محمد عيد إبراهيم .. أنا أكثر شعراء جيلي تجريبا

الأحد 2013/12/01
هل انشغل محمد عيد ابراهيم بالترجمة على حساب الشعر؟

لاحقت الشاعر المصريّ محمد عيد إبراهيم تهمة غموض نصه الشعري وتعقد تركيبته اللغوية وبنيته المجازية منذ أعماله الأولى، حتى بدا الأمر للبعض كأنه متعمد، وإن كان ليس كذلك بالنسبة إلى القارئ المتأمل حيث عمد الشاعر إلى التجريب إلى أن قبض على تلابيب صوته الشعري الخاص، ويضاف لهذا اتهام آخر يرى أنه انشغل بالترجمة للدرجة التي تجاوزت فيه أعماله المترجمة ـ 14 ـ على تنوعها بين الشعر والرواية أعماله الشعرية التي بلغت 11 ديوانا بدأت بـ "طور الوحشة" وأخيرا "السندباد الكافر" مرورا بدواوين "فحم التماثيل"، و"بكاء بكعب خشن"، و"على تراب المحنة"، واجهنا الشاعر على "كرسي الاعتراف" فكانت الأطوار التالية.

أكد الشاعر محمد عيد إبراهيم أن هناك مفاهيم مغلوطة عن الشعر، عن الغموض وتركيب القصيدة والمجاز وبنية القصيدة إلخ. قائلا: "وقد شاعت في فترة السبعينات قراءات كثيرة، توفرت لنا وسط العتمة الإعلامية التي كانت مفروضة علينا من قبل نظام السادات الإعلامي.

وحاولنا بين هذا وذاك أن نقيم عالما شعريا واسعا، تجريبيا في أحيان كثيرة، وحتى عبثيا في بعض منه، وجادا شديد الصرامة في بنيانه وشكله ورؤيته وبعض أحلامه في تحقيق قصيدة مخالفة لما تعارف عليه الأسبقون، أو حتى من كانوا يكتبون قبله بقليل. في هذه الفترة، التي لم يعرفها من تلانا من الشعراء في مصر، كنا نقرأ لبعضنا البعض، ونكتب من دون أن ننشر، ونتصور أن ما نكتبه هو الشعر الخالص، ولا شعر غيره.

وكنا عدوانيين في مواقف لم تكن تستأهل هذه العدوانية مطلقا، وكنا متضامنين بحسّ من الجماعات التي انتشرت وقتها بمنشورات بسيطة على طريقة (الماستر) نقوم بتجميعها في بيوتنا وتوزيعها بأنفسنا على المقاهي.

هي حالة شعرية غنوصية أو باطنية، كانت في فترة سيئة، مع ذلك قد تعود لو تحكّم فينا حكم الضباط الذين قد لا يفرّقون بين الثقافة ودورها الجماليّ في المجتمع، وبين الإعلام ودوره المباشر في توجيه الجماهير العمياء الأمية في كثير منها".

وأضاف "يجب أن نفرق بين الغموض والإبهام، فمنذ النقد العربي القديم، أعلى النقاد من شعرية المتنبي على شعرية أبي تمام، مثلا، حيث المتنبي بسيط وواضح ومباشر، لكن أبا تمام مركّب وغامض وشعريته ليست في متناول الجميع مثل المتنبي.

لا يعني هذا أني لا أرى المتنبي شاعرا كبيرا، بل هناك مفاهيم شعرية مختلفة ومتنوعة ومتباينة وواسعة قدر اتساع السماء والأرض! وعلينا، حين نتذوق الشعر، أن لا نغفل مثل هذه المسألة، مسألة التلقي والتنوع في رؤية القصيدة من أكثر من شاعر وأكثر من رؤية للعالم.

هناك الواضح البسيط، وهناك الغامض المركّب، وهناك حتى الملتبس الذي يحتاج جهدا كبيرا من القارئ لفهم أو استيعاب القصيدة ومنحاها الجماليّ، من دون أن ينتقص من جهد الشاعر أو يحطّ من قدر القصيدة، ولو كتبنا جميعا، بالمقدار نفسه من الوضوح والشكل شبه الموحّد، كما يفعل بعض شعراء قصيدة الثنر حاليا، لانتفت الشعرية واكتفينا بقراءة شاعر أو اثنين والسلام. في التنوع السلامة دائما".

"أما بالنسبة إليّ تحديدا، فربما أكون أكثر شعراء جيلي تجريبا، قد أكون، من دون أن أغمط الآخرين حقوقهم، فكلنا كنا نجرّب، حتى من كان أقربنا إلى روح السابقين، فلم يكن يسلك دروبهم كما هي، أبدا، والتاريخ من سيحكم علينا، بعدما يتم نشر منجز هذا الجيل بكامله.

كنتُ في بداياتي أقرب إلى روح المتمردين في العرب، مجلة شعر، والصوفيين القدامى إلخ، لكن بروح مختلفة عن رفاقي، أقول مختلفة، لا أفضل ولا أقل، أبغض حروف الجرّ والعطف وأسماء الوصل إلخ، كنت أحلم بقصيدة متدفقة لا يكاد يوقفها شيء، لذلك كان الناس يرونها غريبة، فهذه ليست من طبيعة اللغة، ولا يمكن أن تتقبلها الذائقة كثيرا، لكني كنتُ سادرا في هذه الطريقة أسعى لأن أكوّن بها قصيدة جديدة، تختلف لا عن السابقين فقط، بل عن رفاقي أيضا".

وقال محمد عيد إبراهيم "قد ترى في هذا الأمر نوعا من التعمد والقصدية، لكني أراه نوعا من التحدّي لإمكانات هذه اللغة، ونحو أخذها إلى ساحة بعيدة ولو كانت ساحة خلاء. الشعر لا يتعمد، وإلا صار كتابة كأي كتابة، الشعر يأخذ من روحك إلى روح القارئ، والقراء مستويات وشرائح، وليسوا كتلة واحدة مصمتة.

عملت طيلة حياتي في الترجمة على إسماع صوتي بمزيد من الوضوح من خلال تقديم نماذج أخرى من العالم تؤيد وتساند وجهة نظري الجمالية، من دون أن ينتقص هذا من جهدي الشعريّ على الإطلاق

أقول: لقد جربت، ولْيَرَ الآخرون ما يرون، أدليت بدلوي، سواء كان خطأ أو صوابا، فهو دلوي وحدي، لم أبتغ فيه تقليد أحد بل حاولت قدر استطاعتي أن أكون نفسي، نفسي فقط، ولم أخن نفسي، مهما كان ردّ الفعل".

ورأى أن حكاية الترجمة جزء من شخصيته ونشاطه الإبداعيّ، "فليس ثمة تعارض أو تضاد أو تباين في أني قد أترجم أو أكتب قصيدة من عندياتي، فلماذا لا أخلص في الترجمة، كما أخلص في الشعر؟ أنا نفسي دائماً، أكتب قصيدة وأعززها بترجمة نصوص من الغرب والشرق، تعمل في المسار نفسه أو شبيهه أو قريب منه. عملت طيلة حياتي في الترجمة على إسماع صوتي بمزيد من الوضوح من خلال تقديم نماذج أخرى من العالم تؤيد وتساند وجهة نظري الجمالية، من دون أن ينتقص هذا من جهدي الشعريّ على الإطلاق.

هناك شعراء كثيرون في العالم يقومون بأنشطة كثيرة، من دون أن يتهمهم أحد بأن هذه الأنشطة تأكل بعضها بعضا، أو تؤثر في قيمة بعضها البعض. بورخس ود.ه. لورنس وجيمس جويس وغيرهم، كتبوا شعرا وروايات وقصصا ونقدا. وهنري ميشو وجاك بريفير ودو شامب وغيرهم، كتبوا شعرا ورسموا. وهناك شعراء كتبوا السيناريو أو قدموا نحتا أو مارسوا غير ذلك من أنشطة إبداعية، ولم ينتقص ذلك قدر شَعرة من إبداعهم، بل يمكن القول إن تعدد النشاط الإبداعيّ يثري بعضه بعضا".

وأوضح "في حالتي، قد يكون للترجمة تأثير واضح على جمالياتي الشعرية، فقد تم التبادل بينهما بشكل واسع، حيث أثّرت لغتي الشعرية فيما أترجم، وأثّرت الترجمة في لغتي الشعرية، وقد يكون في هذا التبادل شيء حسن، فقد صرتُ أكتب بمزيد من الوضوح، لكنه ليس كالوضوح المباشر أو البساطة التي تقترب من التبسيط، فالشعر عندي في المقام الأول توصيل لكن بلغة جديدة ورؤية جديدة للعالم، أضع فيها اللغة في محلّ آخر محاولا أن أستغلّ إمكانات أكبر لها وسط رؤيتي التي تعادي التقليدية والرمزية والرومانسية وغيرها، فالحداثة وما بعدها هي من صميم روحي الفنية.

وقد تكون تجربتي لبست شكلا آخر نتيجة خبرة الزمن وتجارب الحياة ومعاقرة تجارب الآخرين، لكنها في العظم واحدة، لا يمكن لأي شاعر إلا أن تكون له بصمة، وهي التي تفرقه عن غيره من الشعراء، وإن فشلت في تبيان مثل هذه البصمة، فهناك مشكلة حقيقية لدى الشاعر.

والمحكّ هو الزمن، والمواظبة على تقديم النموذج الذي يريده الشاعر، من نفسه ولنفسه، لكن نفسه التي قد تنقسم إلى أنفس الآخرين أو تعكسها بزوايا مقعّرة أكثر منها محدّبة. عموما، يقول مولانا جلال الدين الروميّ في رباعية ترجمتها له: "كلما تصطلي النيران/ يختفي الدخان".

15