محمد فهمي وزير داخلية لبنان وفق النموذج السوري

أنظار اللبنانيين تتجه الآن إلى كيفية تعاطي وزارة الداخلية مع التهديد الجديد لحكومة الرئيس دياب، بمنع انعقاد المجلس النيابي لمناقشة البيان الوزاري لها ومنحها الثقة.
الأحد 2020/02/09
ضابط أمني مهمته إعادة زمن الوصاية

رست مفاوضات رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب أثناء خوضه “معركة” التشكيل على اختيار العميد المتقاعد من الجيش اللبناني محمد فهمي لتبوؤ منصب وزير الداخلية، بعدما عجز طيلة تلك المرحلة عن إيجاد اسم “سنيّ” مقبول لتولي هذه الحقيبة الأمنية الحساسة، خصوصاً بعد “اعتذار” أو “رفض” كل الأسماء السنيّة الأخرى التي تم تداولها كبالونات اختبار لمعرفة من منها “الأقل” رفضاً من قبل المعنيين ومن قبل ناشطي الحراك الذين نزلوا إلى الساحات منذ الـ17 من أكتوبر الماضي.

غير أن هذا الضابط الأمني بامتياز والذي سبق له أن تولى رئاسة فرع الأمن العسكري في مديرية مخابرات الجيش اللبناني لمدة تسع سنوات، قد يكون بحد ذاته جواب الطبقة الحاكمة “الأكثر” عدائية للحراك في الشارع لقدرته المشهود لها في تولي “الضبط والسيطرة“، في ظل غياب أيّ حوار جدي أو بالحد الأدنى المقبول بين أركان السلطة والمنتفضين عليها، فَرَسَا الاختيار على فهمي لكي يتولى ليس مهمة “ضبط” الشارع وعدم انفلاته فحسب، بل ربما إلى حد الوصول إذا أمكن إلى “إخضاعه”.

فبعد وصول عهد الرئيس ميشال عون إلى المأزق الكبير، ورسم حدود أفوله بنفسه، سادت بين القيمين عليه قناعة بأن الأمور لا يمكن أن تستقيم إلا باستخدام القوة والعمل “ميدانياً” على محاصرة المنتفضين ضده والمعترضين عليه وإعلامياً على التشهير بهم و”مخابراتياً” على تفكيك قواعدهم بغية استعادة زمام المبادرة و”تقطيع” ما تبقى لهم من “زمن” في تولي السلطة بأقل الخسائر الممكنة. لكن الضرر وقع ولا سبيل لتجميله.

حل أمني آخر

فهمي الذي يحمل عقلية أمنية بامتياز، سبق له أن تولى رئاسة فرع الأمن العسكري في مديرية مخابرات الجيش اللبناني لمدة تسع سنوات، قد يكون جواب الطبقة الحاكمة "الأكثر" عدائية للحراك في الشارع
فهمي الذي يحمل عقلية أمنية بامتياز، سبق له أن تولى رئاسة فرع الأمن العسكري في مديرية مخابرات الجيش اللبناني لمدة تسع سنوات، قد يكون جواب الطبقة الحاكمة "الأكثر" عدائية للحراك في الشارع

هكذا بدا أن فهمي هو التجسيد الأنسب لعقيدة “الحل الأمني” الذي اشتهرت به بعض الأنظمة الدكتاتورية العربية وتحديداً النظام السوري، خصوصاً أنه خلال خدمته على رئاسة فرع الأمن العسكري في مديرية مخابرات الجيش اللبناني بين 1997 و2006، أي في الحقبة الأسوأ من “عهد الوصاية السورية” وهيمنة القمع ومناخ الترهيب المخابراتي، كان الجميع يعرف أن فهمي مقرّب جداً من النظام السوري، وخصوصاً من مدير مكتب الأمن القومي علي مملوك، كما كان في فترة معينة من خدمته، رئيسه المباشر نائب مدير المخابرات آنذاك اللواء جميل السيد.

وعقب تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات الأخرى التي تلته في العامين 2005 و2006، وانسحاب الجيش السوري، وانهيار حكم إميل لحود، تمت إزاحة العميد فهمي من منصبه، فتسلّم عدة مواقع منها مكتب الألغام ثم قيادة منطقة جيل لبنان حتى تقديم استقالته من الجيش عام 2016، بعد أن حققت معه اللجنة الدولية 12 مرة.

وكان لافتاً خلال عملية التسلّم والتسليم بين وزيرة الداخلية السابقة ريا الحسن والوزير فهمي، ما قاله بالمناسبة، إذ حاول أن يرسم صورة مغايرة لما يتخيله الناشطون في الحراك أو المعترضون على كيفية تشكيل الحكومة الجديدة فقال “يمكنني أن أعد بالكثير وفق الأهداف التي أحملها ولكن بحكم السنوات العديدة التي قضيتها في مؤسسة الجيش وتعاطيّ مع المواطنين في كافة المناطق اللبنانية، فإنني متأكد بأن الوعود التي تبقى دون تنفيذ تنعكس سلبا على صاحبها وعلى من يستمع إليها. لذلك سأبتعد عن كلمة وعود وسأستعيض عنها بكلمة تمنيات لأنني مصمم على القيام بكل ما يمكن ويسمح لي به القانون والإمكانات لإحداث صدمة إيجابية تنعكس على لبنان وعلى مواطنيه”.

وأضاف فهمي “لقد وضعت خطة عمل تسمح لي بإذن الله، بتحويل أغلب هذه التمنيات إلى واقع بالتعاون الشفاف والصادق مع الضباط الزملاء ومع كافة الموظفين”، مشدّداً “أضمن لكم أن قوى الأمن لن تعتدي على أحد وستبذل كل جهد ممكن من أجل حماية حق التعبير وحقوق الإنسان بالتوازي مع حماية المواطنين والقوانين المعمول بها بهذا الشأن، وسأعمل على إحالة أيّ مخالفة في حال حصولها إلى المعنيين لمعاقبة صاحبها، وفي المقابل لن أسمح بالاعتداء على القوى الأمنية التي تقوم بواجبها”.

وفي أول تصريح صحافي له، قال فهمي إن إخماد الحراك ليس هدفه، لكنه شدد على مواجهة المتظاهرين غير السلميين. وأضاف أن هدفه “ليس إخماد الحراك بما يمثله من مطالب محقة، إنما حماية المواطنين والمتظاهرين السلميين ومنع أعمال الشغب وتخطي هذا الوضع الأليم”، مشيرا إلى أنه وضع “استراتيجية جديدة للتعاطي مع المتظاهرين غير السلميين”.

ويؤكد فهمي أنه، بعكس كل ما تم الترويج له، فلا انتماءات سياسية أو حزبية له، يقول “أنا ابن المؤسسة العسكرية، كنت فيها على مسافة واحدة من الجميع، وسأبقى في وزارة الداخلية على مسافة واحدة من الجميع أيضا”، موضحا أن من اختاره لتولّي حقيبة وزارة الداخلية هو رئيس مجلس الوزراء حسان دياب.

صديق رستم غزالة

– عهد الرئيس ميشال عون يصل إلى مأزق كبير، راسماً حدود أفوله بنفسه، بعد أن سادت بين القيمين عليه قناعة بأن الأمور لا يمكن أن تستقيم إلا باستخدام القوة والعمل “ميدانياً” على محاصرة المنتفضين ضده والمعترضين عليه.
عهد الرئيس ميشال عون يصل إلى مأزق كبير، راسماً حدود أفوله بنفسه، بعد أن سادت بين القيمين عليه قناعة بأن الأمور لا يمكن أن تستقيم إلا باستخدام القوة والعمل "ميدانياً" على محاصرة المنتفضين ضده والمعترضين عليه

ناشطو الحراك ليسوا بعيدين عن متابعة الأجواء السياسية، لذلك فقد أدركوا مبكراً ما سيواجهونه مع وزير الداخلية الجديد فأعدوا العدة لمواجهته بدءاً من إطلاق شعارات جديدة مثل: “شوفو هالخبرية، جابولنا وزير داخلية، كان صاحبو لرستم غزالة، ترباية البعثية”، و”جنّوا جنّوا الأمنية لمن طلبنا الحرية، هودي جنود الوصاية، ترباية البعثية”.

لكن فهمي يوضح هذه المسألة بالقول “حتى في مرحلة رئاستي لفرع الأمن العسكري في الجيش على مدى تسع سنوات حتى العام 2006 كانت علاقتي مع السوريين الند للند، وشابتها الخصومة مع ضباطٍ سوريين كبار. وقد يكون حزب الله مرتاحا لوجودي هنا كوني من المؤسسة العسكرية وقانونيّ، مع العلم أني أقف إلى جانب كل من يقاتل إسرائيل وهذا في صلب عقيدتي الوطنية”، مضيفاً “إن من اختارني هو رئيس الحكومة حسان دياب حيث اتصل بي أحد الأشخاص من قبله، وقابلته في تلة الخياط لمدة نصف ساعة”.

لكن يبدو أن ناشطي الحراك كانوا يتوقعون ما تعرضوا له من محاولات لخنق تحركاتهم، فلم يمض يومان على استلامه وزارة الداخلية، حتى أصدر أوامره برفع جدران إسمنتية مزنّرة بالأسلاك الشائكة تقضم مساحات كبيرة من وسط بيروت، وتغلق شوارع ودروباً ومفترقات تؤدي جميعها إلى مركزي السلطة التنفيذية في السراي الحكومي والسطلة التشريعية في ساحة النجمة.

وبناء على توجيهاته أيضاً، ظهرت الأنياب الجديدة لقوة مكافحة الشغب التابعة لقوى الأمن الداخلي والتي نصبت كميناً محكماً لمئات المتظاهرين في ساحة رياض الصلح وتم التعامل معها بشراسة من خلال إلقاء قنابل مسيلة للدموع وتوجيه خراطيم المياه واستخدام الهراوات لتفريق المتظاهرين.

اختباران

[ أنظار اللبنانيين تتجه الآن إلى كيفية تعاطي فهمي مع التهديد الجديد لحكومة دياب بمنع انعقاد المجلس النيابي لمناقشة بيانها الوزاري ومنحها الثقة.
فهمي حاول أن يرسم صورة مغايرة لما يتخيله الناشطون في الحراك أو المعترضون على كيفية تشكيل الحكومة الجديدة

لا تفوت فهمي الإشادة بالتعاون الكبير بين قيادة قوى الأمن الداخلي الممثلة باللواء عماد عثمان وقيادة الجيش الممثلة بالعماد جوزيف عون، خصوصاً أن عناصر الجيش انخرطت في عملية قمع المتظاهرين في وسط بيروت.

غير أن فهمي حامل “الإضبارة” النظيفة في الجيش، تنقصه الخبرة في المجال السياسي والتعاطي المباشر مع المدنيين. هذا ما اعترف به علنًا “لست مسيّسًا” في حديث صحافي، غير أنه أردف “لكن الأولويات واضحة. وسأسعى من موقعي لأطبِّق القانون وألتزم بمسؤولياتي الأمنية والإدارية والمَدَنية والخدماتية باعتماد المسافة الواحدة مع الجميع من دون أيّ استثناء”.

يشدّد فهمي على أنّ القضاء على الفساد، وليس فقط محاربته، يحتلّ مرتبة أساسية في لائحة أولوياته. يقول “لن أسمح بأيّ تجاوزات في وزارة الداخلية وكل ما يندرج تحت سلطتها”، مشيرًا إلى أنّ “الورشة بدأت في النطاق البلدي وستطال أوكار الفساد أينما وجدت، وهذا الأمرُ كفيلٌ بتنفيسِ جزءٍ من غضبِ الشارعِ”.

فهمي خضع لامتحانين “سياسيين” حتى الآن برزت من خلالهما قدراته في تجاوز الألغام. الاختبار الأول كان الشارع حين نزل وزير الداخلية بنفسه إلى الأرضِ حيث كان القرار باستخدام خراطيم المياه فقط وفرض تراجع المجموعات المتظاهرة بعدما دأبت على مهاجمة القوى الأمنية والتخريب والتكسير، والاختبار الثاني هو حادث كفرذبيان وإقدام نجل الوزير السابق وئام وهاب على إطلاق النار. فرغم صدور إشارة قضائية بإخلاء سبيله في الليلة نفسها، كان قرار وزير الداخلية بإبقائه موقوفًا “لو كان من أطلق النار أيّ شاب آخر لا سند سياسيًا له كان أوقف بحكم القانون. تواصلت مع من يجب التواصل معهم. وطلبت توقيفه ومصادرة المسدس وتحويل السلاح إلى المحكمة العسكرية. والآن القضية بعهدة القضاء”. ويجزم، “لو ابني فعل ذلك كنت سأوقفه”.

لا يمكن التنبؤ بما تخبئه الأيام المقبلة على الصعيد الأمني، لكن الحراك السلمي الذي لم يستسغ طريقة تشكيل الحكومة الحالية قرّر أن يواجهها أولاً بمنع مثولها أمام المجلس النيابي لمناقشة الميزانية التي وضعتها الحكومة السابقة، فنجح فهمي في منع خطتهم وانعقدت الجلسة وأقرّت الموازنة، والأنظار متجهة الآن إلى كيفية تعاطي وزارة الداخلية مع التهديد الثاني وهو منع انعقاد المجلس النيابي لمناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس دياب ومنحها الثقة. فهل ستكون المواجهة حتمية، وهل سينجح فهمي في تجاوز هذا التحدي بأقل الأضرار الممكنة؟

أول إجراءات فهمي بعد توليه حقيبة الداخلية، إصداره أوامره برفع جدران إسمنتية مزنرة بالأسلاك الشائكة تقضم مساحات كبيرة من وسط بيروت، وتغلق شوارع ودروباً ومفترقات تؤدي جميعها إلى مركزي السلطتين التنفيذية والتشريعية
أول إجراءات فهمي بعد توليه حقيبة الداخلية، إصداره أوامره برفع جدران إسمنتية مزنرة بالأسلاك الشائكة تقضم مساحات كبيرة من وسط بيروت، وتغلق شوارع ودروباً ومفترقات تؤدي جميعها إلى مركزي السلطتين التنفيذية والتشريعية

 

8