محمد عمران: ولا يزال اغتيال رجال سوريا مستمرا

السبت 2014/06/21
جنرال رأى أن على العلويين الابتعاد عن منصب الرئاسة في سوريا

بعد ألف سنة من الغياب عادت الروح إلى أهالي الجبل، وزحف أهل الريف باتجاه السياسة والجيش لاستعادة دورهم الاجتماعي السياسي المغيّب منذ قرون، هذا الزحف الريفي الذي ضم الأقليات الثلاث الأهم في سوريا علويين ودروزا وإسماعيليين ما كان ليكون لولا دور زعماء وطنيين يمثلون هذه الأقليات الثلاث قادوا ثورات تحررية ضد الاحتلال الفرنسي.

أما المحرّض المباشر على دخول أبناء الريف-لا سيما العلويين- إلى الجيش فكان أكرم الحوراني إضافة لعامل موضوعي يتمثّل في انكفاء أبناء المدن بطبيعتهم عن الجيش والوظائف الحكومية، أما من جهتهم كان أول من أعاد روح العلويين السياسية وفتح المجال للعب دور طبيعي في الحياة السياسية والاجتماعية السورية هو الشيخ صالح العلي، أما من جهة الدروز فكان المجاهد سلطان باشا الأطرش الذي أكّد دور الدروز التاريخي في صراع التحرر من الاستعمار.

تلت الأحزاب ثورات التحرر السورية، فقد كان لها دور كبير في تاريخ سوريا المعاصر ظهر جلياً بعد الاستقلال، حيث لعب الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي وبقية الأحزاب اليسارية القومية وعلى رأسها حزب البعث أدواراً تحررية على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكن الأحداث الجسيمة التي عصفت بفلسطين والمنطقة العربية جعلت للعسكر الكلمة الأولى في سوريا والشرق العربي، وبعد أن كان حزب البعث أمل الفلاحين وأهل الريف عموما تحول إلى مسرح لصراع ممثليهم.


صعود البعث وصراعه مع البرجوازية


في العام 1954 فاز البعث بسبعة عشر مقعدا نيابيا فاصطدم نوابه مع نواب حزب الشعب فيما يخص قوانين صغار الحرفيين والعمال وانتقل الصراع إلى داخل الجيش الأمر الذي أدى إلى سيطرتهم على معسكر قطنا قرب دمشق، هؤلاء الضباط البعثيون المتحمسون حاولوا إقناع قيادة البعث التاريخية (ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار) بمباركة انقلاب يقومون به للاستيلاء على الحكم لكن هذه القيادة رفضت الأمر بشدّة، وكانت هذه الحادثة سببا لبداية تاريخ طويل من فقدان الثقة بين ضباط البعث وقياداتهم الحزبية وتكرّس هذا الفقدان للثقة في حادثة حل حزب البعث بسبب الوحدة مع مصر ونقلهم إلى الإقليم الجنوبي، فبدأ الضباط البعثيون هناك التخطيط للانقلاب واستلام السلطة، وهكذا انقلب العسكر على السياسيين والمثقفين معاً، فبدل الأرسوزي وعفلق والبيطار ظهر صلاح جديد ومحمد عمران وأمين الحافظ وسليم حاطوم.


عمران المنفي يوحد الضباط البعثيين


قامت الوحدة بين مصر وسوريا، وخوفا من الضباط البعثيين ارتأى عبدالناصر وقائد جيش الوحدة المصرية السورية عبدالحكيم عامر التخلّص من خطر محتمل من ضباط الجيش السوريين وجلّهم بعثيون فقام بنقلهم إلى الإقليم الجنوبي وتوزيعهم على ثكنات الجيش هناك، كي يطمئن إلى سير الأوضاع في الإقليم الشمالي، كان محمد عمران وصلاح جديد في طليعة هؤلاء إضافة لعشرات الضباط الذين دفعتهم البيئة المصرية للتآلف مع بعضهم وكان هذا عاملا حاسما لتكتلهم فشكلوا اللجنة العسكرية التي ضمت المقدم محمد عمران وكلا من الرائدين صلاح جديد وأحمد المير والنقيبين حافظ الأسد وأحمد سويداني وكانت وراء إنهاء حكم الانفصال لاحقا لتدخل في مباحثات مع عبدالناصر لبناء الوحدة من جديد لكن بظروف مختلفة يكون فيها الضباط البعثيون أقوى، الأمر الذي عرقل المباحثات التي فضح خفاياها محمد حسنين هيكل بتسريبه معلومات عن عرقلة الجانب السوري- البعثي لمفاوضات الوحدة مع عبدالناصر باتجاه تأجيلها ريثما يتم لهم تصفية الضباط الناصريين تمهيدا للسيطرة على سوريا والوقوف في وجه عبدالناصر كأنداد وليس تابعين.

شهد أحمد أبو صالح أحد قياديي حزب البعث أن صلاح جديد حاول إقناعه بالهرب من السجن مع محمد عمران إلى القاهرة، وكانا قد اعتقلا مع أمين الحافظ بعد انقلاب 1966، لكن أبو صالح اكتشف أن صلاح جديد كان يخطط لقتلهما معا


عمران ينقلب على قادة الانفصال


عاد الضباط البعثيون من مصر إلى سوريا فقد حدث ما كان كارثة بالنسبة إلى الناصريين والبعثيين معا، لقد وقع الانفصال بين البلدين الشقيقين، بدأ نجم العقيد عمران يلمع بخطوة جريئة قاد فيها انقلابا على انقلاب سابق، كانت ضحيته العقيد عبدالكريم النحلاوي الذي قاد الانفصال بين سوريا ومصر الأمر الذي انتهى بالأخير للطرد من الجيش فهرب إلى خارج البلاد، وعلى الرغم من انفتاحه فقد ثار عمران كما ثار ضباط الأقليات بعدما تمّ تهديد مصالح الفلاحين بإلغاء الإصلاح الزراعي من قبل حكومة الانفصال، وكانت هناك عداوة كبيرة بين محمد عمران وصلاح جديد، وصراع خفي عنيف بين حافظ الأسد وصلاح جديد للسيطرة على السلطة وعلى الجيش بشكل خاص، كانت نتيجته انقسام داخل الجيش إلى ثلاثة تكتلات، ولهذا عمدت مجموعة القيادة القومية إلى إحداث تكتل انضم إليه فيما بعد العقيد محمد عمران، وقد أصبح التكتل يضم محمد عمران، ميشيل عفلق، صلاح البيطار، منيف الرزاز، أمين الحافظ.


عبد الناصر يتدخل لحل الخلاف بين عمران والحافظ

كانت روح الاستقلال جزءا من طبيعة محمد عمران وهو ما جعله يصطدم مع شخصية أمين الحافظ الذي كان عاطفياً يميل مع من ينجذب له، فيسهل انقياده. قصة الخلاف بين عمران والحافظ الذي كان وقتها قائد اللجنة العسكرية استمرت وقتا طويلا بين الرجلين حتى أن جمال عبدالناصر فاتح محمد عمران حينما التقيا في القاهرة بالحديث عن خلافه مع الحافظ، من ناحيته كان محمد عمران محبا لعبدالناصر وأقام علاقات جيدة مع مؤسسات الحكم المصري يوم كان في مصر لدرجة أن البعض اعتبره ناصريا، وزاد البعض فقال إن عمران كان على تواصل مباشر مع عبدالناصر في موضوع اللجنة العسكرية البعثية التي شكلت في القاهرة.


الصدام مع حافظ الأسد


مع قدوم العام 1964 بدأ الانقسام يتضح ما بين محمد عمران من جهة وبين صلاح جديد وحافظ الأسد من جهة ثانية، كان موضوع الانقسام قائما على موقف كل طرف من موضوع الوحدة، وكان من الواضح أن محمد عمران أكثر وحدوية من الاثنين وهو يميل إلى صف الأستاذين ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار في هذا الشأن، كان عمران وعفلق والبيطار إضافة لجماعة أمين الحافظ متمسكين بأولوية الوحدة مع عبدالناصر وإعطاء دور أكبر للجناح السياسي المدني من حزب البعث، وكان هناك سبب آخر للخلاف بين حافظ الأسد ومحمد عمران فقد كان الأخير جريئا وأكثر شعبية، شارك في قيادة انقلاب أنهى عهد الانفصال ودبّر محاولة انقلاب بالاتفاق مع سليم حاطوم لم يكتب لها النجاح في أيلول 1966.

لكن عمران قطع نهائيا مع اللجنة العسكرية فتركها حين شعر أنه صار ضعيفا وانحاز إلى القيادة القومية، وباح لعفلق وجماعته القديمة بسر اللجنة العسكرية، كما يقول باتريك سيل – فجُرّد من صلاحياته ، وعيّن سفيراً في أسبانيا، وكانت التهمة الموجهة له هي التحريض الطائفي داخل الجيش.


صلاح جديد يعتقل عمران ويخطط لقتله


بعد انقلاب 32 شباط 1966 اعتقلت اللجنة العسكرية محمد عمران وكان وزيرا للدفاع مع أمين الحافظ والعسكريين المحسوبين على القيادة القومية في سجن المزة، أما القيادة القومية فقد اعتقل أعضاؤها ووضعوا في استراحات سياحية سابقة، وكان الأسد يزورهم باستمرار يدعوهم لإيجاد صيغة بين الطرفين – العسكري، والسياسي المدني- تحل خلافات الحزب، يقول أحمد أبو صالح أحد قياديي حزب البعث إن صلاح جديد حاول إقناعه بالهرب من السجن مع محمد عمران إلى القاهرة، وكانا قد اعتقلا مع أمين الحافظ بعد انقلاب 23 شباط 1966، لكن أبو صالح اكتشف أن صلاح جديد كان يخطّط لقتلهما معا هو ومحمد عمران حالما يحاولان الهرب من السجن.

كان الجنرال محمد عمران ذا يد نظيفة وسمعة اجتماعية جيدة، مؤمنا بعقيدة البعث، براغماتيا غير متصلب برأيه، ميالا إلى الاقتصاد المشترك ما بين القطاعين العام والخاص، وكان مع الانفتاح على دول الخليج العربي وضد حملة التشويه والتضليل التي قادها الإعلام السوري آنذاك


اللجوء إلى لبنان


بعد ما يقرب من السنة والنصف نشبت حرب حزيران في العام 1967 الأمر الذي دفع الانقلابيين بقيادة اللجنة العسكرية لإطلاق سراح محمد عمران والحافظ مع معتقلي القيادة القومية من السجن، فلجأوا إلى لبنان وهناك في طرابلس شمال لبنان استقرّ اللواء محمد عمران في أحد الأحياء الذي يعود معظم ساكنيه إلى أصول فلاحية، وبقي محمد عمران الرجل الحمصي – من قرية المخرم- رجلا محبوبا من كتلة لا بأس بها من الضباط في الجيش أيدته ضد القيادة الجديدة المكونة أساسا من جديد – الأسد، بل لقد بقي صاحب نفوذ حتى بعد انقلاب تشرين الأول 1970 الذي قاده حافظ الأسد ضد صلاح جديد والذي سمّي “حركة تصحيحية”، فقد ظلّ محمد عمران محبوبا من اتباعه العسكريين له نفوذه الكبير داخل الجيش، وقيل إنه كان يعد لمحاولة انقلابية ضد حافظ الأسد الأمر الذي دفع الأخير للتخلص منه عن طريق أخيه رفعت، وكان هناك خوف حقيقي من تصفية اللواء عمران كما حصل مع عبدالكريم الجندي وسواه أو اعتقاله كما حصل لصلاح جديد وقادة الحزب.


روايتان عن مقتل محمد عمران


إذن كان هناك خوف من قتل عمران، كثير من وجهاء الطائفة العلوية في طرابلس وعدد من أصدقائه في سوريا انذروه مرارا أن هناك نية مبيّتة لقتله، كانت مخابرات الأسد تتابع محمد عمران بالفعل إلى جانب عناصر تابعين لسرايا الدفاع، ويروي مدير مكتب محمد عمران أن امرأة فقيرة قصدت منزل اللواء عمران في طرابلس وطلبت مساعدة فخرج بنفسه وأعطاها مبلغا من المال وبعد عدة أيام جاءت المرأة نفسها لكن برفقة رجلين فلسطينيين من منظمة الصاعقة ولما خرج عمران إلى الباب عاجلاه بست طلقات من بندقية حربية كان أحدهما يخبئها في سلة يحملها.

رواية أخرى مختلفة يرويها عبدالحليم خدام عن مقتل اللواء عمران، يقول خدام إن الأسد أرسل ضابطا إلى منزل عمران في طرابلس لمحاولة إقناعه بالعودة إلى سوريا لكن عمران رفض الأمر فحصلت مشادة بين الرجلين أدت إلى مقتل الأخير.


براغماتي نظيف اليد منفتح على الخليج


يقول مدير مكتبه العقيد مجاهد السمعان إن محمد عمران كان ذا يد نظيفة وسمعة اجتماعية جيدة، مؤمنا بعقيدة البعث، براغماتيا غير متصلب برأيه، كان يدعو إلى الاقتصاد المشترك ما بين القطاعين العام والخاص، وكان مع الانفتاح على دول الخليج العربي وضد حملة التشويه والتضليل التي كان يقودها الإعلام السوري آنذاك، وكان من أكثر الداعين للتنسيق مع مصر حتى بعد وفاة عبدالناصر وكان يرى أن علاقات سوريا بمصر يجب أن تكون متميزة مع تنسيق سياسي عسكري، ويتابع العقيد السمعان مدير مكتب محمد عمران: “كان محمد عمران مؤمناً بحق العلويين بالحصول على حقوقهم كمواطنين سوريين لأنهم كانوا معزولين لسنوات طويلة، فلا يجوز تحدّي عموم السوريين كي لا نصل إلى الحرب الأهلية، لهذا على العلويين الابتعاد عن رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء شرط إمساكهم بالجيش على الطريقة التركية، وهي شهادة تخالف ما كتبه باتريك سيل عن طائفية عمران، موقف عمران من نفوذ طائفته في السياسة يذكّر بموقف الشيخ صالح العلي الذي كان بدوره رافضا لحكم الأقلية.

قتلت أجهزة النظام البعثي أحد كبار قادته العسكريين وأنظفهم يدا وسيرة يوم 4 آذار 1972 قبل ثلاثة أيام بالضبط من ذكرى انقلاب 8 آذار الذي أنهى حكم الانفصال وكان للضحية فيه دور هام بل أساسي، وحين جاءت زوجته تبكي وتشكو مقتله للرجل الذي قتله تنصّل الأخير من مسؤوليته وألقاها على عاتق آخرين، ولما بدأ أنصار اللواء عمران بالتحرّك انتقاما لمقتله كان الوقت قد فات وكان القاتل عرف بخطتهم فاعتقل وهدّد واشترى وباع فسلّم أكثرهم وصاروا بعدها جزءا مخلصا من بنية النظام ورفض آخرون فسجنوا أو قتلوا أو لجأوا إلى خارج البلاد.

13