محمد علي جعفري قائد للحرس الثوري انقلب على حسابات الولي الفقيه

الأحد 2015/11/08
الأفعال الإيرانية والروسية تتطابق اليوم مع أفعال الأطفال في لعبة الحرب

ستراسبورغ - جنرال مهندس درس العمارة، وتطور من متطوع في قوات التعبئة العامة “الباسيج” إلى قائد للحرس الثوري الإيراني، يعتبر إيران دولة ذات سيادة ومؤمنٌ بالحلم الإمبراطوري لبلاده، هندس رداً مدويا على موسكو ليخرج ما في جعبة اليمين الإيراني إلى السطح.

تصريحات شكك فيها محمد علي جعفري بموقف روسيا تجاه مستقبل بشار الأسد، بل ذهب إلى اتهام من أسماه بـ”الرفيق الشمالي” بالبحث عن مصالحه في سوريا، وهنا كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، ولكن، من بعير هذا المعركة؟ وما هي القصعة التي يقاتل الجميع لأجل النيل منها كلياً؟ ولماذا تمسّك إيران العنيف بالأسد؟ وهل كل النظام الإيراني متمسك بخيارات المرشد الأعلى كحال قائد الحرس الثوري؟ وهل فعلا روسيا غير معنية ببقاء أو زوال رأس النظام بقدر اهتمامها ببقاء أو زوال مصالحها؟ كلها أسئلة كثيرة معقدة وربما أكثر من تعقيدات الموقف السوري والواقع الميداني اليوم.

لغة الميدان

هناك في أرض المعركة تقرأ الرسائل المكتوبة بالدماء والصواريخ بشكل واضح. طائرات روسية تقلع لتقصف بلدات في ريف إدلب الخاضع للهدنة المعلنة بين جيش الفتح، المسيطر على تلك المنطقة، والوسيط الإيراني، نعم الوسيط الإيراني الذي يراعي مصالح أهالي بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين هناك.

ذلك الخرق الذي لم ينتج إلا أضرارا مادية، كان رده بضع قذائف أنزلها الفتح على كفريا، وربما لو كانت الغارات عنيفة لانهارت الهدنة كليا واقتحم الفتح البلدتين، فهل الروس لا يعلمون بأن المنطقة تخضع لهدنة بين الفتح والإيرانيين؟ أم أنهم يعلمون ولكنهم تقصّدوا الفعلة؟ وكيف لطائرات روسية أن تقصف مناطق غير آهلة وهي التي لم تخطئ منذ بداية عملياتها بيتا أو سوقا أو منطقة تابعة للمعارضة إلا وضربتها؟ وهل تلك الغارة مرصودة في بنك أهداف الحملة؟

الطائرات الروسية تقلع لتقصف بلدات في ريف إدلب الخاضع للهدنة المعلنة بين جيش الفتح، المسيطر على تلك المنطقة، وقوات للوسيط الإيراني الذي يراعي مصالح أهالي بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين هناك

قد تكون رسالة رد على الجعفري من لون حربي، وربما هي مجرد خطأ لكن ذلك لا يغير في المشهد الكثير، فالإيرانيون منذ بداية دخولهم المعركة السورية أعلنوها صراحة، هم هناك لبقاء حكم الأسد الطائفي، والذي بدأ يلوّن طائفيته باللون الشيعي إرضاء للجمهورية الاسلامية، ووصلت السفاهة حد منع دبلجة المسلسلات التركية واستبدالها بإيرانية تروي قصص الأئمة.

ربما دبلج الروس ردهم للإيرانيين بلغتهم التي يتقنون، وبانتظار الرد الإيراني إذا كانت هذه الأخيرة تملك قدرة الرد على الدب الروسي، الذي وصف جعفري بقاءه في سوريا بالإحراج، فالرفيق الشمالي الذي “جاء مؤخرا إلى سوريا للدعم العسكري بحث عن مصالحه، وقد لا يهمه بقاء الأسد كما نفعل نحن، ولكن على أيّ حال هو موجود الآن هناك، وربما مجبر على البقاء (حرجا) أو لأسباب أخرى”، فهل يسعى اليمين الايراني لخلق شيطان آخر جديد إضافة إلى الشيطان الأميركي الذي بدأ نجمه يخبو في ظل المصالحة النووية أم أنها مجرد خلافات بسيطة بين صاحبي مهنة في سوقهم.

قصف وحوار

الضرب تحت الحزام ليس الرد الروسي الوحيد، بل استمرار وزير الخارجية سيرغي لافروف بالحديث عن أمله في اتفاق دولي بين وسطاء السلام الدوليين وعلى لائحة بأسماء جماعات المعارضة التي ستدعى إلى محادثات السلام بشأن سوريا، في اجتماع فيينا القادم.

ورغم أن العمليات العسكرية الروسية بات من الواضح أنها تسعى لتحقيق أيّ شكل من أشكال التقدم العسكري قبيل الانتقال إلى الطاولة خلافا للمشروع الايراني الذي يعمل على استراتيجية الحرب الطويلة وعمليات التغيير الديمغرافي كما يحدث في مناطق سورية مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر حمص التي بيعت عشرات البيوت فيها لشخصيات إيرانية ولبنانية شيعية، وهذه التحولات ظهرت في قلب العاصمة الأموية دمشق بإقامة احتفالات عاشوراء الأخيرة في باحة مسجد بني أمية الكبير، وحملات التشيع الكبيرة التي تجوب مناطق سيطرة المعارضة السورية اليوم، وبالطبع لا ننسى الرسائل القوية بأن الإيراني أو الشيعي عموما يحظى بحماية الجمهورية الإسلامية، كحال بلدتي كفريا والفوعة في إدلب ونبل والزهراء في حلب.

إيران مصرة على شعار الحرب الدينية كغطاء حقيقي، وعلى شعار المقاومة والممانعة كغطاء إعلامي بات مفضوحا بطريقة بشعة، وإن كان الخيار الروسي ليس شديد البعد عن الخيار الديني كمساعد لترويج القيصر المسيحي المؤمن فلاديمير بوتين، ولكنه بحسب الأرض خيار أكثر عقلانية، يتعاطى مع المسألة بالأرقام والنتائج والسريعة، فلا وقت لهدره كثيرا هنا، نضرب ونقصف المواقع والنقاط على أمل أن يتقدم الأسد وقواته والميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية المساندة له، ولكن الحقيقة أن قوات الأسد تتقهقر يوما بعد أخر، وفي أحسن الأحوال تقف عاجزة عن التقدم كما هو الحال في داريا، التي تعرضت في يوم واحد إلى ستّ محاولات اقتحام مترافقة بالقصف الجوي الروسي والصواريخ والبراميل وغيرها الكثير.

رسالة الجعفري تصطبغ باللون الحربي فالإيرانيون منذ بداية دخولهم المعركة السورية أعلنوها صراحة، هم هناك لبقاء حكم الأسد الطائفي

في ظل هذا كله الطيران الروسي يدك ويضرب ويقتل ودبلوماسية بوتين تعلن أن لديها خطة تستند إلى بيان جنيف وتفاهمات فيينا “التي أشارت بوضوح إلى صيغة حكم شاملة للجميع”، ويدعو لافروف الأمم المتحدة إلى العمل بسرعة على جمع أطراف الحكومة والمعارضة على طاولة المفاوضات.

كل هذه التحركات رد عليها جعفري الحامل لفكر المرشد الأعلى والحرس الثوري اللذين مازالا يؤمنان إلى اليوم بإيران الفارسية الإمبراطورية مترامية الأطراف، رد عليها بتخوين حكومة حسن روحاني التي تتوافق مع الحل الروسي واتهم الأخير بالتواطؤ مع أميركا ودول إقليمية لم يسمّها ضد الأسد، وقال “يقول البعض: ما الفرق بين الأسد أو أيّ شخص آخر؟ ولكن أقول لهم للأسف الشديد إنكم غير مدركين للوضع في سوريا، فالأسد يحظى بشعبية كبيرة، والشعب السوري متفق عليه، كما أن المقاومة في سوريا مرتبطة بالأسد، وعليه لا يمكن لنا التغاضي عنه ولن نقبل برحيل الأسد إلا إذا أكد الشعب السوري ضرورة رحيله عبر صناديق الاقتراع”، بل إن جعفري ذهب إلى مقارنة الأسد بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لا يمكن ترجمة ووصف المشهد بالمعنى الحقيقي له، إلا بأن كلا من روسيا وإيران تزرعان الواحدة للأخرى مسمار جحا، فمسمار إيران هو بشار الأسد، ومسمار روسيا هو فرض السيطرة على الأرض وبالذات في مناطق الساحل التي تحولت اليوم إلى قواعد عسكرية روسية بامتياز. ربما هو حل الكوريّتين، وربما هو السلام والتفاوض، وربما هو انتصار المعارضة، وربما بقاء الأسد، وربما أيّ شيء، ولكن الأكيد هو أن أحدا لن يتخلى عن حصته في هذه الجغرافية المثخنة بالجراح، لأسباب كثيرة منها المصالح الاقتصادية وموازين القوى وإن كان المال هو سيد السياسة والدين والأخلاق وكل المتعلقات في عالم الحروب القذرة.

الروسي الذي يستبق الأمور

حال روسيا اليوم وإيران كحال طفلين في شراكتهما بالألعاب، في اللحظة التي يرى فيها الطفل بأن شريكه قد يشكّل عبئا عليه يبدأ بالتخلص منه بشكل غريزي دون وعي عقلاني للمسألة، ففي لعبة الحرب الطفولية في شوارع المدن يعلن الشريك بأن شريكه خائن أو بأقلّ تقدير لا يتوافق معه ولكن لا يستخدم لغة معلنة بل تصرفات ومماحكات طفولية ليبرم شراكة مع الخصم القوي ويحيله شريكا.

إيران فعلت هذا عبر تلميحات المرشد الأعلى بأنه لا يمكن لدولة واحدة أن تقرر مستقبل سوريا، وعبر الخارجية التي أعلنت بأنها تفكر بالخروج من مفاوضات فيينا لانعدام الجدوى ومن ثمة طلبها المقداد لزيارة طهران أي إعلان النفوذ. لكن الروسي استبق فطلب رأس النظام إلى موسكو بل حمله كطرد بريدي في طائرة شحن ليقابل بوتين لأربع دقائق معلنة يخبره بسعادته للدور الروسي في سوريا، ويرد الأخير بأنه سعيد لحضوره، وبالطبع يقصد إحضاره. كم تتطابق الأفعال الإيرانية والروسية اليوم مع أفعال الأطفال في لعبة الحرب، ولكل منهم دميته ومقدرته على الخدش والصراخ والتلميح وربما يصل الأمر حدود كسر العظم، ربما فالمستقبل حافل بالكثير من المفاجآت.

تصريحات محمد علي جعفري الأخيرة يشكك فيها بموقف روسيا تجاه مستقبل بشار الأسد، ويذهب بعيدا إلى اتهام من أسماه بـ"الرفيق الشمالي" بالبحث عن مصالحه في سوريا، دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح إيران ذاتها

الحرب والإعلانات

ذاك المهندس المعماري يدرك تماما بأن الرسالة وصلت لموسكو، وربما أدرك في اليوم التالي بأن الرد قد جاء صريحا واضحا، بخرق الهدنة المعلنة لتقصف القرى الواقعة تحت وصايته، ولكن هل يدرك الجنرال المهندس الذي ولد عام 1957 في مدينة يزد الإيرانية، أن عليه فهم طبيعة الروسي الغريبة قبل الخوض معه بلعبة الرسائل تلك؟ وهل يساعده نشاطه السياسي المبكّر منذ العام 1977 عندما كان طالبا في جامعة طهران، بأن يدرك أن الحروب لا تدار بالإعلانات، أم يدرك باسترجاعه لتجربة السجن أن الرسائل الحربية تكتب بالدماء والبارود فقط.

ربما يدرك الجنرال جعفري الذي شارك كمجنّد متطوع في قوات التعبئة العامة “الباسيج”، جميع ما سبق، وهو الذي صعد منذ سنة 1981 العام الذي التحق فيه رسمياً بالحرس الثوري، من مجرد مجند إلى الفريق محمد علي جعفري ذي الأسماء الثلاثة “عزيز جعفري” أو “علي جعفري” أو “محمد جعفري”، قائد حرس الثورة الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ العام 2007 خلفا للواء يحيى رحيم صفوي.

كل ما سبق جائز وممكن، والواضح أن الأمر الوحيد المستعصي على جعفري ومرشده ومن ورائهم روسيا وبوتينها، أن يدركوا بأن السنوات الخمس العجاف التي مرت على البلاد والعباد لم تغير حقيقة الثورة وإن ألبستها مئة زيّ جديد، ولكن القياس على المتون لا الهوامش، والشعب السوري في الداخل هو متن تلك البلاد لا هامشها.

8