشار محمد علي بيضون إلى أن الكتاب الورقي لا يمكن أن يموت، وعلل ذلك بأن “متعة المطالعة لا تتم إلا بمطالعة الكتاب الورقي، فالقارئ يستطيع أن يحصل من الآي باد أو الهاتف المحمول أو شبكة الأنترنت على المعلومة، وهذا شيء جيد نسعى إلى مواكبته ومسايرة تطلعات مستخدميه، لكن متعة القراءة الورقية تظل أمرا آخر، كأن أغفو والكتاب على صدري”.

يقول بيضون: انظر إلى قدرتك كقارئ على تحمل القراءة على أي من وسائل التكنولوجيا الحديثة، على أي نوع من الشاشات المتاحة اليوم، وعد بنفسك إلى متعة تقليب صفحات الكتاب، رؤية الحرف على الورق تختلف كثيرا عن رؤيته في شاشة، هناك على التابليت والآي باد والهاتف والكمبيوتر، تستطيع أن تحصل على معلومة سريعة، لكنك لا تحصل على متعة القراءة الورقية، ولو نسأل أي قارئ سيقول لنا إنه يفضل الكتاب الورقي.

النظر إلى التراث أصبح إيجابيا منفتحا وليس منغلقا ولكن يجب أن نعرف كيف نتعامل معه ومع طرق إخراجه

كتب التراث

ولم ير الأمين العام لاتحاد الناشرين العرب من خطب في استمرار الكتاب الديني والتراثي على قائمة أعلى المبيعات، يقول “يجب ألا ننسى أن أغلبية الجمهور العربي من المسلمين، ولا ينبغي أن نلوم أحدا على أن الكتاب التراثي الديني على قائمة أعلى المبيعات، فأنت تعرض على القراء ما هو بداخلهم، وعموما تراجع توزيع هذه النوعية من الكتب، بينما ما تزال الأكثر مبيعا، لكن هناك تحول نحو نشر دراسات حديثة أخرى. من جانب آخر لا يمكن الاستغناء عن التراث فهو تاريخنا وحضارتنا، ولذلك فالاستغراب ليس في أن يكون هذا النوع من الكتب هو الأكثر مبيعا، إنما المفروض أن نعرف ما ننشر ومحتوى ما ننشر، لا أن ننشر أي شيء، ولاحظ الآن أن ظروف المحققين والباحثين الذين يعملون على كتب التراث اختلفت عما سبق، فهناك اختلاف في النظر إلى التراث، فالنظر إليه أصبح إيجابيا منفتحا وليس منغلقا، إذ لا ينبغي أن نستغني عن التراث، ولكن يجب أن نعرف كيف نتعامل معه ومع طرق إخراجه”.

وأكد بيضون أن السوء ليس كامنا في نشر كتب التراث، ولكن ممن يمارسون المهنة، وهم قلة، ومن الخطأ التركيز عن نوعية بعينها منه، فمن يحققونها هم من يتحملون المسئولية، كتب التراث فيها الثمين كثير والغث قليل، ومن ثم نستطيع أن نركز على التراث الجيد. أيضا لماذا نتهم التراث؟ يجب أن نتهم من يتعامل معه بفهم خاطئ أو لا يدري كيف يتعامل به ومعه.

النشر رسالة

وحول حصول بعض الناشرين على مقابل مادي لنشر أعمال الكتاب قال محمد علي بيضون “ليس بالضرورة أن كل الناشرين يأخذون مقابلا على ما ينشرونه من إبداعات وآراء فكرية وبحوث ودراسات للكتاب، أنا ناشر نشرت 6 آلاف عنوان، ولم أتقاضى مطلقا ثمنا للنشر من مؤلف، وأنشر الرسائل الجامعية من أطروحات ماجستير ودكتوراه، ونشرت كتبا في مختلف العلوم الرياضية والزراعية والصناعية، بالعكس أقوم بتسليم المؤلف نسخا مجانية ليوزعها هدايا، فليس كل الناشرين يتبعون نفس الطريقة، هناك ناشرون يحصلون على مقابل للنشر، وقد يكون ذلك نتيجة لظروفهم المادية للإنتاج أو القدرة على التوزيع، لكن الأمر ليس قاعدة عامة”.

تراجع الأسواق وارتفاع تكاليف الطباعة جعل الناشر يعيد تفكيره فيما ينشر، فمعظم الكتب التي تحقق مبيعات الآن هي من الروايات

ولفت الناشر إلى أنه لا ينشر الروايات، مؤكدا أنه ينشر جميع الدراسات والبحوث في مختلف المجالات دون استثناء.

ويرى بيضون أن المعارض العربية منافذ بيع وتوزيع لمعظم الناشرين وهي مهمة جدا لهم، لكن ليست كل المعارض على نفس مستوى المعاملة، في رأيه، إذ هناك منها من يكون متعاونا مع الناشرين، وهناك معارض أخرى يعاملون الناشر كمجرد تاجر وليس صاحب رسالة.

يقول: نحن الناشرين جميعا كبرنا أم صغرنا، كلنا عندنا رسالة وراء كل كتاب نشرناه، كل منا على قدره، هو صاحب رسالة أراد أو لم يرد من أول كتاب نشره رواية أو قصة أو شعرا أو أي نوع من الكتب، مجرد نشر كتاب هو مساهمة في رفع مستوى الثقافة في العالم العربي.

واختتم أمين عام اتحاد الناشرين العرب حديثه مؤكدا أن “النشر باق والكتاب باق، ولكن تستطيع كل هذه الظروف على اختلافها وتعقدها أن توقف الكتاب، نحن مررنا بأزمات ومشاكل كثيرة جدا عبر التاريخ الحديث وعبرناها، ونسعى أن يكون الآتي أفضل”.

17