محمد علي خير لـ"العرب": الساحة الإعلامية المصرية تشهد انفراجا

برامج تلفزيونية جريئة استطاعت استعادة جزء من جمهور قنوات الإخوان.
الخميس 2019/10/17
محمد علي خير يمسك العصا من المنتصف

يستعرض الإعلامي المصري محمد علي خير في حوار مع “العرب” التغييرات اللافتة التي يشهدها الإعلام المصري بتوسيع مساحة الحرية والجرأة في طرح مواضيع جادة تهمّ المواطن والشارع المصرييْن، وكشف سر نجاح برنامجه “المصري أفندي”، على فضائية “القاهرة والناس”، في إثارة اهتمام الجمهور.

القاهرة - أكد الإعلامي المصري محمد علي خير أن قدرته على الوصول للجمهور مرتبطة بكونه “ليس محسوبا على جهة أو تنظيم أو جماعة أو حزب، وانحيازه للحفاظ على الدولة بأرضها وجيشها، بجانب المواطن البسيط الذي يركّز عليه من خلال الموضوعات التي يطرحها للنقاش”.

وكشف خير في حوار مع “العرب” كواليس حلقات برنامجه “المصري أفندي”، على فضائية “القاهرة والناس”، التي كانت سبباً في استعادة جزء من جمهور قنوات الإخوان التي تبثّ من قطر وتركيا، وأضحت مادة دسمة يجري تداولها بعد إذاعتها، على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات “واتسآب”، باعتبارها موضوعات جريئة ظلت غائبة عن الإعلام المصري.

ونجح خير من خلال برنامجه، في إثارة قضايا تلمس اهتمامات الجمهور السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعد أن رفع سقف الانتقادات الموجّهة إلى الحكومة، وتمكّن من مقاربة معاناة المواطنين والتعبير عنها بلغة رجل الشارع الذي يعاني من ويلات الصعوبات الاقتصادية، مما مهّد لأن يكون نموذجا يمكن الاحتذاء به كسياسة تحريرية عامة للإعلام المصري خلال الفترة المقبلة.

وأكد الإعلامي المصري، أن الدولة بكل أجهزتها لم تطلب منه مباشرة رفع سقف الانتقادات، وفي الوقت ذاته لم يطلب منه أحد أن “ينافق الحكومة ويكيل المديح إليها بالحق والباطل”، لكن طبيعة المرحلة منذ منتصف الشهر الماضي تطلّبت أن يتحدث بقسوة في خطابه الموجّه لقيادات الدولة وأجهزتها، انطلاقاً من أرضية وطنية ترفض الهدم.

وبدأت دماء السياسة تجري في عروق الإعلام المصري في أعقاب الصدمة التي أحدثتها المظاهرات المحدودة في 20 سبتمبر الماضي، ما انعكس على وجود جرأة غير معتادة من قبل بعض مقدّمي برامج الـ”توك شو” على الفضائيات المصرية، أفرزت عن استضافة الإعلامي عمرو أديب، مساء الاثنين، الطبيب والسياسي محمد غنيم في حلقة شهدت نقدا شديدا للحكومة المصرية، بل كانت قاسية على الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه.

ويجمع المتابعون على أن أوضاع الإعلام المصري اختلفت، ولو بقدر قليل، وأن هناك إشارات خضراء برفع سقف النقد الموجّه إلى مؤسسات الدولة، وإن لم يكن ذلك بشكل مباشر وصريح، غير أن إفساح المجال أمام حضور بعض الأصوات المختلفة وتغيير صيغة الخطابات الإعلامية يبرهن على وجود توجّه رسمي في محاولة لاستعادة الجمهور الذي هجر غالبيته وسائل الإعلام المصرية بمختلف أشكالها.

وقال خير لـ”العرب”، “أجهزة الدولة تفهّمت نقدي، بل وأفسحت لي المجال للاستمرار على نفس الخط، والمواطن على الجانب الآخر لمس نوعا من الصدق في الحديث الموجّه إليه، وتلقيت العديد من الاتصالات التي عبّر فيها مواطنون عن ضيق الأفق ممّا يواجهونه من صعوبات، وفي النهاية ذكاء الدولة السياسي انتصر، وكنت أعارض نزول المتظاهرين مرة أخرى، لكن طالبت بأن تراجع الدولة حساباتها”.

واستبق محمد علي خير الدعوة إلى التظاهرات بتأكيده أن التغيير بات ضروريًّا وآنيًّا؛ وحمّل الدولة مسؤولية إغلاق ما أسماه بـ”مراكز الإنذار” التي يحتاج إليها أي حاكم، وعطلتها بإرادتها، ولم تعُد قادرة على الإحساس بالخطر الذي تتعرض له، والرسائل تصل إلى الرئيس بأن كل الأمور على ما يُرام.

تغيير صيغة الخطابات الإعلامية يبرهن على وجود توجه رسمي لاستعادة الجمهور الذي هجر وسائل الإعلام المصرية

وتوقّع في حواره مع “العرب”، أن تكون أجهزة الدولة قامت بمتابعة حلقات برنامجه “المصري أفندي”، وحلّلت المضامين التي جاءت فيها، وهو يتحمّل على المستوى الشخصي ما جاء فيها وتبعاته، لكن في الوقت ذاته توقّع أن تشهد الساحة الإعلامية انفراجة على مستوى إتاحة الحريات بشكل أكبر.

ويعدّ خير واحدا من الإعلاميين الذين تسعى الدولة للاعتماد عليهم، فهو يتمتّع بمهنية عالية تجعله قادرا على جذب الجمهور، ولا ينجرف نحو موضوعات من الممكن أن تشكّل حساسية للدولة على المستويين الداخلي أو الخارجي، مثلما كان الحال قبل سنوات.

وأوضح لـ”العرب”، أنّ غياب شركات قياس المشاهدة عن العمل في سوق الإعلام تجعله يحدّد بوصلته على الموضوعات التي يطرحها نحو ما يهمّ المواطنين بالدرجة الأولى، وبالتالي فإنّ القضايا الجماهيرية التي يغلب عليها الطابع الشعبي، هي التي تحضر بالأساس وتأتي في صدارة ما يقوم بعرضه خلال البرنامج، بعيدا عن الغوص في تفاصيل السياسية.

ونفى تعرّضه لضغوط من أجل رفض ظهور بعض الشخصيات في برنامجه، لكنّه في الوقت ذاته كشف عن آلية اختيار الضيوف التي تكون من خلال الاتفاق مع فريق الإعداد، ومن ثمّ عرض قائمة الضيوف على إدارة القناة التي تجيزها غالبا، وقد يرتبط ذلك برفض خير ظهور كل من يصفهم “بأصحاب الحناجر المرتفعة”، وتأكيده الدائم على رفض بيع الكلام وفقط للمواطنين.

وقد تكون السياسة غائبة في بعض حلقات برنامج “المصري أفندي”، غير أنه ينطلق في تركيزه على مشكلات المواطنين من خلفية سياسية ترتبط بإيمانه بأن الدولة تخوض حربا شرسة ضد تنظيم الإخوان ومعارضي نظام ثورة 30 يونيو 2013 ومن بلدان معادية، على رأسها قطر وتركيا، وبالتالي فهو ينتقد حالة ردّ الفعل التي مازالت تسيطر على الإعلام منذ 6 سنوات.

ويطالب بأن يكون التعامل بالمثل، وتأسيس قنوات مصرية موجّهة بالأساس للداخل التركي والقطري واستضافة معارضين من الدولتين، بحيث يكون هناك ضغط إعلامي مواز، ويرتبط ذلك بحالات مواجهة البلدان المعادية باعتبار أنّ الإعلام سلاح يجري استغلاله بقوة وفاعلية، لتتحول الدولة من مرحلة رد الفعل إلى الهجوم.

ويرى خير أن ما يقوم به الإعلام حاليا جاء متأخرا وغير كاف، ولن يحقق المأمول منه لأن المواطن الذي يذهب إلى محطات خارجية يعاني من ظروف اقتصادية صعبة ولا يؤمن كثيرا بنظريات المؤامرة، وبحاجة لأن يستمع إلى آراء مختلفة، والتعامل يجب أن يسير بالتوازي بين ما يحتاجه المواطن والانتقال إلى الهجوم في مواجهة الأطراف المعادية.

وشدّد خير في حواره مع “العرب”، إن منظومة الإعلام المصري بحاجة إلى خبراء متخصّصين لإدارتها، وأن تحدّد الدولة الخطوط العريضة من دون أن تتدخل في التفاصيل، وتترك الباقي لأهل المهنة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، بالإضافة إلى أهمية إعادة التأهيل لكثير من العاملين، بما يؤدي تدريجيّا إلى الثقة في ما يقوله الإعلامي كي يكون لديه القدرة على توصيل رسالته بحرية أكبر وفي إطار مهني.

18