محمد فنينة فنان تونسي يمزج بين التجريد والتجديد في لوحات صوفية

التشكيلي محمد فنينة.. إقامتي بسلطنة عُمان أثْرت تجربتي الفنية شكلا ولونا.
الأربعاء 2020/10/07
"هو".. انعطافة نحو عالم من الوجد الروحي الخالص

يستعدّ الفنان محمد فنينة في العاشر من شهر أكتوبر الجاري لافتتاح الموسم الثقافي الجديد لرواق الفنون علي القرماسي بالعاصمة تونس بمعرض خاص، يستعرض فيه جملة من لوحاته الصوفية الأخيرة التي أعدّ غالبيتها في سلطنة عُمان، حيث أقام لمدة خمس سنوات ضمن بعثة مهنية أضافت إلى تجربته الفنية بعدا شرق أوسطي الألوان والرموز.

تونس - منذ عودته من سلطنة عُمان بعد إقامة مهنية لخمس سنوات، تفرّغ الفنان التشكيلي التونسي محمد فنينة لصيانة عدد من المعالم الفنية وسط مدينة الحمامات (شمال تونس)، وهي عرائس البحر والمشموم وتمثال الشهيد عاطف الشايب.

وقال فنينة عن هذا الاشتغال الفني المُجدّد لمجسّمات متآكلة “قمت بإعادة بعض القطع التالفة من نصب المشموم الذي يزيّن مدينة الحمامات، والذي يعدّ أحد رموز المدينة الشهيرة بإنتاج نبتتي الياسمين والفل الشذيتين بعطرهما ولونهما ناصع البياض”.

ويضيف “نصب عرائس البحر هو عمل للنحات الراحل عمر بن محمود، عشت متعة ترميمه وتلوينه، وكذلك الحال مع نصب الشهيد عاطف الشايب، الابتكار بالنسبة لي سلوك فطري والترميم علم درسته في كلية الفنون الجميلة بتونس.. لا أتطفل على أحد بقدر ما أحاول المساهمة في إصلاح ما أتلفه الآخرون”.

وهذا الاشتغال على الترميم وإعادة تشكيل المهترئ من التنصيبات الموزّعة في الساحات العامة بمدينته الحمامات، جزء من انشغالات فنينة الفنية التي تنضاف إلى تجربته التشكيلية التي انطلقت مع بداية الألفية، وهو الذي شارك في العديد من المعارض التونسية والدولية، على غرار معرضه في الولايات المتحدة صيف 2010، ومشاركاته خلال سنة 2015 بمدينة فاس المغربية، وأيضا في ربيع الفنون بمدينة الصويرة بالمغرب، كما له مشاركة بمعرض جماعي في كوريا الجنوبية، والعديد من المعارض الجماعية والفردية بتونس وخارجها.

تقنيات جديدة

محمد فنينة: لوحاتي تستمد من تونس ضوءها ومن عُمان رموزها التراثية
محمد فنينة: لوحاتي تستمد من تونس ضوءها ومن عُمان رموزها التراثية

يستعد محمد فنينة حاليا لإقامة معرض شخصي جديد له في العاشر من أكتوبر الجاري برواق الفنون علي القرماسي بالعاصمة تونس، معرض قال عنه الفنان التونسي “يأتي هذا المعرض افتتاحا للموسم الثقافي الجديد للرواق، معرض يضم ما لا يقل عن عشرين لوحة بأحجام مختلفة، كلها تقريبا رسمت في سلطنة عُمان، ضمت تقنيات وأساليب جديدة في تجربتي، على غرار تقنيّتي الرش وتقطير الألوان على القماشة، كما اعتمدت طريقة الرسم عن بعد دون ملامسة المحمل أسوة بتجربة الرسام الأميركي جاكسون بولوك، حيث التعبير التلقائي والحركي، وذلك بإقحام جسدي في العملية التشكيلية”.

وأكّد الفنان التونسي، أصيل مدينة الحمامات، أنه اشتغل في معرضه المرتقب على المقاسات كبيرة الحجم، مقدّما خمس لوحات بطول 2.5 متر وعرض 1.5 متر، أما بقية اللوحات فأتت ذات أحجام مختلفة، أغلبها زيتية وبعضها بمادة الأكريليك.

أما عن موضوعات لوحاته، فيقول “هي امتداد لتجربتي الصوفية، لكن بشكل تجريدي أكثر عمقا هذه المرة، كما تحضر ثيمة أعماق البحار بقوة، بحكم تأثري بتجربتي الحياتية في سلطنة عُمان، وممارستي لصيد الأسماك أثناء الغطس”.

والرسام وأستاذ الفنون الجميلة، محمد فنينة، معروف باشتغاله على المواضيع الصوفية، وخاصة حركة الدراويش الدوّارة التي أرساها المتصوّف جلال الدين الرومي، الأمر الذي جعل تجربته الفنية حول عالم الدراويش ورقصة المولوية التي طبع بها جلّ أعماله التشكيلية تكون نواة كتاب فني صدر بين تركيا وتونس يتحدّث عن وجه الشبه بين رقصة الدراويش ورقصة الفرشاة عند الرسام التونسي.

لوحات تنهل من السجل الصوفي وأجواء الشطحات الدائرية التي تبرز في حركة اللون وطريقة الطلاء على القماشة، فنرى الألوان تدور وتدور حول نفسها كعقارب ساعة تستعجل الزمن من أجل النهل أكثر فأكثر من ملذات الحياة، بعيدا عن شقاء العدم، ربّما؟

لوحات لا نرى فيها الأزياء التي يرتديها الدراويش الراقصون، والتي ترمز في شكلها ولونها إلى التأمل في عالم فان يقرّب راقصه إلى سماء الخلود، حيث الأبيض يرمز للكفن، والأسود للقبر، والقلنسوة إلى شاهدة القبر، فيما ترمز الدورات الثلاث حول باحة الرقص إلى المراحل الثلاث في التقرب إلى الله، وهي: العلم والرؤية والوصال.

لكن رقصة الفرشاة الدائرية عند محمد فنينة بلونها الذي يجيء غالبا في زرقة البحر وتدرّجه بين قان وفاتر، تُحيل إلى الحياة بكل بهرجها وحيويتّها واكتمال اللون والحركة فيها.

ووصف الصوفي ابن تيمية الرقص الصوفي بأنه “عندما يقفز الفؤاد بهجة، وعندما تكون النشوة عظيمة ويصل الوجد إلى ذروته، تفقد الأشكال هيئتها. ليس هذا رقصا، ولا هو متعة جسدية. إنه تفتّح للروح”.

وفق هذا المنحى تتشكّل لوحات فنينة، كتلك التي تحفل بها صفحته الفيسبوكية الخاصة، لوحات تجمع بين التجريد والتجديد فلا هي راقصة تماما ولا هي جامدة البتة، ولنا في إحدى لوحاته الانسيابية الألوان مثال على هذا التفتّح للروح، فبين أحمر وأصفر وأزرق وعجينة ألوان أخرى استمدت جمالياتها الثانوية من ألوانها الأولية، يتبدّى الشكل دائريا مرة أخرى، تارة أبيض وطورا أسود وفق حركة حلزونية تحيل إلى الكمال والاكتمال.

أما لوحة “هو” فتعدّ بمثابة ذاك الصوت القنوع الذي يطلقه المريد المولوي وهو يتضرّع إلى خالقه إيمانا واحتسابا، لتبدو الدوائر في انسجامها اللوني المتعدّد مع كلمة “هو” انعطافة أخرى من فنينة نحو عالم من الوجد الروحي الخالص لونا وشكلا وإحساسا.

رقصات لونية

الفنان التونسي يعيد ترميم وإعادة تشكيل المهترئ من التنصيبات الموزّعة في الساحات العامة بمدينة الحمامات
الفنان التونسي يعيد ترميم وإعادة تشكيل المهترئ من التنصيبات الموزّعة في الساحات العامة بمدينة الحمامات

في سؤال لـ”العرب” لمحمد فنينة عمّا أضافت إقامته في سلطنة عُمان لتجربته الفنية على مستوى الضوء والشكل والرمز، وهو المتوسطي الألوان؟ أجاب “عُمان بلد جميل وطبيعته خلابة، جمال رباني أبهرني وألهمني في أعمالي الجديدة، إذ أنني رسمت لوحاتي ما بين سنوات 2015 و2020 في السلطنة بمختلف جغرافياتها، فصلالة تلك المدينة الاستوائية الجميلة الواقعة على المحيط الهندي، حيث ضيعات الموز والنارجيل وجوز الهند والفافايا.. سحرتني وحفّزت فيّ ألوانا جديدة”.

ويضيف “أقمت كذلك في جبال القمر المطلة على المحيط الهندي، كذلك خرجت للصيد مع الصيادين في البحر ومع رعاة الإبل والأبقار في البر، جولات شحنتني بأضواء وألوان قوية، حيث الضباب الكثيف والسحب الملامسة للأرض بحكم عامل الارتفاع الذي يجاوز الألفي متر في الغالب”.

كما استفاد فنينة من إقامته لمدة سنة ونصف السنة بصحراء الربع الخالي، حيث اختلط بقبائل الصحراء في مكان وصفه بالسحريّ، اسمه شصر، تقول أعمال الحفر والتنقيب إنها مدينة “إرم ذات العماد” التي ذُكرت في القرآن.

وعن هذه التجربة يقول “في شصر سماء زرقاء دائمة تميل إلى البياض بحكم قوة وشدة الحرارة.. ضيعات نخيل مترامية الأطراف ذات اليمين وذات الشمال.. سماء متلألئة بالنجوم على مدار العام، كل هذا الجمال منحني ألوانا قوية أثْرت تجربتي الفنية الجديدة”.

وانتهى محمد فنينة مؤخرا من تقديم معرضه الشخصي الأول في السنة الثقافية الجديدة بفضاء سيدي عيسى بالحمامات، كما شارك أيضا في معرض جماعي بمدينته الحمامات، حمل عنوان “فنانو البلد”.

وهو يقول عن معرضيه الأخيرين “هما محاولة مني لإحياء الذات الحالمة والساعية إلى الابتكار والتجريب وفق منهج جمالي يستمدّ من تونس ضوءها المتوسّطي الحارق ومن سلطنة عُمان رموزها التراثية الضاربة في أعماق التاريخ، قدّمت في المعرضين لوحات متنوعة شكلا ومعنى، مع اشتغال عميق على ثيمة البحر كموضوعة جمالية ورمزية لديمومة الحياة رغم الوباء، كما حضرت الرقصات اللونية متمّمة لحركة الدوران الصوفية”.

Thumbnail
16