محمد غنيم طبيب يشخّص أعراض الضمور السياسي المصري

الطبيب المصري رغم أنه كان من أشد المؤيدين والداعمين لثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، لكنه يرى الأصل في الأمور أن يكون الإصلاح نابعا من السلطة الحاكمة.
الأحد 2019/11/03
معارض تلجأ إليه الحكومة لتأكيد جديتها

تعاني الساحة السياسية المصرية حالة من الضعف، في ظل عدم وجود نخبة غير قادرة على قيادة الرأي العام، وغلق مساحات كبيرة في الفضاء السياسي، ما يجعل الارتكان على بعض الشخصيات، التي تتمتع بثقل شعبي ولديها قدر من الثقة لدى الحكومة والمعارضة، حلا مناسبا لتحريك المياه الراكدة تدريجيا.

وعندما أرادت الحكومة أن تبرهن على جدية رغبتها في الإصلاح السياسي عقب تعرضها لصدمة بسبب خروج تظاهرات محدودة مناوئة لها في 20 سبتمبر الماضي، لجأت إلى شخصيات من نوعية الطبيب محمد غنيم، رائد جراحة الكُلى، والسياسي المعروف وصاحب المواقف المعارضة، الذي رفض الكثير من تصرفات الحكومة وانتقد بجرأة أخطاء عدة وقع فيها النظام الحاكم.

أزمة ثقة عميقة

استطاع هذا الطبيب المصري أن يلفت أنظار الرأي العام المصري إلى أن هناك خطوات تسير ببطء نحو فتح المجال أمام المزيد من النقاشات السياسية، وعبر حديثه المطول مع الإعلامي عمرو أديب على فضائية “أم.بي.سي مصر” مؤخرا، عن وجود أزمة ثقة بين الحكومة والمعارضة، بدليل تقبلها النقد اللاذع الذي طالها في الحلقة التليفزيونية، بينما تضيق ذرعا بما ذهب إليه آخرون، وإن كان أقل حدة.

ما يجعل صوت الطبيب والسياسي المصري مقبولا لدى السلطة، أنها تدرك انطلاقه من أبعاد وطنية وليست أيديولوجية، فهو دائم الحرص على إبراز عدم انتمائه إلى أي تنظيم أو حزب سياسي، ولا يتطلع لأي منصب سوى أن يظل أستاذا متفرغا بجامعة المنصورة، وإن كان لا ينفي انضمامه من قبل إلى الجمعية الوطنية للتغيير التي قادت الشارع للانتفاض ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، واشتراكه في الجبهة الوطنية للإنقاذ التي مهدت للإطاحة بحكم الإخوان.

موقف غنيم الأخير يعبر عن جوهر أزمة المعارضة في مصر، فالحكومة تتشبث برأيها في أن تكون مدركة لجميع أبعاد الأوضاع العامة في البلاد، ولديها من المسؤولية التي تجعلها تتحمل الأخطاء، بينما العديد من المعارضين يرون أن وجهة نظرهم فقط هي السليمة، وكل ما تذهب إليه الحكومة خاطئ

يعد غنيم صاحب الثمانين عاما، يساري الهوى والميول السياسية، لكنه يرفض أن تكون مواقفه معبرة عن هذا التيار وحسب، فهو يشارك في العمل السياسي المجتمعي من رؤيته، بضرورة أن تكون جزءا من حياة أستاذ الجامعة في بلد يعاني من ضمور سياسي، ونخبة لا تستطيع رسم طريق سليم لها.

في جميع الحالات فإن وجود شخصيات تقع في مساحات مشتركة بين الحكومة والمعارضة يصب لصالح عدم حدوث صدام عنيف تخشاه الحكومة، كما تخشاه المعارضة، ما يمهد لأدوار إرشادية أكثر منها سياسية للطبيب المصري الذي ينهمك بشكل أكبر في متابعة مرضاه، وعينه لا تغفل ما يجري في الغلاف العام للأحزاب.

انخراط ثم انسحاب

قال غنيم، حسب ما نشره الأديب محمد المخزنجي عنه في كتابه الأخير “السعادة في مكان آخر”، وتناول فيه أبرز محطاته العلمية والسياسية، “قد يكون العمل السياسي لأستاذ في ألمانيا أن يذهب ليُدلي بصوته في الانتخابات، لكن في مصر وفي ظروفنا هذه فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك”.

غنيم، الذي ينغمس أحيانا في أنشطة سياسية لها علاقة بأحزاب مدنية، سرعان ما ينسحب منها حينما يدرك أنها تحيد عن هدفها، ولعل ذلك ظهر في أعقاب مشاركته في تأسيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ارتكانا على صداقته بمؤسس الحزب الدكتور محمد أبوالغار، قبل أن ينسحب في توقيت مبكر لإدراكه أن الحزب لن يقوم بالدور الذي تأسس من أجله، وهو تمثيل طبقة اليسار المعتدل.

لم ينخرط الرجل بشكل مباشر في صفقات السياسيين وتجاذباتهم وانقساماتهم بشكل مباشر، رغم علاقته بتجارب سياسية عديدة وتدشينه تحالفا انتخابيا واسعا في عقب الإطاحة بنظام مبارك في فبراير 2011، إلا أنه اختار أن يقوم بدور ما يسمى “صوت العقل” في الكثير من الاشتباكات السياسية من فترة اندلاع ثورة يناير إلى عام 2014، ولم يتأخر عن دعم بعض التجارب الحزبية الصاعدة.

وسائل الإعلام المصرية تقدم غنيم، كمدير لأول مركز متخصص بزراعة الكُلى في الشرق الأوسط، استطاع بإمكانيات محدودة أن يعالج أكثر من مليون و800 ألف مريض خلال 26 عاما، ما جعل الرئيس السيسي يعينه مستشارا علميا له.
وسائل الإعلام المصرية تقدم غنيم، كمدير لأول مركز متخصص بزراعة الكُلى في الشرق الأوسط، استطاع بإمكانيات محدودة أن يعالج أكثر من مليون و800 ألف مريض خلال 26 عاما، ما جعل الرئيس السيسي يعينه مستشارا علميا له

وفي المقابل، لا يتوقف عن تقديم الدعم والنصيحة للأنظمة الحاكمة على مختلف توجهاتها، وتحديدا منذ استقراره في محافظة المنصورة بشكل دائم مطلع الثمانينات مع بداية حكم الرئيس حسني مبارك، وقدم قبل عشر سنوات من اندلاع ثورة يناير ورقة بحثية سياسية مطولة تحدثت عن أهمية الإصلاح الدستوري والسياسي.

بالرغم من أنه كان من أشد المؤيدين والداعمين لثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، لكنه يرى الأصل في الأمور أن يكون الإصلاح نابعا من السلطة الحاكمة، وبالتالي فإن سعيه الحالي نحو الإصلاح ورفضه دعوات التظاهر، تجعلانه قريبا من دوائر رسمية تواجه صعوبات في تحديد الآلية المناسبة لعملية الإصلاح بصورة هيكلية، وينعكس ذلك على ترددها بشأن الخطوات التي ينتظرها المواطنون.

انعكاسات مهنة الطب، وبالتحديد عمله كجراح كُلى ومسالك بولية والذي يتطلب عناية شديدة، جعلته دقيقا بالدرجة ذاتها في مواقفه السياسية التي يقدم على اتخاذها، ما فرض عليه أحيانا استخدام مشرط الجراحة لتشريح الوضع السياسي والاقتصادي القائم في البلاد، والبحث عن حلول منطقية للتعامل معه.

صوت الطبيب والسياسي المصري يبدو مقبولا لدى السلطة، لأنها تدرك انطلاقه من أبعاد وطنية غير أيديولوجية، فهو دائم الحرص على إبراز عدم انتمائه إلى أي تنظيم أو حزب سياسي، ولا يتطلع لأي منصب سوى أن يظل أستاذا متفرغا في الجامعة
 

لا يجيد غنيم الحديث عن شعارات سياسية غير قابلة للتنفيذ مقارنة بالعديد من الشخصيات التي أدمنت الضوضاء، ولا يوجه انتقادات للحكومة إلا إذا كان متيقنا من مخاطر الآثار السلبية المترتبة على قراراتها، وقدم مثالا للمسؤول عن تصريحاته وأفعاله حينما أرسل برقية اعتذار إلى نادي القضاة المصري، بعد أن ذكر خطأ في أحد حواراته؛ أن جزءا من رسوم التقاضي يؤول إليه.

يعبر موقف غنيم الأخير عن جوهر أزمة المعارضة في مصر، فالحكومة تتشبث برأيها في أن تكون مدركة لجميع أبعاد الأوضاع العامة في البلاد، ولديها من المسؤولية التي تجعلها تتحمل الأخطاء، بينما العديد من المعارضين يرون أن وجهة نظرهم فقط هي السليمة، وكل ما تذهب إليه الحكومة خاطئ، ما يفسر التردد الحالي في إفساح المجال العام من عدمه.

ما يساهم في زيادة الرصيد السياسي لغنيم ويجعله مقبولا من الشارع الذي يضيق ذرعا بإجراءات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، أن مواقفه تنطلق من مبدأ أن المعارضة جزء من النظام السياسي ومن وعاء الدولة بشكل عام، وليست منفصلة عنهما، وإيمانه بأن المعارض يجب أن يبحث عن أرضية تكون فيها قدرته على التأثير كبيرة.

إنجازات ولكن

غنيم يرى أن العمل السياسي لأستاذ في ألمانيا، على سبيل المثال، قد يكون في أن يذهب ليُدلي بصوته في الانتخابات، لكن “في مصر وفي ظروفنا هذه فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك”
غنيم يرى أن العمل السياسي لأستاذ في ألمانيا، على سبيل المثال، قد يكون في أن يذهب ليُدلي بصوته في الانتخابات، لكن “في مصر وفي ظروفنا هذه فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك”

اعترف غنيم أن الرئيس السيسي نجح في التعامل مع جملة من التحديات، على رأسها الأوضاع الأمنية، واستطاع أن يحسن العلاقات الخارجية، ومستوى الخدمات منها الكهرباء والإسكان الاجتماعي، لكنه وجّه انتقادات لاذعة له بسبب تعامله مع أزمة المقاول محمد علي الهارب إلى إسبانيا، ورده في أحد اللقاءات على صاحب الفيديوهات الشهيرة، التي وجه من خلالها اتهامات للمؤسسة العسكرية في مصر بارتكاب تجاوزات مالية. أما مؤسسة القرار في مصر، فينتقدها غنيم بجرأة، ويطالب بأن تعتمد على الخبراء، ويشدد أن مجال الحريات لا زال مغلقا أمام الجميع والمعارضة مفككة، وكانت قوية عندما أُفسح لها المجال، ويعتبر التضييق على الإعلام سمح بانتقال المعارضة بشكل عشوائي من الشارع والأحزاب إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

حرص غنيم على الانخراط في القضايا العامة، انعكس على عمله المهني بعد أن فضل أن يصل إلى مكانته الدولية الحالية باعتباره ضمن أهم رواد زراعة الكُلى وخبراء المسالك البولية على مستوى العالم، عبر المركز الذي أسسه منذ ثمانينات القرن الماضي في محل إقامته بمدينة المنصورة، ونجح في علاج حالات كثيرة.

ربما هذا النجاح هو الذي دفع الحكومة إلى تسليط الأضواء عليه باعتباره نموذجا تسعى للترويج إليه في ظل حاجتها لزرع الانتماء في نفوس الأجيال الصاعدة، والتي تتمرد على كل ما هو داخلي وترتبط بالخارج بدرجات أكبر، وتحاول أن تثبت من خلاله أن النجاح يمكن حدوثه من الداخل أيضا، وسط الهجرة المتزايدة للأطباء المهرة إلى الخارج، والتي أفرزت أزمات عدة في المستشفيات الحكومية.

جوهر الخلاف بين غنيم والحكومة المصرية ناجم عن شعبيته التي مكنته من أن يكون مسموعا على نطاق واسع، بما يزعج دوائر رسمية قررت القبض على مفاتيح الحل والعقد في الدولة

بالرغم من مواقف غنيم المعارضة، غير أن ذلك لم يمنع وسائل الإعلام المصرية من تسليط الضوء عليه كمدير لأول مركز متخصص بزراعة الكُلى في الشرق الأوسط يتبع جامعة المنصورة في مصر، واستطاع بإمكانيات محدودة أن يعالج أكثر من مليون و800 ألف مريض خلال 26 عاما، وبراعته العلمية جعلت  السيسي يعيّنه مستشارا علميا له، بينما هو لا يعبأ كثيرا بالمناصب السياسية، والتي غالبا ما تكون شرفية في رأيه، لكن شغفه الأساسي، سواء ارتبط الأمر بالسياسية أو الطب، هو نقل ما يراه في الخارج إلى مشروعات قائمة على أرض الواقع في الداخل، ما جعله يقدم على إجراء أول جراحة نقل كُلية في مصر سنة 1976 بأقل الإمكانيات، وبمساعدة فريق من أطباء مصريين يعملون بالقسم 4 المختص بأمراض الكُلى والمسالك بجامعة المنصورة، الذي كان غنيم مشرفا عليه حينها.

استفاد غنيم كثيرا من تواجده خارج البلاد عقب تخرجه، وحصل على درجة الزمالة من إحدى الجامعات الإنكليزية، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة، ومنها إلى كندا، قبل أن يعود منتصف السبعينات، ليجري تعيينه مدرسا في كلية الطب.

شخصية شعبية

ثمة ارتباط شعبي بين غنيم والمواطنين، بدأ منذ أن خاض غمار تأسيس مركز الكُلى، وبالرغم من الدعم السياسي الذي تلقاه في ذلك الحين من الدولة، غير أنه أضحى أمام مشكلات مادية تعوقه عن تحقيق حلمه، بعد رفض غالبية الجهات الخارجية تمويل مشروعه، وكان عليه أن يستعين بتبرعات أهالي مدينة المنصورة.

لمس المواطنون البسطاء في الطبيب الشاب نموذجا للشخص المخلص إليهم، بعد أن اختار إقامة مركزه في مدينة صغيرة، الواقعة في منطقة تعرف باسم “حزام الحصوات” نظرا إلى أن نسبة تكون الحصوات في الأجسام البشرية بها مرتفعة، فضلا عن تزايد نسبة مرضى الفشل الكُلوي وأمراض أخرى تصيب الجهاز البولي.

قناعة غنيم بالإصلاح وأهمية أن يأتي من السلطة ذاتها
قناعة غنيم بالإصلاح وأهمية أن يأتي من السلطة ذاتها

استطاع أن يشكل قاعدة شعبية جعلت من رأيه مسموعا بين البسطاء الذين يعالجهم بالمجان، بدعم حكومي يمثل 60 بالمئة، و40 بالمئة من التبرعات المباشرة التي تتدفق على المركز، وهو ما جعل ارتباطه بهم قائما من الناحية الاجتماعية والسياسية أيضا، بعد أن كان شريكا لهم في جميع المناسبات، التي تواجد فيها باعتباره قامة علمية وسياسية.

أدت الشعبية الجارفة والمهارة العلمية للطبيب المصري من كتبه التي بلغت 47 كتابا، إلى وضعه محل اهتمام دوائر علمية وسياسية عدة داخل مصر وخارجها، كما أنه قدم 130 ورقة بحثية في كبرى المجالات العلمية، قادته للعديد من الجوائز المصرية والدولية، منها جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة مبارك للعلوم، إضافة إلى قرار جامعة المنصورة في عام 2016 بتسمية مركز الكُلى باسمه تقديرا لجهوده الطبية والعلمية.

قد يكون جوهر الخلاف بين غنيم والحكومة المصرية ناجما عن شعبيته التي مكنته من أن يكون مسموعا على نطاق واسع، بما يزعج دوائر رسمية قررت القبض على مفاتيح الحل والعقد في الدولة.

كان ابتعاده عن الأضواء خلال السنوات الخمس الماضية، رسالة رفض ضمنية للمساس بثورة يناير التي تعرضت إلى انتقادات حادة من مؤسسات وشخصيات حكومية كثيرة، وعدم ارتياح للتوجه العام الذي ينظر إليها باعتبارها مؤامرة، بينما يرى أن المؤامرة الحقيقية هي “وصف ثورة عظيمة لشعب عظيم بأنها مؤامرة”.

ورغم قناعة غنيم بالإصلاح وأهمية أن يأتي من السلطة ذاتها، لكنه على قناعة أيضا بأن ثورة المصريين بدأت في 25 يناير 2011، وسوف تؤتي ثمارها ولو بعد حين، الأمر الذي تأخذه المعارضة برهانا على أن أهدافها بحاجة إلى زيادة وتيرة الضغط الشعبي، ولا سبيل سوى تنشيط حركة الشارع لانتزاع بعض المكاسب السياسية من الحكومة.

8