محمد محفل.. تسعون عاما يغادرها المؤرخ السوري ليصير نحتا في جدار

محمد محفل من المؤرخين الذين حورب فكرهم في مراحل متعددة، فهو لم يكن مجرد مثقف سوري انشغل بالعالم القديم.
الثلاثاء 2019/01/22
عارفٌ بالماضي الإنساني البعيد أدرك سر اللعبة

لا تقاس حال الأمم بالكوارث التي تحل بها، ولا بتقلباتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بل بإمكانياتها على تجديد طاقاتها ونخبها، وتعويض ما تفقده من علمائها ومفكريها عبر الزمن، وما يمر به العرب خلال السنوات الحالية، مأساوي ليس فقط لكونه يصطبغ بالدمار والتفكك، بل لأنه يشهد أيضا رحما عجفاء تعجز عن استيلاد قامات صنعت حداثة العرب في القرن العشرين وعشرية القرن الحادي والعشرين الأولى، ومضت دون أن يظهر لها خلَف.

وقبل أيام قليلة، نعت وسائل الإعلام أول مديرة للمتحف العراقي العالمة القديرة بهيجة خليل إسماعيل، في العاصمة الأردنية عمان. كانت تلك المرأة أول عربية تحصل على الدكتوراه من ألمانيا وأول امرأة تتولى إدارة المتحف العراقي، وأول باحثة أركيولوجية عربية أيضا. وقد تركت العشرات من الكتب والبحوث حول التاريخ العراقي وحضارات بلاد ما بين النهرين. والتي كانت تشتهر بلقب “قارئة المسماريات”.

رحيل كهذا يتزامن مع رحيل آخر لأبرز مؤرخ سوري معاصر، غاب في العاصمة السورية دمشق مطلع يناير الحالي، بعد تسعة عقود، حفلت كما اسمه، بالكثير من العمل والكثير من الإنجازات، والقليل من اليأس.

حوار داخل قبر

لم يكن محمد محفل مجرد مثقف سوري انشغل بالعالم القديم. كان يمكن لمن يلتقي به أن يرى فيه انصبابا هائلا للحضارات كلها، وليس فقط حضارات المشرق بل تلك البعيدة التي تركت بصماتها على حياتنا حتى اليوم.

كان يسمّي نفسه “ابن الأرض”، معتقدا أننا بوسعنا أن نستخلص المعرفة كلها من المكان، وهو ما صدقته شخصيا منه، وبالنسبة إليّ كصحافي، لا أستطيع التهرب من استعادة تلك اللحظة التي قدت محفل فيها إلى ما تحت الأرض في دمشق. فكرة اهتديت إليها، تلخصت بدعوة مؤرخ إلى الحوار في قبر مؤرخ آخر، عاش قبل الآلاف من السنين. ليس بغرض استعمال الرمز، لكن لخلق التأثير المطلوب على محفل من جهة، وعلى من يتابع ويقرأ الحوار لاحقا من جهة أخرى.

كلمة "بوليس" في اللغة اليونانية، التي ترتبط بأسماء المدن مثل نيابوليس أو نابلس وتريس بوليس أو طرابلس، يشرح محفل أنها عند اليونان كانت تعني الإنسان المتحضر الذي يسكن المدينة وله الحق في ممارسة السياسة، أو البوليتيا باليونانية والبوليا بالفرنسية والبولايت بالإنكليزية والتي ارتبطت بالمدينة والإنسان وحقوقه الحضارية

وفي قبر المؤرخ يرحاي بن بربكي التدمري، جلسنا محفل وأنا نكشط الجير المتراكم على طبقات التاريخ، تاريخ محفل أولا ومن خلاله تاريخ العرب والعالم.

أولى علامات ذلك الحوار كانت شرح محفّل لما تعنيه كلمة “يرحاي” المشتقة من فعل “يَرَحْ” الآرامي ومعناها “أرّخ” وهو فعل قادم هو الآخر من كلمة طالما ارتبطت بوعي الناس ويومياتهم في المنطقة العربية؛ إنها “يرح” أي “القمر”.

كان القمر يقود الناس في يومياتهم، ومن منازله ودورانه، حسب محفل، اشتقت حروف اللغات السامية. ومنه جاء التاريخ القمري المحلي في الجزيرة العربية وبلاد الشام.

استرسل عقل المؤرخ، كما تمنيت، حين التقط القمر. تساءل “هل يخطر ببالكم كم للقمر من أسماء؟ هل تعلمون أن من أسماء القمر (سِينْ)؟ يا سين والقرآن الحكيم، لم يكن معروفاً قبل هذا اسم ياسين بين العرب والآراميين، ولكنه نداء للقمر”.

لحظات وينتقل محفل إلى انتقاد مفسّري القرآن الكريم “هل خطر ببال المفسّرين أن يعطونا في الواقع، لماذا لا نجد اسم ياسين لدى القدماء؟ اسم محمد كان موجودا، اسم علي كذلك، واسم عمر وعمران. من هنا نحن نسبح في بحر من الطلاسم، لكن حين نبحث أكثر ينفتح أمامنا الكثير”.

لا يلبث حتى ينتقل إلى الفن النحتي، رابطا تماثيل النساء التدمريات اللواتي كن يحملن الأطفال بين أيديهن، بأيقون مريم العذراء التي ظهرت لاحقا وهي تحمل المسيح. يسمي محفل تلك الحالة “استمرارية للفن العربي”. مثلها مثل تماثيل الفارس الذي يطعن الوحش برمحه، والذي صار في ما بعد “مار جرجس” أو الخضر.

درس محفل في جامعة دمشق بدءا من العام 1949 وتابع دراساته في ألمانيا وسويسرا، وطُرد من الجامعة، آنذاك، بعد أن اتهم بالتهريب، لكن أي تهريب قد يغري شخصا شغوفا بالمعرفة والتاريخ والآثار؟ لا بد أن أول جواب سيكون؛ تهريب الآثار والمتاجرة بها، لكن ليس هذا ما كان يفعله محفل. إنما كان يهرّب الأموال والأسلحة للثوار في شمال أفريقيا والجزائر في صراعهم مع الاحتلال الفرنسي. وحين ثبتت عليه التهمة طرده الفرنسيون خارج أراضيهم.

بعد تلك الحادثة تأخر حصوله على الدكتوراه لثلاثين عاما، وهي فترة طويلة جدا بالنسبة لمن اختط لنفسه خطا في عالم الأكاديميات. وكان محفل يرجع ذلك في الحقيقة إلى حساسية أطروحته التي لم يكن من السهل على أوروبا أن تستسيغها، بعد أن اختار لها العنوان “دور العبيد في انحطاط الإمبراطورية الرومانية”.

تزوير التاريخ الغربي

محفل يرد على المؤرخين الذين اتهموا العقل السامي بالعجز عن إيجاد دولة مركزية في المشرق، بالقول إن الإنسان عندنا قرّب الملك الإله من صورته، ولم يبقه مرعبا كما في الدول المركزية ولذلك صنع إمارات متعددة
محفل يرد على المؤرخين الذين اتهموا العقل السامي بالعجز عن إيجاد دولة مركزية في المشرق، بالقول إن الإنسان عندنا قرّب الملك الإله من صورته، ولم يبقه مرعبا كما في الدول المركزية ولذلك صنع إمارات متعددة

يتهم محفل أولئك الذين يسمون بـ“المؤرخين الجدد” والذي عاش معهم وعاصرهم بدءا من العام 1950 في فرنسا، وكانوا قد بدأوا عملهم قبل ذلك بخمسين عاما، بأنهم تولوا مهمة تجميل وتغطية التاريخ الأوروبي القديم، للتمهيد للمد الاستعماري لأوروبا الغربية واحتلال العالم من جديد. أولئك أطلقوا تعبير “العصر الذهبي” في الحديث عن مرحلة من عمر الإمبراطورية الرومانية التي احتلت بقاع الأرض.

لم يغفر للإمبراطور هدريانوس بأنه كان يحتجز في قصره بالمئات من المحظيات والغلمان المرد، أطلق عليه اسم “المرعب”، متسائلا “هل يمكننا أن نقول عن شيء كهذا أنه ينتمي للعصور الذهبية؟”. كذلك الإمبراطور تيريانوس الذي احتل المنطقة العربية وسماها “الولاية العربية” له سجل أسود بالنسبة لتاريخ رومانيا التي غزاها ونهب كنوزها وأقام حفلا استمر لأربعة شهور، قتل فيها أكثر من 15 مجالد و50 ألف وحش أمام أنظار الشعب الروماني المهزوم.

المؤرخ الذي ينطلق من الماضي عاملا في ميدان التاريخ القديم، محاكماته تكون صعبة. إنه حسب محفل “يعرف سر اللعبة” وكيف تكونت الدول وكيف تكون نظام الدولة التي هي خطوة إلى الأمام، من ناحية التنظيم، وخطوات إلى الوراء من الناحية الإنسانية.

الفرعون واللغة وعجز العقل

مثير العالم الذي يدخلك إليه محفل وهو يستثمر المعلومات محللا إياها إلى قواعد في نشوء الأمم والعلاقات ما بين السلطات. لديه نظرية تقول إن الفرعون في مصر عرف جيدا خطورة اللغة على الحكم، حين تتاح لكل الناس، ولذلك لم يسمح بأي شكل من الأشكال بأن تكون اللغة المكتوبة متاحة للعوام، بل أبقاها رموزا سرية. وهذا سرّ أن الأبجدية اكتشفت في المشرق وليس في مصر الفرعونية.

وفي سيناء المصرية، بمنطقة “سرابيط الخادم”، حيث مناجم الفيروز، وجد العلماء أن الفراعنة كانوا قد توصلوا إلى أبجدية قريبة من أبجدية “جبيل” بترتيبها “أبجد هوز حطي كلمن” ولكن، لم يتابعوا الخطوة، وكان بإمكانهم أن يكملوا، لولا خوف الفرعون على الحكم.

يقول محفل إن العقل السامي، وفقا لرؤية بعض المؤرخين، عجز ولم يتمكن من إيجاد دولة مركزية في المشرق. ولذلك كانت لدينا إمارات وممالك متفرقة وسطى وساحلية، كنعانية وأمورية وآرامية. ويضيف “لكن انظر إلى فن النحت، الزيقورة البابلية مرعبة بطوابقها السبعة وهي تلتف إلى قدس الأقداس، انظر إلى المعابد التقليدية المصرية التي ثار عليها الفرعون أمون حوتب أخناتون. عندما تدخل إليها تجد الباحة الأولى التي ترى الشمس، ثم الباحة التي فيها القليل من الشمس، ثم الباحة المغلقة فقدس الأقداس التي لا يمكن أن يدخل إليها إلا الفرعون. لهذا كله مفهوم محدد. والآن انظر إلى أبوسنبل وتلك التماثيل الضخمة، لن تجد مثلها في بلاد الشام، هنا تجد تماثيل لا تخاف منها، وهنا أنّس الإنسان الإله، وقال سفر التكوين في التوراة ‘وجعل الإله الإنسان على شاكلته'”.

محفل المأخوذ بالمكان يستحضر مدينة عراقية قديمة يقول عنها إن المؤرخين الغربيين يسمونها "هترة"، وهي في الواقع "حضر" وفيها عربايا، أقدم مملكة عربية في السهل الشمال الغربي من وادي الرافدين، جنوب غربي الموصل، ويجزم محفل أن "حضر" جذر من جذور الحضارة المرتبطة بالاستقرار

بعد ذلك وحين جاءت الدول المركزية الكبرى، كالدولة الفرعونية أو ما هو كبير في الإمبراطورية الأكادية، خلقت الإله الملك المرعب كي يرعب الإنسان، كما يصف محفل. وهناك في الشرق كان الإله مردوك، وفي المغرب حيث مصر كان أمون، أما في الوسط في بلاد الشام فقد ظهر الإله المخلص “المسيح”. لذلك برعت بلاد الشام في التركيب، كما فعلت بالأبجدية.

ليس بلا دلالة أن يكون محفل أحد الذين حورب فكرهم في مراحل متعددة، فإليه أيضا تعود نظرية تقول إنه لا وجود للغة عبرية في الماضي، وحين تسأله عن ذلك يعود إلى زمن الرواية التي تتحدث عن أصل كلمة “عبري”، نافيا دقة الرواية التي تقول إنهم سموا بذلك بعد أن عبروا النهر، بل إن الكلمة لديه تحمل معنى آخر. وهو قادم من البادية “عفريم” ومعناها أهل التراب، والعبرانيون هم أعراب كانوا يجوبون البادية ويقدمون خدماتهم لمن حولهم. ولكي تكون هناك لغة عبرية كان يجب أن يكون هناك مجتمع عبراني.

المؤرخ الذي يخشى حاضره

يؤكد محفل أن التوراة لا تذكر أبدا لغة عبرية. بل تستعمل تعبير “شفة كنعان”. ولأول مرة نجد كلمة لغة عبرية في الأناجيل، في حادثة صلب المسيح، حين قالوا “وكتب فوق رأسه (يسوع ملك اليهود) باليونانية واللاتينية والعبرية”. ويجزم المؤرخ السوري بأن من ظل على يهوديته، آنذاك، تكلم بما سميت بالعبرية، ومن اتبع المسيح وهديه الجديد تكلّم بالسريانية.

من الصعب أن تمسك الانتماء الفكري الدقيق لمحفل، فهو مرة قومي عربي ومرة يساري ومرة مستقبلي متحلل من كل الأيديولوجيات،  جاء يوما إلى مدرجات جامعة دمشق في السبعينات حيث كان يحاضر، ووقف أمام الطلاب يبكي، كان ذلك بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس وخطابه في الكنيست الإسرائيلي، يقول محفل إنه كان يخشى من غياب دور مصر.

وحين تسأله “أو ليس المؤرخ عقليا، لا عاطفي يواجه الأحداث السياسية بالدموع؟” يجيبك بالقول “نعم، لكني لم أقدر. عرفت لحظتها أن شيئا مخيفا كان قد بدأ”.

أما دراسة التاريخ فقد وصفها محفل مرة بأنها “عقم في عقم”. فالمؤرخ المعاصر، كما يقول “جبان يخشى حاضره كما يجهل ماضيه. هذا المؤرخ ينقصه شيئان؛ المعرفة والاعتراف بالخطأ. وأنا أعلّم طلابي أن يقولوا (حتى الآن). وألا يكونوا جازمين دوما”.

رجل غني بالمعرفة والتوق إلى الجديد
رجل غني بالمعرفة والتوق إلى الجديد

الأرض هي التي تتوارثنا، كما يكرر محفل دوما. يقول إن “معرفتنا بالتاريخ القديم إما غيبية وإما ضبابية. لكن المؤرخ الفرنسي أو الألماني أو البريطاني أو الأميركي لا عقدة لديه، لا يوجد لديه هذا العمق في الإرث الذي يمكن أن يؤثر في حياتهم اليومية، أما نحن فكثير من الأشياء التي تعود إلى عمق التاريخ أصبحت معتقدا بعد أن أعطوها صبغة دينية”.

المسلمون والعرب وأوباما

فقد صاحب الصوت العميق والشعر الأبيض الطويل قبل رحيله، الكثيرين من رفاق دربه، كان يهمس “أتمنى قبل أن أنتقل إلى عالم الغيب أن أكون قد خلّفت ورائي شيئا مهما. أنا حزين لماذ؟ لأنهم لا يدركون حجم ما نحن مقبلون عليه، إنساننا الحالي الذي يعود في جذوره عشرات الآلاف من السنين لا يدرك اليوم ما يحمله في جيناته، ولا يعلم ما قيمة هذا السحر، فقط يؤوله أسطوريا. لقد توقفنا عن التقدم هنا، في بلاد الشام والعالم العربي والإسلامي، وأنا أصر على تحديد العرب الذين هم من جاؤوا بالإسلام إلى العالم. انظر اليوم كيف يخطب أوباما في جامعة القاهرة، لا يقول كلمة واحدة عن العرب، يتحدث عن مسلمين فقط. أين هم العرب اليوم وما هو دورهم؟”.

محفل المأخوذ بالمكان يستحضر مدينة عراقية قديمة ليقول عنها “لقد تحضّر الإنسان عندما بدأ بعد الاستقرار، لكن الكثيرين لم ينتبهوا. توجد مدينة تاريخية في العراق يسمونها (هترة)، وهي في الواقع (حضر) وفيها عربايا، أقدم مملكة عربية في السهل الشمال الغربي من وادي الرافدين، جنوب غربي الموصل، حضر ترتبط بالحضارة والاستقرار. ألم يخطر ببالك أن تفكر في كلمة (بوليس) في اللغة اليونانية، التي ترتبط بأسماء المدن؟ مثل نيابوليس أو نابلس وتريس بوليس أو طرابلس، وهذه البوليس عند اليونان كانت تعني الإنسان المتحضر الذي يسكن المدينة وله الحق في ممارسة السياسة، أو البوليتيا باليونانية والبوليا بالفرنسية والبولايت بالإنكليزية والتي ارتبطت بالمدينة والإنسان وحقوقه الحضارية”.

رحل هذا الرجل الغني بالمعرفة والتوق إلى الجديد في دمشق بعد أن ولد في حلب في العام 1928 وبعد أن أتقن خلال حياته إثنتي عشرة لغة ما بين قديمة ومعاصرة، وترك خلفه العديد من الأعمال الثمينة مثل “تاريخ الرومان”، و“تاريخ اليونان”، و“المدخل إلى اللغة الآرامية”، و“تاريخ العمارة”، و“الدولة والمجتمع في المغرب ودمشق”، و”دمشق: الأسطورة والتاريخ، من ذاكرة الحجر إلى ذكرى البشر”، والكثير غيرها.

 بقي محمد محفل يقول “قالوا (في البدء كانت الكلمة). وأنا أقول في البدء كان العمل”. أما رحلة الكتابة عنه فتبدو معكوسة بالفعل، كما لو أنها رحلة من ذكرى البشر إلى ذاكرة الحجر.

13