محمد عيد إبراهيم: لا وجود لـ"آدم" في الشعر

الأربعاء 2014/08/20
على المثقف أن يناهض المظالم، ويسعى إلى إقامة العدل في الأرض

في حوارنا مع الشاعر المصري محمد عيد إبراهيم نحن على المحك، حيث استطاع عبر أحد عشر ديوانا بدأت بـ “طور الوحشة” عام 1980 وأخيرا “السندباد الكافر” مرورا بدواوين “فحم التماثيل”، و”بكاء بكعب خشن”، و”على تراب المحنة”، أن يبني خصوصيته الشعرية، إضافة إلى كونه من المترجمين المهمين الذين احتفوا بترجمة الشعر والرواية. فترجم أشعار سودر جران، وتيدهيوز وبورخس، وترجم روايات لتوني موريسون، وميلان كونديرا، وغيرهم.

إضافة إلى منجزه الشعري، أنشأ الشاعر سلسلة “آفاق الترجمة” التي تصدرها هيئة قصور الثقافة، وكان لجريدة “العرب” معه هذا الحوار.


الرحلة الشعرية


مضى زمن منذ أن بدأ عيد إبراهيم رحلته الشعرية بديوان “طور الوحشة” الصادر عام 1980، عن دوافعه للكتابة اليوم في مقارنة بما كانت عليه في الماضي، يذكر مترجم “فالس الوداع″ أنه لم يسبق أن أراد شيئا من الشعر يوما، لا شهرة ولا مالا ولا أيّ شيء، فقط مجرد رغبة ضاغطة في الكتابة. وكان ولا يزال ضدّ أيّ سلطة مضطهِدة، حتى في الشعر. ويؤكد أن الزمن يدور باستمرار، فقد كبر فجأة، ولم يعد يرضيه ما كان يكتبه في الماضي، من حذف لحروف الجرّ والعطف ومحاولة تقطيع السياق وترك الكثير للقارئ يستكشفه في القصيدة إلخ.. ففي رأيه، كلّ امرئ يتغيّر ويُبدّل جلده بين الحين والآخر، مع أن العمود الفقريّ للشعر يظلّ واحدا تقريبا، لكن اللباس مختلف في كلّ حين.

يتابع الشاعر قائلا: «أين يمضي بي الحال، لن أعرف حتى أضع آخر نقطة في حياتي، هناك وعي قطعا بما أفعله بالقصيدة، لكن إلى أين يقودني هذا الوعي، لا أعرف، وأفضّل ألاّ أعرف، حين تعرف ماذا تريد من الشعر تتوقّف. المجهول يظلّ أمامي فلاة واسعة مما يجعلني أكتب. ثم أنقّح في كلّ قصيدة جديدة ما كتبت سابقا وهكذا دواليك. لم يحدث أن توقّفت في حياتي عن كتابة الشعر، لكني مقلّ بشكل عام، أنتج ديوانا كل أربع أو خمس سنوات، وفترة التوقّف بين ديوان وآخر لا تعني التخلّي أو الهجر، بل تعني الاستعداد والتجهّز للجديد، الذي أبحث عنه، فعلى الشاعر، في ظني، أن يقرأ أكثر مما يكتب، ويبحث أكثر مما يجد، ويظلّ يسأل ليرى ويستوعب أكثر».

يفترض أن تكتب كأنك تكتب للمرة الأولى، لترى شكلا جديدا في مضمون جديد


تجاوز التراث


العديد من المقولات التي لا تزال تظهر أحيانا باتهام الشعر الجديد (المنثور، الحر، قصيدة النثر…) بأنه يتنكر لتراثه، وبأن ما يكتب اليوم ليس سوى أفكار مستوردة، وما إلى ذلك من تعقيبات تقف ضد القصيدة الجديدة، عن دور الشعر الأجنبي في صوغ عالمه الشعري، يؤكد عيد إبراهيم أنه لا يوجد شاعر عربيّ يستطيع الكتابة من غير متابعة ما سبقه، قراءة وفهم التراث والوعي بمنجزه أساس لكلّ شاعر، لكن هذا الوعي لا يعني أن يقوم بعملية استنساخه من جديد، حسب رأيه، بل هضمه ومحاولة تجاوزه بكلّ ما لنا من طاقة معرفية. هكذا لا يرى الشاعر لمفهوم القطيعة معنى، فأنت تكتب فوق طروس عديدة مما قرأت وفهمت، بل ووعيت، وكلّنا يبني فوق ما يبنيه بعضنا، ليس لأحد أن يبدأ من الصفر كأنه “آدم” الشعر.

ويؤكد عيد قائلا: «قد زادني الله شرفا أن عرفت الشعر الأجنبيّ في لغته وترجمت الكثير منه، ولا أزال، وهو معرفة إضافية، فالترجمة قراءة معمّقة للنصّ، وأعترف طبعا أني استفدت الكثير من المنجز الشعريّ العالميّ، مما غيّر من شكل ومضمون القصيدة عندي، ومن لا يستفيد من هذه المنابع الثرّة؟ حين تفتح قلبك للنوافذ يدخلك هواء جديد، والشاعر الجامد صلب الحوائط التي لا تسمح بالاختراق يظلّ في محيط الماضي غائبا عن المستقبل، كما أني أتابع ما يُكتب في أيّ مكان، صغيرا كان أو كبيرا، شهيرا كان أو مغمورا، وكلّ مسامّي مُفتّحة للجديد الطريف، وضدّ الماضي التليد.

حين تعرف ماذا تريد من الشعر تتوقف. المجهول يظل أمامي فلاة واسعة مما يجعلني أكتب


القصيدة الحديثة


يكتب عيد إبراهيم قصيدة النثر، التي يعتبر أنها، اليوم، لا تعتمد كثيرا على خبرات حياتية جبّارة مثلما كانت للشاعر القديم، حيث تتكفّل الميديا الآن بالعديد مما كان يؤديه الشاعر قديما. على الشاعر اليوم أن يقوم بـ”الهجرة إلى الداخل”، حتى يرى ما لم يره أحد قبله، ولو كان أمرا بسيطا كشرح منظر الماء متدفقا من الحنفية، أو التطلّع في راحة اليد كأنك تراها للمرة الأولى، وترى الحبيبة كما يراها الخالق، لا المخلوق.

القصيدة، بالنسبة إلى عيد إبراهيم، كالمرآة تعكس عدّة ذوات، بعدد قرائها، والمهم عنده أن ترى فيها شعرا، بشكل النثر أو العَروض. أما ماهية الشعر فهي، في رأيه، تختلف ربما من شاعر إلى شاعر، فلا يستطيع أحد أن يقوم بتعريف موحّد للشعر، وإلا استطاع المحبّون تقديم تعريف موحّد للحبّ. ومثل هذا الصمت الذي تحسه في لغة الشاعر، مع بروز بقية العناصر، قد يكون لأن لغة النثر لا تستدعي الخطابة ولا المشفاهة ولا القيم المتعارف عليها، بل يُفترض أن تكتب كأنك تكتب للمرة الأولى، أقول كأنك، لنرى شكلا جديدا في مضمون جديد، في رؤية للعالم غير التي كان يرى بها الشاعر القديم أو حتى مستحدث القصيدةَ.

لا أحد يستطيع أن يقوم بتعريف موحد للشعر، وإلا استطاع المحبون تقديم تعريف موحد للحب


المثقف ضمير


المتابع لمسيرة المبدع والمثقف العربي بعد ثورات الربيع العربي يمكنه أن يلحظ انعكاسا واضحا من رؤى الشاعر على مواقف المثقف ومن مواقف المثقف على آراء الكاتب ومن آراء الكاتب على موقفه السياسي، وهذا يجعلني أسألك عن المشروع الثقافي الذي عملت ولا تزال تعمل عليه، فإلى أي مدى أثرت عليه مواقف المثقف والكاتب والسياسي؟

يعتقد عيد أن كلّ شاعر يقوم بدور في المجتمع، لكن هذا الدور ليس مباشرا، وقد دفعت ثورات الربيع العربيّ -وإن أخفقت في كثير من مراميها- الشاعر إلى أن يغيّر من قناعاته ويوسّع من مداركه، ويبحث عن جمهور أكبر، حتى يستفيد من فنه وثقافته عدد أكبر، لكن المشكلة، في رأيه، تكمن في أن بعض المثقفين قد خانوا ضمائرهم، وساروا مع النظم الجديدة بعد الثورات، والمعروف أن النظم أسوأ ما تكون بعد أيّ ثورة، حيث يجب على المثقف أن يناهض المظالم، ويسعى إلى إقامة العدل في الأرض، ويقوّم مسيرة أيّة حكومة ويكون ضدّ أيّ رأس للدولة حتى يعود إلى السراط.

ويختم عيد قائلا: «إن لم يفعل المثقف ذلك، فسيظلّ الفساد قائما والقتل منصوبا والسجن على كلّ باب. على المثقف أن ينصت إلى آلام شعبه، لكن لا أن يكتب بطبيعة مباشرة أيضا، فذلك شأن السياسيّ والمصلح المجتمعيّ، بل يكتب عموما في صالح أكبر عدد من الناس، داعيا إلى اقتسام ثروات مجتمعه، لا أن يظل غير عابئ بشيء مما حوله. المثقف في النهاية ما هو إلا ضمير، فلو صلُح صلح المجتمع، وإن لم يفعل سار المجتمع إلى خراب مستعجل ونهاية كنهايات الهنود الحُمر».

15