محمد فؤاد بن غنيسة.. مناخ سياسي جديد يخيم على الجزائر يعيد إنتاج الرداءة

رئيس حزب تيار السلام يمثل نموذجا حيا لموجة سياسية تجتاح المجتمع، ولا تبدي انزعاجا من تحولها إلى مصدر للتهكم والسخرية لفئات واسعة من الجزائريين.
الثلاثاء 2018/03/20
كيف سيحدث التغيير بمثل هذه الأدوات؟

ليس في الجزائر وحدها، بل في عموم العالم العربي، بدأت تظهر مدرسة سياسية جديدة فرّخها الإسلام السياسي وفذلكات الإخوان المسلمين في ممارسة البراغماتية العبثية، تخطت آثارها إلى ما هو أبعد من دوائر المتدينين، حتى باتت صبغة رديئة للعمل السياسي العربي.

تلك المدرسة لا تجد حرجا في المجاهرة بالتملق والتزلف لدوائر القرار السياسي والمالي، رغم ما يثيره ذلك في كل مرة من سخرية واستهجان لدى الرأي العام، ولا فرق عندها بين المصلحة الضيقة والفكرة السياسية.

واحد من أبطال هذا المشهد الذي خلقته سياسات من هذا النوع، هو محمد فؤاد بن غنيسة الذي يزعم أنه يؤسس لمنهج سياسي يراه هو براغماتية، ويراه الآخرون رداءة تنذر بتشويه سمعة الطبقة السياسية، وتزيد من عمق الهوة بينها وبين الشعب.

افتك بن غنيسة شهرته لدى الرأي العام وشبكات التواصل الاجتماعي بعدم تحرجه من المداهنة لكبار المسؤولين في الدولة، كوسيلة مشروعة من أجل تحقيق أهدافه الشخصية والسياسية، ولم يتحرج من أسئلة الصحافيين وتعليقات رواد الشبكة العنكبوتية على مواقفه وتصريحاته المسيئة للممارسة السياسية.

الشاب الذي تدرج في أحزاب سياسية عريقة، بلغ به الطموح لتأسيس حزب سياسي، عينة من منتوج التراكمات الاجتماعية للعقود الأخيرة في الجزائر، التي حولت الطبقة السياسية والأهلية إلى أحزاب وجمعيات يدور جلها في فلك الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وتدين وتكيل له بالولاء والمديح.

المدافع عن السلطة

ورغم أن ملف حزب ” تيار السلام ” لا يزال في رفوف وزارة الداخلية والجماعات المحلية، في انتظار إشارة فوقية من السلطة، إلا أن بن غنيسة، لم يتوقف منذ العام 2012، عن مداهنة رجالات السلطة، مؤسسا بذلك لشرعية دخيلة على الجزائريين، وممقوتة لديهم منذ عقود العهد الاستعماري، تقوم على التزلف والمداهنة والتجرد من كل صفات الشخصية، لاستعطاف أصحاب القرار وتحقيق الهدف.

وفيما سعى نشطاء وسياسيون للضغط على الوزارة “الوصية”، لافتكاك حقهم في اعتماد أحزابهم، انبرى لهم بن غنيسة، في إحدى الندوات، دفاعا عن السلطة، ورفض أي انتقاد للسلطة، أو تحميلها مسؤولية الانغلاق السياسي منذ العام 2012، فكان بمثابة اليد التي فجرت الحراك السياسي المذكور، الذي عرف منذ 2014 بـ”تكتل الأحزاب غير المعتمدة”.

ورغم أن المتعارف عليه في أبجديات العلوم السياسية أن الحزب أو الجمعية هو مشروع سياسي أو أهلي يناضل لأجل تجسيد أفكاره وتصوراته، إلا أن اللافت في السنوات الأخيرة بالجزائر ظهور ناشطين وشخصيات يقدمون خدماتهم الحزبية والجمعوية لخدمة أهداف ومشروع السلطة بقيادة الرئيس بوتفليقة.

بن غنيسة يكتسب شهرته لدى الرأي العام وشبكات التواصل الاجتماعي، من إعلانه عدم تحرجه من المداهنة لكبار المسؤولين في الدولة، كوسيلة مشروعة من أجل تحقيق أهدافه الشخصية والسياسية، ولا من أسئلة الصحافيين وتعليقات رواد الشبكة العنكبوتية على مواقفه وتصريحاته المسيئة للممارسة السياسية

ومع الوقت تحول الرجل المتعالي عن أكبر الأحزاب السياسية خلال أيامه الزاهية إلى مصدر إلهام مثير للعديد من الفعاليات السياسية والأهلية. إذ يمثل رئيس حزب تيار السلام نموذجا حيا لموجة سياسية تجتاح المجتمع، ولا تبدي انزعاجا من تحولها إلى مصدر للتهكم والسخرية لفئات واسعة من الجزائريين، الناقمين على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

بن غنيسة لا يتردد في الانقلاب على هذه الجهة أو تلك، أو هذا المسؤول الكبير أو ذاك. ففيما كان داعما للتغييرات الجذرية التي اتخذها بوتفليقة، وقيامه بحل جهاز الاستخبارات وإقالة ضباط كبار في المؤسسة منذ العام 2013، قدم اعتذاره الصريح لمراكز القوى المقالة، عما بدر منه في تصريحات سابقة.

 إلا أن المنتوج الذي أفرزته المرحلة الأخيرة من عمر البلاد، لم يفاجئ المتابعين، فقد كرّس مفعول المصلحة الضيقة وقصور الرؤية في عدم إدراك خلفيات ودلالات التغيرات المسجلة في موازين السلطة، والتعاطي غير الواعي بذهنية “الوقوف مع الواقف والانصراف عن الساقط”.

ميوعة السياسة

عروض خدمات بن غنيسة لا تنتهي، فلا بأس من معارضة المعارضة وانتقادها، أسوة بنماذج شبيهة أفرزتها مرحلة تمييع الفعل السياسي وتنفير الشارع منه، وقد سبقه لنفس المهمة سياسيون آخرون يسبحون بحمد الرئيس بوتفليقة
عروض خدمات بن غنيسة لا تنتهي، فلا بأس من معارضة المعارضة وانتقادها، أسوة بنماذج شبيهة أفرزتها مرحلة تمييع الفعل السياسي وتنفير الشارع منه، وقد سبقه لنفس المهمة سياسيون آخرون يسبحون بحمد الرئيس بوتفليقة

صحيح أن الساحة السياسية في الجزائر تزدحم بالعشرات من الأحزاب الشرعية وغير المعتمدة، إلا أن حالة الميوعة السياسية المستشرية، جعلتها سجلات تجارية للابتزاز والانتهازية، وبدل طرح البدائل للمجتمع، حولتها ممارسات أمثال محمد فؤاد بن غنيسة إلى وسائل لتحصيل الامتيازات والمنافع الضيقة، والمناصب التمثيلية في المجالس المنتخبة والحكومة، في سياق المحاصصة وليس إرادة الشعب.

يقول بن غنيسة “أنا دعمت الرئيس بوتفليقة في الولاية الرئاسية الرابعة، ومستعد لدعم وتأييد ولاية خامسة وسادسة، لأنه شخصية قوية ومؤثرة وتتميز بحنكة سياسية، لكن بشرط أن يتم منحي الترخيص الرسمي لحزب تيار السلام”، لكن الرجل لم يكشف عن الغاية من الحزب، وما الجدوى من هكذا حزب، في فوضى القيم السياسية والأخلاقية التي يؤسس لها، هو ونظراؤه.

ولا يتورع بن غنيسة عن البحث عن الإثارة والنجومية، ولو على حساب سمعته، فهو لا يعير ردود فعل الشارع والمتابعين أي أهمية، ما دام المهم هو إيصال رسائل الولاء والطاعة لدوائر القرار. ولا يتصبب جبينه عرقا أمام عبارات التهكم والسخرية التي يجنيها على نفسه، فشعاره “تمسْكن حتى تتمكن” و”تملق حتى تتسلق”، فالطموح إلى بلوغ المراتب العليا لا يمر عند بن غنيسة عبر النضالات والتضحية، بل عبر المزيد من المداهنة.

استهداف المعارضة

ومن أجل عرض خدماته، لا بأس عند بن غنيسة من معارضة المعارضة وانتقادها، أسوة بنماذج شبيهة أفرزتها مرحلة تمييع الفعل السياسي وتنفير الشارع منه، فقد سبقه إلى نفس المهمة ناشطون آخرون يسبحون بحمد الرئيس بوتفليقة، على غرار رئيسي حزب الكرامة محمد بن حمو، والجبهة الوطنية للعدالة الاجتماعية خالد بونجمة.

يجزم بن غنيسة بغياب المعارضة السياسية في الجزائر، واتهامها بعدم أداء دورها والاكتفاء بالتغني بالشعارات الزائفة، فقد علق على مشاركته في لقاء جمع أحزابا معارضة، وآخر في ما يعرف بتنسيقية الأحزاب غير المعتمدة، بكونها “لقاءات فارغة يكثر فيها الحديث دون الوصول إلى أي نتائج ملموسة، فما عدا البيانات الصحافية التي غرضها إشغال الرأي العام لا وجود لها في الميدان”.

يعزو الأمر إلى كون تلك الأحزاب لا تستطيع النزول إلى الشارع، بسبب افتقادها للطاقات الشبابية، وأن خوف هؤلاء نابع من مزاحمة الشباب لهم على مناصبهم ومصالحهم، وليس من عدم الحصول على ترخيص وزارة الداخلية.

لا ضير في الذم صباحا والاعتذار مساء

لم يسلم من سلاطة لسان بن غنيسة، حتى الشعب الجزائري الذي ينتمي إليه، فقد صرح بأن “الشعب الجزائري فقير للثقافة السياسية، فلما كنت أنشر أفكار وتصورات الحزب، لم أكن أتلقى التفاعل المأمول في شبكات التواصل الاجتماعي، ولما صرت أهتم بمسائل السخرية والتهكم، صارت الصفحة محل متابعة كبيرة”.

وفي محاولة لإحاطة حزبه بهالة إعلامية، يؤكد بن غنيسة أن “حزب تيار السلام واجه تحديات صعبة في ظل الشائعات المختلفة التي عربدتها بعض الصحف عن علاقته بتيارات سياسية خارجية، وخصوصا حزب الله اللبناني، ونفى أي علاقة أو رابط أو تمويل تلقاه من أي طرف”.

ويذهب به جنون العظمة إلى وضع حزبه في كفة واحدة مع تيار المستقبل اللبناني، وذكر بأنهما “يتبنيان نفس المواقف والأفكار والتوجه السياسي دون التدخل في شؤون الغير، وتعزيز تبادل الخبرات والأنشطة وطرح الانشغالات لتقييم المواقف والآراء في مختلف القضايا، وأن تيار السلام يقوم على احترام الأفكار والعقائد والتوجهات المعتدلة دون خرق للقانون أو الدستور أو مساس بالحريات والأفكار”.

ولم يتردد في التصريح بأن “رئيس الحكومة اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، سيكون ضيف المؤتمر التأسيسي الأول لحزب السلام، وذلك بعد إتمام إجراءات الاعتماد من طرف وزارة الداخلية”، إلا أن الاعتماد لم يتم، والسنيورة لم يحضر، لكن بن غنيسة، لم يتوقف عن حملة إيهام متابعيه، وترسيخ تهاوي الأداء السياسي المنفر لكل تفاعل بين الشعب والطبقة السياسية في العشرية الأخيرة.

بن غنيسة يتودد لعباسي مدني

الجمع بين التناقضات مهارة يتفنن بها بن غنيسة، تناقضات أثبتت التجارب انتهاءها إلى الانفجار على أصحابها، فكما انتقد مدير جهاز الاستخبارات الجنرال توفيق لما شعر بنهاية نفوذه التاريخي في مؤسسات الدولة، قدم له اعتذاره الصريح لما اعتقد أن الرجل عائد إلى الساحة.

وكما داهن أكبر رجالات عالم المال، رجل الأعمال النافذ والمقرب من السلطة علي حداد، لأنه تكرم عليه بـ “فيلا” في أحد أحياء العاصمة الراقية، لا يتردد في التودد للإسلاميين في زمن أفول نجمهم بالجزائر.

وكشف بن غنيسة أنه اتصل بقياديي الجبهة الإسلامية للانقاذ المنحلة عباسي مدني وعلي بن حاج، لتبادل الأفكار والتصورات، وبحث إمكانية عودتهما إلى النشاط السياسي، ومساعدتهما على ذلك بقيادة وساطة مع السلطة، مقابل توثيق التزامهما باحترام الدستور وسيادة القانون، وعدم المساس بمبدأ الدولة المدنية.

بن غنيسة يجزم بغياب المعارضة السياسية في الجزائر، واتهامها بعدم أداء دورها والاكتفاء بالتغني بالشعارات الزائفة، فقد علق على مشاركته في لقاء جمع أحزابا معارضة، وآخر في ما يعرف بتنسيقية الأحزاب غير المعتمدة، بكونها "لقاءات فارغة يكثر فيها الحديث دون الوصول إلى أي نتائج ملموسة"

وبغض النظر عن صدقية وجدوى تصريح الرجل، إلا أن الثابت لدى أي مبتدئ في الممارسة السياسية بالجزائر، يعتبر حديث بن غنيسة ضربا من ضروب الجنون ومن الأمية السياسية، قياسا بحساسية وتعقد وضع الإسلاميين في البلاد، وتحديدا ملف الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقياسا بالتركة الجسيمة التي خلفها إسلاميو الإنقاذ بعد تسعينات القرن الماضي. كل ذلك فضلا عن جهله بالتوازنات الداخلية التي حددت حيز حركة ونفوذ الإسلاميين في الجزائر منذ تدخل العسكر لوقف المسار الانتخابي في يناير 1992.

يرى المتابعون للحياة العامة الجزائرية أن إفرازات المرحلة الجديدة دفعت إلى استقالة الشعب من الممارسة السياسية، والانسحاب القسري للنخب من الواجهة، وتركت فراغا كبيرا يتم ملؤه بهكذا طبقة سياسية من أمثال بن غنيسة.

ومع ذلك كله يملك بن غنيسة الجرأة الكاملة لكيل الاتهامات للمعارضة وللناشطين في المجتمع المدني، ويوجه لهم أصابع الاتهام بالعمل على التمكين لمخططات أجنبية تستهدف أمن ووحدة البلاد، ويرى أن الاحتجاجات الشعبية التي أثارها مشروع الغاز الصخري في الجنوب، وظفت لأجل ضرب استقرار الجزائر.

ويقول إن “هؤلاء أوهموا سكان المناطق الجنوبية، بأنه مشروع خطير على البيئة وعلى السكان، لكنهم لم يأتوا بدليل يثبت ذلك؟ الاحتجاج حق دستوري لكن بطرق سلمية وحضارية، ولا بد أن نعترف بأن بوتفليقة هو الرئيس الوحيد في المنطقة الذي جنب بلاده فوضى الربيع العربي”.

ظاهرة مثل ظاهرة بن غنيسة تعمل، برأي الإعلامي المخضرم سعد بوعقبة، على “إفراغ المجتمع من محتوياته الحقيقية، والدفع بطبقة سياسية هجينة، تكون هي الضامن الوحيد لاستمرار السلطة في مواقعها، بل تكون ملاذ الشعب حال المقارنة بين الأقل سوءا في العروض المطروحة عليه، ويجد نفسه مرغما على اللجوء إلى السلطة بدل الذهاب إلى مثل تلك الرداءة، وهو ما يتجلى في الاستحقاقات الانتخابية”.

13