محمد عيد إبراهيم: الترجمة قراءة للنص والقصيدة ترجمة للوعي

الاثنين 2013/08/26
محمد عيد إبراهيم: كلما ترجمت لشاعر ارتقيت به درجة في فهم الشعر

القاهرة- محمد عيد إبراهيم، يُعدّ من أشهر المترجمين العرب، وهو شاعر صدر له 11 ديوانا، و13 ديوانا مترجما. وله 20 رواية مترجمة و7 مجموعات قصصية، إضافة إلى 5 مسرحيات مترجمة و3 كتب ترجمات نقدية و5 قصص أطفال. المترجم المصري استطاع أن يمارس الترجمة بكلّ ما فيها من صعوبات، لكنه رغم ذلك ساهم في إثراء حقل الترجمة بتناوله لعديد القضايا الراهنة، مع تنويع في المجالات.

الترجمة قراءة موسعة للنص، والشعر ترجمة للوعي، هكذا يبدأ محمد عيد إبراهيم حديثه عن ترجمة الشعر، حيث يقول:" الشاعر يحرض المترجم، والمترجم يحرض الشاعر، وكلاهما يدخل حلبة الثقافة من بابها الواسع، وقد يحرض الشاعر نفسه على الترجمة حيث يدخل في عالم الخيال من غير أن يكون مستعداً إلا بثقافته وحسّه البدائيّ باللغة من المنقول عنها والمنقول إليها.

الترجمة والموهبة


ترجم عيد إبراهيم عديد المؤلفات، وهو يرى أن المثابرة على هذا العمل هو السبيل الوحيد لنجاح الترجمات، ويعتقد أن العدد الكبير من الكتب الذي قدم فيها شعراً وترجمة، يدلّ على المثابرة، فهو يعوّل على نفسه، وعن هذا يقول: "الموهبة لا تكتفي بنفسها أبداً، بل تحفزها القراءة المعمّقة والوعي النقيّ بالواقع وممارسة الحياة بكلّ مناحيها، كأن الشعر هو الحياة، والحياة هي الشعر، لذلك لا أخون ضميري أبداً، ولو كان على حساب أيّ قيمة كالشهرة أو الذيوع أو ما يقال اسمه المجد".

يعتبر محمد عيد إبراهيم من روّاد جيل السبعينات، وكان أحد مؤسسي "جماعة أصوات" الأدبية. عن بدايته في كتابة الشعر وعن تجربة جماعة الأصوات الأدبية، يروي عيد إبراهيم بداية التكوين الأولى كشاعر. يقول:" كلّ تجربة يمرّ بها الإنسان تثريه، جيدة كانت أو سيئة، ولذلك لابدّ من تبيان الظروف التي أدت إلى تكوين مثل هذه الجماعات خلال فترة السبعينات، فقد أغلق السادات بعد التصالح مع الدولة العبرية كلّ منافذ الإبداع في مصر تقريباً، ولم يبق أمامنا إلا النشر في الخارج، وكان عصياً، حيث كانت معظم الدول العربية تناهض كلّ ما يصدر عن مصر، حتى لو كان قصيدة أو رواية، أو التعاون معاً لإصدار منشوراتنا وطبعها على حسابنا وتوزيعها بأيدينا، كانت فترة عصيبة جداً، حيث أثّرت على كلّ ما نكتب".

يضيف عيد إبراهيم:" صرنا نقوم بالتعمية والترميز والتحكيك وإعادة تدوير القصيدة مرة بعد أخرى، ونشرها في مجالات محدودة، أو مجرد قراءتها وسط مجموعات محدودة في غُرف مغلقة أو فوق أسطح واسعة عند صديق. لكن بعد مرور هذه الفترة، بحلوها ومرها، انتفض كلّ منا يبحث عن نفسه، فلم تعد هناك من ضرورة لحمايته من البقاء وسط جماعة محدودة، وصار كلّ منا لنفسه، يكتب هنا وينشر هناك، ويصدر ديوانه ويتلقى الردود عليه سلباً أو إيجاباً، وفي هذا المحكّ الذي يجعل أحدنا يستمرّ أو يركن إلى الخلاء.

وقد نشرت أحد عشر ديواناً، معظمها في دور نشر خاصة، في بيروت غالباً، حتى أستطيع أن أكتب ما أريد، بعد سنين القحط التي كنا نتخفّى فيها مما نكتب، مع أنه كان مجرد قصيدة، لا بندقية إرهاب. وبدّلت فيها نفسي وحككت فيها جلدي، وتغيرت مرة بعد أخرى، لكن لم أنقلب على ذاتي كالبهلوان، هناك عمود فقريّ لكلّ ما فعلت، لكن تحولاته عديدة، في منحى اللغة والأسلوب ورؤية العالم وشكل القصيدة، وكانت دائماً قصيدة نثر، حيث كنتُ أول من واظب على كتابتها في جيل السبعينات، وقد أحدثت فيها تطوّحات عدة عبر تاريخي الشعري، الذي يقارب من نصف قرن الآن".

الشارة والوشم

تأثر مشروع محمد عيد إبراهيم الإبداعي في بدايته بالدادية مرة والسريالية مرة أخرى وأخذ التجريب مساحة كبيرة من البدايات في منجزه الإبداعي، إلا أن الأمر اختلف في دوواينه الأخيرة، عن تجربته في هذا الميدان، يقول:" التجريب سمة كلّ شاعر أصيل، يأخذ من هنا شارة ومن هناك وشماً، حتى يستوي اللحم على العظم، لذلك لا أعتبر نفسي متقلباً، بل مواظباً على نفسي، وكلّ امرئ يتغير، فلماذا لا يتغير شكل الشعر الذي نكتبه، لكن الجوهر تقريباً متشابه، فلكلّ تجربة شعرية عمود فقريّ تبني عليه شكل أيّ كتابة يكتبها الشاعر، قد أكون أخذت من الدادية فوضاها وحريتها القصوى في التعامل مع اللغة حتى إبطال المعنى أحياناً، وقد أكون أخذت من السوريالية رمزيتها ومجازاتها الواسعة وطزاجة استعمالها للغة، وقد أكون أخذت من الصوفية معناها ومبناها وطريقة التعامل الباطنية مع اللغة، حيث أقصد شيئاً وأشير إلى آخر، مع نقاء النفس في رؤية العالم دون أن يغصبني على شيء.

فقد مضيت في العمر حتى صار الأمر خبرة واسعة يمكنني فيها وبها أن أعبّر عن نفسي بأيسر الطرق، دون كثير من الترميز والتعمية، مع أني كالحيّة، أغيّر جلدي بين الحين والآخر، حتى أظهر بجلد جديد.

"السلفية" الشعرية


أما عن عملية النقد وهل هناك قطيعة معرفية بين الأجيال الثقافية، يقول محمد عيد إبراهيم: "النقد عملية معقدة، تحتاج إلى ثقافة عريضة، وهضم للنصوص والنظريات التي تتعامل مع تلك النصوص، ولذلك يندر المثقف الواعي الناقد في ثقافتنا العربية المعاصرة، هناك القليل الذي يمكن إطلاق صفة الناقد عليه، بهذا المفهوم. فمعظم نقادنا كلاسيكيون، أفكارهم نظرية تسقط عند ممارسة عملية النقد على النصوص الجديدة، ولذلك يغرمون بممارسة النقد النظري وشرح النظريات والتفلسف عبر مقالاته بمصطلحات جديدة، لكنه يتحول إلى شيخ أزهري ليس في باله غير التراث البالي حين يتقدم إلى معاقرة نص أدبي جديد".

ويؤكد عيد إبراهيم على أنه ليس هناك أي نوع من المقاطعة الثقافية بين الأجيال الشعرية العربية، بل هناك هضم وتمثّل، من جانب الشاعر لكن المشكلة هي في أن الكبار الباقين الآن على عهدنا قد نسوا أو تناسوا التجديد والتطوير وهي سنة الأدب كما هي سنة الحياة، فصار معظمهم "سلفيين شعريين" معادين لكلّ مستجدّ طريف، خاصة عالم قصيدة النثر، تلك الكائن الذي يمكنه التحوّل والتغير على طول المدى، حيث تأخذ من كلّ الفنون في محاولة منها لعمل مزيج من كلّ الفنون، قصيدة النثر هي المستقبل، وهم لا يريدون لهذا المستقبل أن يبزغ. "الشعر ديوان العرب"، هكذا قال القدامى، ولكن اليوم وقد هجره الجمهور صار من الماضي، عندما تحوّل إلى ميدان تهتم به النخبة.

ولقد غاب شعر جيل السبعينات عن مشهد الثورة ولم يكن حاضراً بقوة مثل أسماء الشباب الذين غطوا على كثير من الأسماء التي آثرت، ربما، الابتعاد. يقول محمد عيد إبراهيم:" لم يعد الشعر ديوان العرب، فهناك وسائل الإعلام التي تقوم ببعض أدوار الشعر القديم، ويمكنني القول إن الشعر لم يكن دائماً ديوان العرب، فهناك قيم أدبية وفنية راقية في كثير من النثر العربيّ، وقد يتأكّد بالبحث المدقق أن النثر هو من كان ديوان العرب.

أما لماذا راح بعض الشعراء إلى كتابة الرواية، فهو مردود عليه، فهناك مواهب شعرية قد لا تكتفي بنفسها، وتميل نحو الرواية أو السرد عموماً، وفي تاريخ الأدب في العالم الكثير من هذا: بورخيس، د. هـ. لورنس، جيمس جويس، همنجواي، جورج باتاي، وليم بوروز، وغيرهم كثير. فلماذا ننكر على العرب لو فعل بعضهم هذا، هذه مسألة مواهب ليس أكثر، وأقدار يرتضيها الكاتب لو أراد.

أما بخصوص مسألة الشعر والنخبوية، فهناك شعراء يضمون جمهوراً كبيراً، ويستطيعون ذلك، وهناك شعراء لا يستسيغهم إلا قلة، وهذا لا يحطّ من قيمتهم أبداً، وحكاية الجمهور هذه عمياء نسبياً، فلكلّ فنّ جمهوره، لكن جمهور الباليه غير جمهور المسرح وجمهور المسرح غير جمهور الفيلم وجمهور الفيلم غير جمهور الشعر، وحتى جمهور الشعر فئات: الشعر الشعبيّ وشعر الفصحى، الشعر الموزون وقصيدة النثر، الشعر الصادم والشعر المهادن إلخ.

ولماذا غاب شعري عن الثورة، وأين من شعري كان يستجيب للمناسبات، هذه أغارض قديمة للشعر، وحتى من كتبها فهم شعراء في منتهى الرداءة، وأعتقد أنهم كانوا متواجدين، بالمعنى الفلسفيّ، لا موجودين، همّهم هو الإعلام والشهرة التي لن تدوم فهم أقلّ من أن يستحقوها! على الشاعر الحق أن يهضم الحوادث الجارية ويجعلها تسري في أعماله لا أن تظهر كزوائد مهملة تستحقّ القطع والبتر كونها غير أصيلة في الجسد، الطارئ ليس بالضرورة أن يتفاعل فوراً ومباشرة، بل يأخذ وقته، وهناك شعراء كبار في العالم كتبوا عن حوادث جسيمة بعد مرور سنين، فمهمة الإبلاغ الفوري انتقلت إلى الإعلام، وانسحبت من الفنّ.

15