محمد عمر خليل المسافر الأقل خبرة في التفاؤل

الأحد 2016/10/09
محمد عمر خليل رسام المدينة الذي اخترع مدينته

لندن - بعد رائدي الفن التشكيلي في السودان إبراهيم الصلحي وأحمد شبرين لا أحد ينافس محمد عمر خليل على موقعه رائدا للحداثة الفنية الثانية في ذلك البلد الذي كان يوما ما يسعى إلى أن يكون جزءا من العالم.

سوداني وتفكيكي معا

خليل هو شاهد التحولات العبثية التي عاشتها بلاده، غير أنه كان في الوقت نفسه بمثابة البوصلة التي لم تضع طريقها في اتجاه العالمية، لا من خلال نقل التأثيرات العالمية فحسب، بل وأيضا من خلال الانفتاح على جوهر الروح السودانية، وهو جوهر غني بالتفاعلات بين ما هو أفريقي وما هو عربي. وهنا بالضبط تكمن قيمة مساعيه الحداثوية.

"خمسون سنة من الحفر" وهو عنوان معرضه الاستعادي الذي أقامه في البحرين (قاعة البارح 2014) يكاد يكون خلاصة رحلة طويلة من الكدح والبحث المضني والاستبسال البطولي من أجل صنع تاريخ جمالي مغاير.

رسوم خليل لا تكفّ عن التذكير بسودانيته، بالرغم من أنه أقام الجزء الأكبر من حياته مغتربا خارج بلاده. لا يحتاج الأمر إلى معجزة. فالسودان بالنسبة إلى هذا الرسام ليس صورته كما يصنعها السياسيون، بل هو عمقه الثقافي. جماله الذي يقيم في الخيال الجمعي، حيث الأشعار والحكايات والصناعات اليدوية التي لا يحكمها قانون مسبق.

نيويورك هي وحدها المدينة التي صنعت منه فنانا مدينيا. لقد اكتشف محمد عمر خليل من خلالها عالم المدينة المعاصرة. فحلت صور الحياة اليومية، السريعة والزائلة والغنية بالحركة إلى جانب الصور المتخيلة المستعارة من الحكايات والطقوس الشعبية التي تسكن ذاكرته

ما إن ترى رسومه حتى تهتدي إلى سودانيته. وهو ما منحه هوية واضحة على المستوى العالمي، حيث يعيش ويعمل ويعرض أعماله. غير أن تلك الهوية وقد صارت طريقة في النظر لم تمنع الرسام من التماهي مع مفردات حياته اليومية.

خليل رسّام مديني. وهذا وجه آخر من وجوهه الساحرة. لا يقلقه أن تكون له أقنعة كثيرة وهو ابن بيئة سحرية. فهو سوداني عتيق وأميركي متجدّد وهو أيضا مغربي.

منذ سنة 1978، حين تأسس موسم أصيلة الثقافي وسكان المدينة الأطلسية يرونه وهو يمشي في دروب مدينتهم الضيقة، قادما من بيته أو عائدا إليه. ورشة الحفر الطباعي التي أقامها في تلك السنة ولا يزال يشرف عليها بحنوّ المعلم لم تكن سوى ذريعة لحياة جديدة.

جسر بين عالمين

لا يُرى العالم بالنسبة إلى محمد عمر خليل إلا من خلال قناع. تلك فلسفته وهي طريقته في تفكيك المرئيات. أظن أنه أول رسام تفكيكي في العالم العربي. لم تأسره وحدة اللوحة. لا لشيء إلا لأنه لم يعش تلك الوحدة في حياته.

ولد محمد عمر خليل في بور سودان عام 1936. أنهى دراسته الفنية في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم في العام 1959. بين عامي 1963 و1966 درس الفن في فلورنسا ورافينا الإيطاليتين.

حنين يائس في رسوم محمد عمر خليل

قبل ذهابه إلى إيطاليا قام بتدريس الفن في عدد من المعاهد والجامعات السودانية. عام 1971 قرر الإقامة والعمل في نيويورك وهو ما لم يقف عائقا بينه وبين الاستمرار في تدريس الفن في وطنه الأصلي. مع بدء موسم أصيلة الثقافي عام 1978 استطاع خليل أن يؤسس ورشة الحفر الطباعي التي صار يشرف عليها كل سنة وهو يقيم جزءا من كل سنة في المدينة المغربية الصغيرة، حيث بيته في المدينة القديمة.

غير أن نيويورك هي وحدها المدينة التي صنعت منه فنانا مدينيا. لقد اكتشف من خلالها عالم المدينة المعاصرة. لقد حلّت صور الحياة اليومية، السريعة والزائلة والغنية بالحركة إلى جانب الصور المتخيلة المستعارة من الحكايات والطقوس الشعبية التي تسكن ذاكرته ليمتزجا بقوى تأثيرهما البصري وليصنعا عالما مأهولا بالسحر الذي لا يكف عن التدفق مثل الغناء.

"جسر بين عالمين" هو عنوان معرضه الذي أقامه في البحرين عام 2012. كانت تجربته الفنية التي عاشها بعمق انتمائه الأصيل وقوة رغبته في أن يكون معاصرا هي ذلك الجسر الذي عبره الفنان، جيئة وذهابا مرات عديدة في حياته لكي يتمكن من إحصاء خطواته. خطوات واثقة هي بمثابة درس متقن في معنى إنسانية الفن.

كانت نيويورك كريمة معه حين وهبته فرصة العرض في أعظم متاحفها. متحف متروبوليتان ومتحف بروكلين. كما أن الفنان كان حريصا على أن يعرض رسومه بين حين وآخر في عدد من المدن العربية. قاعتا أجيال ببيروت (2006) والبارح بالبحرين احتضنتا أهم معارضه. كما أقيم له معرض كبير في معهد العالم العربي بباريس.

ريش مخدته المتخيلة

“المسافر” يمكن أن يكون لقبه. تعلم من نيويورك الكثير، غير أن أهمّ ما تعلّمه أن يظل مسافرا. إنها محطته الأخيرة وهي ليست كذلك دائما. كل مدينة مرّ بها حمل منها شيئا، صار مع الوقت بمثابة لقية شخصية. الرسام الذي لم ينزلق إلى التجريد كان يلج العالم مستعينا بالصور. وهي صور يستعيرها من الواقع. غير أنها ما إن تنتقل إلى سطح لوحته حتى تبدو كما لو أنها تعيش حياة خيالية باذخة.

عالم عمر خليل لا يشكل من الصور المستعارة وحدها، بل هناك الشطحات اللونية العبثية بتمردها التي يفرضها الرسم، لتشكل قاسما مشتركا بين تلك الصور المكتظة بالصخب. تنظم تلك الشطحات التي تنبعث من داخل السطح التصويري العلاقة بين الأصوات المتضادة لترتقي بها سلّم موسيقى متناغما.

شطحات لونية عبثية بتمردها

يمر الرسام بفاس المغربية ليأخذ منها سكينتها وسلامها وجلال مقامها، أما حين يمر بمراكش فيؤخذ بسحر حواتها وتنهال عليه المرويات بكل ما تنطوي عليه من تداخل ممتع بين الوهم والحقيقة فينتج صورا هي خلاصة ذلك المزيج بين صور مدينتين تعيشان على حافات الكلام.

كانت لوحاته بمثابة يومياته التي تضعه وهو المسافر العابر في مواجهة مصادر إلهامه البصري. وهو ما يعني أن محمد عمر خليل يعيش بعمق كل لحظة من لحظات سفره. فهو لا يسافر جغرافيا، بقدر ما تحمله الموسيقى التي تنبعث من الصور التي يلتقطها إلى أعماق اللحظة التي يكون فيها خالقا لحياة كان قد عاشها من غير أن يكون ساكنها الوحيد.

لوحاته لا تصف محطات الطريق وإن كانت تحمل إشارات منها. يمكنه بجرأة أن يقول “إنها حياتي” تلك الصور التي تتجاور ويمتزج بعضها بالبعض الآخر هي في النهاية مواد أحلامه الشخصية التي تندس بسلام بين ريش مخدته المتخيلة.

سالو

أحيانا يبدو محمد عمر خليل كما لو أنه ينزلق إلى التوضيح. وهو أمر لا يستهجنه الرسام، وهو الذي يصر على أن يكون واقعيا نقديا، بالمعنى التاريخي الذي يهبه الحق في أن يعبّر عن مشاعره مباشرة في مواجهة التحولات الكبرى التي تتعرض لها المجتمعات.

خليل في النهاية هو فنان اجتماعي. في معرض أقامه في القاهرة وكان بعنوان “النيل نهرا للتواصل الإبداعي” وهو عنوان صحافي عابر حاول خليل أن يسترجع أيام مملكة مصر والسودان، ليذهب من خلالها إلى استقلال السودان الذي بات اليوم دولتين.

“سالو” هو عنوان المجموعة التي تتعلق بما آل إليه مصير السودان بعد انفصاله عن تلك المملكة. و”سالو” مفردة تصف بالسودانية فرع الشجرة العتيقة عندما يذبل ويسقط على الأرض تاركا الشجرة الأم.

في رسومه الكثير من الحنين. غير أنه حنين يائس. في أعمال الحفر الطباعي ينافس محمد عمر خليل معلّم هذا الفن، العراقي رافع الناصري، غير أن الناصري يتفوق من جهة تمسّكه بذروة الأمل التي تمثلها الكتل الملونة التي تحيي الذاكرة البصرية لدى المتلقي. كان اللون الأسود فاتحة أعمال الفنان السوداني وهو المنتهى. المسافر كان الأقل خبرة في التفاؤل.

10