محمد غني حكمت شيخ النحاتين العراقيين الذي طوّع قوة النحت الآشوري

البعد عن المتوسط ساعد فناني العراق ليصنعوا عوالمهم الخاصة.
الأحد 2021/09/19
الحركة القوية والمتوترة الدالة

امتاز الفن التشكيلي العراقي مقارنة بنظيره في مختلف الأقطار العربية الأخرى بفرادته واشتغاله على التأصيل بوعي كبير، فكان مختلفا في تشكلاته وألوانه ومواضيعه، مستفيدا من الإرث الحضاري الكبير للعراق ومن فنونه الراسخة منذ الحضارة الآشورية مرورا بالحضارة العربية، إلى التيارات الفنية الحديثة التي يعتبر محمد غني حكمت واحدا من رموزها بأعماله النحتية المؤثرة.

يشكل النحات العراقي محمد غني حكمت (1929 ـ 2011) واحدا من أبرز النحاتين العراقيين والعرب، حيث شارك في إثراء الحركة الفنية التشكيلية بأعماله من التماثيل والجداريات والنصب التي تألقت في مختلف أنحاء بغداد، أو بمشاركاته الفاعلة في جماعات الفن التشكيلي العراقي التي تكونت في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

ومن أجمل تصميمات حكمت تمثال شهريار وشهرزاد، ونصب كهرمانة في ساحة كهرمانة وسط بغداد، علي بابا والأربعين حرامي، وتمثال عشتار، وتمثال حمورابي، وجدارية مدينة الطب، وتمثال للشاعر العربي المعروف أبي الطيب المتنبي، ونصب إنقاذ الثقافة، ونصب الفانوس السحري، ونصب العراق ينهض من جديد، هذا فضلا عن مجموعاته خارج العراق، حيث أنجز في ثمانينات القرن الماضي إحدى بوابات منظمة اليونيسف في باريس وثلاث بوابات خشبية لكنيسة تيستا دي ليبرا في روما، ليكون بذلك أول نحات عربي مسلم ينحت أبواب كنائس في العالم، فضلا عن إنجازه جدارية الثورة العربية الكبرى في عمان وأعمال مختلفة ومتنوعة لَه في البحرين تَتضمن خمسة أبواب لمسجد قديم وتماثيل كبيرة ونوافير.

ممثل مدرسة بغداد

بحث وتحليل في مسيرة حكمت الفنية

يؤكد الشاعر والناقد والمؤرخ التشكيلي شاكر لعيبي في كتابه “محمد غني حكمت 1929 ـ 2011” الصادر عن دار خطوط وظلال الأردنية أن إطلاق الثقافة العراقية على محمد غني حكمت لقب “شيخ النحاتين” لعلها قصدت بذلك “أننا أمام نحات عراقي بالمعنى الحديث والعميق لمفردة نحات، دون إنكار أو استبعاد تجارب النحاتين العراقيين الآخرين أو المجايلين له”.

ويتتبع لعيبي باحثا ومحللا مسيرة حكمت الفنية، قارئا أهم أعماله النحتية وتشابكات هذه المسيرة وهذه الأعمال مع مجايليه من العراقيين وأساتذته من الأكاديميين والفنانين الأوروبيين، كما يقرأ تخطيطات ورسوما للفنان لافتا إلى أن “تخطيطات النحات بالقلم ورسومه لمشاريعه دائما ما تكون ذات فائدة كبيرة. إنها تدلنا على الهاجس الأول الذي كان يشغل النحات، إنها هاد لتتبع تطوره في الزمن، إنها دليل على الأسلوب الفني والاتجاه الجمالي الذي أثر به أو ظل يحركه”. كما يدرج حواره مع حكمت، هذا الحوار الكاشف والعميق لتجليات ورؤى وأفكار النحات الذي ألقى الضوء على مشهد الفن التشكيلي والثقافة العراقية في تلك الفترات من الخمسينات والستينات.

يقول لعيبي “عندما تخرج حكمت عام 1947 من معهد الفنون الجميلة في بغداد لم تفصله إلا بضع سنوات للانضمام إلى جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951، شارك في معرضها الثاني الذي افتتح يوم عشرين فبراير 1953 في قاعة معهد الفنون الجميلة، بستة تماثيل من الجبس والخشب، وفي المعرض الثاني عام 1954 اشترك بعشرة تماثيل من الخشب والجبس والمرمر. وهي ثاني جماعة عراقية حديثة للفن بعد جماعة الرواد عام 1950”.

ويضيف “تكونت جماعة بغداد للفن الحديث على يد عدد من رواد الفن العراقي منهم شاكر حسن آل سعيد وجواد سليم ومحمد الحسني، ومحمد غني حكمت ونزيهة سليم وجبرا إبراهيم جبرا وخالد الرحال ورسول علوان والأثري طارق مظلوم واهم. ولعل الفارق بين جماعة الرواد وجماعة بغداد يكمن في استلهام الأخيرة للجو المحلي ومفرداته الجمالية وموضوعاته الشعبية واستعادة مناخات الفن الرافديني والفن الإسلامي ومنمنمات الواسطي، دون إغفال الاتجاهات الفنية العالمية. كان وعي ذلك الوقت ولفترة طويلة يكمن في استعادة التراث العربي بوسائل متعددة: رفيعة مستترة، أو أيديولوجية صارخة، ومحاولة بناء أساليب جديدة قائمة على التزاوج الحضاري، مما أسميته مرة بـ ‘تعريب الفن العالمي’ أو حسب آخرين التأسيس على حداثة تتمسك بمضمون وطني وقومي”.

حكمت يلتقي أسلوبيا مع مجايليه حيث بقي ضمن تصور واقعي إجمالي مع إلغاء جميع تفاصيل النموذج المعالج

ويوضح أن مراجعة الأعمال النحتية لمحمد غني حكمت تدل منذ أعماله الأولى وحتى وفاته على ارتباطه بالعناصر المحلية والتاريخية والميثيولوجيا بوعي نقدي وجمالي ما. ومراجعة سريعة لأعماله تدل على ذلك مثل أعماله: أبوجعفر المنصور، من أواخر سبعينات القرن الماضي في منطقة المنصور التي تحمل اسمه، مصباح علاء الدين، نصب في ساحة الفتح قرب المسرح الوطني ببغداد في 2011، كنيسة الصعود، نافورة بغداد، أو أشعار بغداد على شكل كروي من الحروف العربية في محيطها بيت للشاعر العراقي مصطفـى جمال الدين “بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر.. إلا ذوت ووريق عمرك أخضر” في منطقة العطيفية قرب مقهى اليروتي في جانب الكرخ من بغداد، بساط الريح في شارع أبونواس، بساط الريح في مطار بغداد الدولي، الجنية والصياد، فندق الرشيد، نافورة الآلهة عشتار، فندق الشرياتون، تمثال حمورابي وهو من التماثيل المجهولة للكثيرين يقع في كرادة مريم على شارع يافا مقابل بناية المجلس الوطني.

كما نجد للفنان نصب كهرمانة، ويقع في ساحة دائرية تفصل بين منطقتي الكرادة وشارع السعدون، وهذا النصب مأخوذ من قصص ألف ليلة وليلة، وشهريار وشهرزاد، نصب آخر يصور الأبطال الرئيسيين لقصص ألف ليلة وليلة، ويقع هذا التمثال على كورنيش شارع أبونواس المطل على نهر دجلة، تمثال الشاعر المتنبي، تم افتتاحه عام 1977 مقابل المكتبة الوطنية وسط بغداد ويقابل البوابة الرئيسية لوزارة الدفاع السابقة،  نصب “العراق ينهض من جديد” أو “إنقاذ العراق” والذي تم افتتاحه عام 2013، وهو على ارتفاع 6 أمتار، فيما يبلغ ارتفاع النصب مع القاعدة 10 أمتار، ويقع على مقربة من ساحة الفارس العربي في منطقة المنصور، ويصور خمسة أياد تمثل العراقيين بمختلف فئاتهم ومكوناتهم يتعاونون على رفع أسطوانة “مشابهة لأسطوانة الأختام السومرية والبابلية” وكتب عليها “هنا بدأت الكتابة”. وهكذا لو تأملنا هذه الأعمال وغيرها لحكمت لتأكّدنا أن الرجل ممثل أصيل لمدرسة بغداد.

قوة الحركة

ممثل أصيل لمدرسة بغداد النحتية

يضيف لعيبي “قيل غالبا إن حكمت بدأ في صنع أشكاله النحتية صغيرا جدا، وهو في سن الرابعة، وصغيرا أيضا كان يصنع من طين دجلة مجسماته، ولكنه درس النحت على يد جواد سليم في معهد الفنون الجميلة وتخرج منه عام 1953 ثم بعث إلى روما وحصل على دبلوم النحت من أكاديمية الفنون الجميلة هناك العام 1955 وفي العام 1957 حصل على دبلوم المداليات من مدرسة الزكا في روما، وبعدها توجه إلى فلورنسا وحصل فيها على شهادة الاختصاص في صب البرونز عام 1961”.

 ويتوقف لعيبي أمام واحد من أشهر أعمال حكمت، كهرمانة، وهي منحوتة على نافورة تصور الفتاة كهرمانة واقفة على 40 جرة جاهزة لصب الزيت الساخن. صنع النصب من البرونز بارتفاع 3.3 متر، ويقع في ساحة كهرمانة، شارع سعدون، بغداد، بينما تصب الفتاة الماء تتدلى سلسلة من النوافير نحو الأسفل نحو قاعدة التمثال، عمل لاقى محبة وشغفا من المعنيين والجمهور العادي العربي والعالمي، حتى أنه في عام 2015 بمناسبة الذكرى السبعين لإنشاء الأمم المتحدة تم اختيار نافورة كهرمانة للتراث الوطني العالمي.

ويشير لعيبي إلى أن حكمت يلتقي أسلوبيا مع أسلوب نحت جواد سليم ومجايليه خالد الرحال، ويقع الأمر الأسلوبي في البقاء ضمن تصور واقعي إجمالي مع إلغاء جميع تفاصيل النموذج المعالج، فالثياب لا تظهر طياتها الدقيقة إلا هفاتها العامة، والوجوه كذلك، مع عناية خاصة بالحركة القوية أو المتوترة الدالة. هناك تبسيط مقصود، اقتصاد يبعد هذا النحت عن اتجاهات النحت الكلاسيكية، مع إسباغ عناصر رمزية للمنحوتة لإشباعها بالمناخ المراد إشاعته وتوطينه، تظل العناصر الكلاسيكية ملموسة رغم ذلك في القياسات المثالية تقريبا أو المكتنزة لعضلات السواعد والأقدام والأفخاذ، شخصيات هذا النحت ذات صحة وفيرة رمزية بدورها. خلافا لهذه الإجمالية فإن بعض التفاصيل يقع التشديد عليها، مثل تفاصيل جرة كهرمانة، المزودة بأدق الزخارف العباسية البغدادية الإسلامية، وذلك من أجل ترسيخ مذاق المنحوتة ومنحها بعدا معروفا نفسيا واجتماعيا.

ويشدد لعيبي على أن الأصالة ـ إذا كان لكلمة أصالة من معنى عميق ـ يتمتع بها حكمت نحاتا، وأضع خطا أحمر تحت كلمة نحات. فقد كان محكوما بشروط تطور فن النحت في العراق من جهة عدم قدرته موضوعيا على أن يقلد أحدا، نحاتا محليا أو عالميا معروفا في البلد، خلافا للرسامين الذين كان بإمكانهم ذلك، وأضع تحت كلمة رسام خطا أحمر، من جيله أو من الجيل الذي سبقه.

على خطى الآشوريين

Thumbnail

في حواره مع لعيبي الذي أجري في شتاء عام 1999 بمدينة جنيف يقول حكمت فى رده على أحد التساؤلات “أفيد كنحات من أساليب وطريقة تنفيذ وقوة النحت الآشوري الموجود مثلا في المتحف العراقي. عمليا أنجزت قطعتين من النحت البارز على الخشب تمثل الأولى الحطابات والثانية تمثل الحمالين. وهما قطعتان عرضتا في معرض جماعة بغداد، ومن ثم في المعرض العراقي المعاصر بالهند ـ نيودلهي ـ الإفادة من الأشكال والمنحوتات العراقية في المتحف العراقي حفزتني على أن أختار الكتل المتشابهة للنحت الآشوري. الكتلة في النحت الآشوري تعتمد تماسك الأجزاء بين الفراغات. وقد استخدمت مادة الخشب تعويضا عن الحجر، مطبقا فيها فكرة الكتلة هذه”.

وأضاف “نلاحظ في أعمال فناني جماعة بغداد عموما، منذ إعلانهم عن استلهام الموروث، مواضيع لم تكن موجودة أو أنها طرحت لأول مرة: جواد سليم طرح القوس، الهلال، البغداديات، وهي تسمية أطلقها جواد على تخطيطاته بالقلم أو بالحبر التي تمثل مواضيع المرأة البغدادية بملابسها وبحركاتها، وبأسلوب الانحناءات والأهلة، وشاكر حسن طرح مواضيع الفلاح والفلاحين والمواضيع الدينية والشعبية، وطارق مظلوم طرح في رسومه مواضيع عن الأساطير العراقية الآشورية، وأنا طرحت مواضيع الحمّالين، الفلاحة، الجندي الهارب، هذه المواضيع طُرحت لأول مرة في الرسم العراقي. أما بشأن الأساليب، فالواقع أن جواد سليم بطرحه النظري الداعي إلى الإفادة من الموروث إنما كان يطرح الإفادة من ذلك بشكل فرديّ: أنا أفدتُ من النحت الآشوري وكذلك طارق مظلوم بينما شاكر حسن طرح العودة إلى الأساليب الشعبية، مثل ‘بائع الطيور’ التي كانت موضوعا يُرسم على جدران المحلات والمقاهي الشعبية. وبالطبع فإن النحت الآشوري هو ما كان قد أثارني في البداية”.

في أعمال حكمت هناك تبسيط  مقصود واقتصاد يبعده عن اتجاهات النحت الكلاسيكية مع إسباغ عناصر رمزية على المنحوتة

ورأى حكمت في حواره أن للموقع الجغرافي للعراق عبر ابتعاده عن البحر المتوسط حسنتين: الأولى جعل الفنانين يعتمدون على ثقافتهم ومعلوماتهم وحسهم، وبذلك حصلوا على شخصية بعيدة عن التأثر المباشر بالفن الأوروبي. والثانية لم يأت فنان أوروبي إلى بغداد بأساليب جديدة لكي يتأثروا بها.

وتابع “في هاتين الحسنتين تقع فضائل كثيرة لأن كل فنان حاول أن تكون له شخصية مميزة بأسلوب مميز وبمواضيع مميزة، وكذلك حاول ألا يقلد فنانا أوروبيا وأن يكون دور النقد القاسي فعالا في هدم الشطط أو عدم ‘اللا مبالاة’ في المعنى. لو نظرنا للكثير من الفنانين في البلدان العربية للاحظنا أولا تشابه أساليبهم مع بعضهم، وثانيا تلاحظ أن الكثير منهم يتأثر بشكل مباشر بفنان أوروبي آخر معاصر دون رهبة، دون حذر، دون رادع، وهو يعترف بذلك، هذه الحالة لا تجدها لدى الفنانين العراقيين، فكل واحد منهم يصر على أنه مبدع وأن له أسلوبه الخاص، ويحاول عمليا أن يثبت ذلك. لهذا ترى نماذج الفن العراقي في المعارض المشتركة مع الآخرين مميزة ويعجب بها الآخرون. كلامي هذا ليس شخصيا إنما الجميع يعرف ذلك”.

ضم لعيبي إلى كتابه ما يقارب 160 صفحة لصور من صفحات المفكرة اليومية والشخصية لحكمت، وأيضا وثائق فوتوغرافية احتوت على صورا لحكمت في مختلف مراحله العمرية وأثناء عمله في بعض أعماله النحتية.

14