محمد مخلوف الحاكم الفعلي لسوريا من خلف الستار

الأحد 2013/09/08
محمد مخلوف استطاع تغيير صورة سوريا داخليا وخارجيا

بيروت – لم يكن الكلام عن محمّد مخلوف في وسائل الإعلام العالمية حديث مفاجأة للذين يعرفون عن كثب كيف يعمل النظام السوري القائم وطبيعة تركيبته. فقد سبق لـ"العرب" أن نشرت قبل تسعة أشهر معلومات مستفيضة عن أهمية الرجل الذي يعرف في سوريا بـ"الخال"، وهو خال الرئيس بشّار الأسد.

وكانت مناسبة العودة إلى محمد مخلوف والتركيز عليه، هي اكتشاف أنه الشخص الذي يتولى عمليا الترتيب لصفقات السلاح بين سوريا وروسيا ودفع ثمن هذه الأسلحة أو مبالغ نقدية "على الحساب".

وهذا يعني بطبيعة الحال أنّه الشخص المؤتمن على ضمان كلّ ما من شأنه توفير شريان حياة للنظام السوري الذي يعود له الفضل في توريثه في العام 2000. انتقل النظام من حافظ الأسد إلى بشّار الأسد بفضل محمّد مخلوف وحده أوّلا وربّما أخيرا.


صفقات السلاح


وتعتبر مصادر سورية أنّ أهميّة محمد مخلوف تجعل نشاط الرجل يمتد بشكل طبيعي إلى مجال عقد صفقات السلاح مع روسيا. وتشكّل الصفقات جزءا أساسيا من المهمّات التي يتولاها مع أفراد العائلة الحاكمة في سوريا. على رأس هؤلاء بشّار الأسد نفسه وشقيقه ماهر والنجل الأكبر رامي محمّد مخلوف. ويشكّل هؤلاء مجموعة تسيطر عمليا على ما يزيد على ستين في المئة من الاقتصاد السوري، بدءا بالأسواق الحرّة ووصولا إلى الاتصالات وكل ما له علاقة بالنفط والغاز وشركات النقل الجوي والبحري والبرّي وكلّ ما تقع اليد عليه مثل إنتاج زيت الزيتون والتبغ والفنادق الكبيرة.

ويختصر رجل أعمال سوري نشاط المجموعة العائلية بقوله إنه لا يوجد مشروع صناعي أو تجاري أو زراعي مربح في سوريا إلاّ وفيه حصة لمحمّد مخلوف أو لأحد أفراد عائلته. فهو زعيم العائلة الحاكمة التي يشغل أحد أفرادها، بشّار الأسد، موقع الرئيس، رئيس الجمهورية العربية السورية.

لم يصبح ذلك ممكنا إلاّ بعد نجاح الرجل في عملية التوريث مستفيدا قدر الإمكان من غياب باسل الأسد عن الساحة في العام 1994، بعد مقتله في حادث سير، ومجيء بشّار إلى دمشق للتدرب على خلافة شقيقه بإشراف مباشر من "الخال" وعدد قليل من المقربين من العائلة.

ويختلف بشّار كلّيا عن باسل الذي كان ضابطا محترفا. إنهما شخصيتان تنتميان إلى عالمين مختلفين لا علاقة لأيّ منهما بالآخر. فباسل كان شخصا يمتلك شخصية قويّة، تشبه إلى حدّ كبير شخصية والده، ولم يكن يأبه كثيرا بـ"الخال" في حين أن بشّار ضعيف جدا وهو مستعدّ لتقديم كلّ التنازلات المطلوبة إلى آل مخلوف من أجل الاحتفاظ بالسلطة والحصول على المال في الوقت ذاته.

ويروي شخص لبناني عرف "باسل" و"بشّار" جيّدا أن كلّ ما يهمّ الأخير هو إظهار أنه لا يقلّد شقيقه الأكبر الذي كان يقسو عليه أحيانا، وأنه صاحب شخصية متميّزة. هذا ما يفسّر إلى حدّ كبير مضمون الخطابات التي كان يلقيها بشّار الأسد في القمم العربية والتي بدت في معظم الأحيان أشبه بدروس في السياسة والوطنية… وذلك إرضاء لغروره وسدّ ضعف شخصيته. وتضيف هذه الشخصية اللبنانية أنّ باسل تلقى سيارة "فيراري" هدية في إحدى المرّات وراح يقودها في دمشق. وكان ردّ فعل بشّار اقتناء سيّارة "بيجو 504" مستخدمة كي يظهر في مظهر المتقشّف المختلف كلّيا عن شقيقه الذي كان يعدّه والده ليصبح رئيسا. وتعمّد بشّار في تلك المرحلة التجوّل في دمشق كلّها، بما في ذلك الأحياء الشعبية، كي يرى الناس الفارق بينه وبين باسل!

وتؤكد شخصيات سورية عدة التقتها "العرب" أنّ نجم محمّد مخلوف كان حاضرا في عهد حافظ الأسد. لكنّه لم يكن بشكل الرجل الأوّل في البلد والشخصية الأقوى على كلّ الصعد. وتعتقد هذه الشخصيات أن محمّد مخلوف الذي تجاوز الثمانين من العمر، لكنه لا يزال في صحّة جيدة، لعب ورقة بشّار بطريقة ذكية مستفيدا في مرحلة أولى من مرض حافظ الأسد وحالته الصحّية والنفسية والذهنية التي راحت تتدهور تدريجا منذ مقتل باسل الذي كان يعلّق عليه كلّ آماله. وفي مرحلة لاحقة، عرف محمّد مخلوف نقاط الضعف في شخصية الإبن الثاني واستغلها أفضل استغلال، خصوصا بعدما اكتشف حبّه للمال. وقد زاد تعلّقه بالمال إثر زواجه من أسماء الأخرس وهي فتاة سنيّة تنتمي إلى عائلة من حمص مقيمة في لندن منذ فترة طويلة.


التوازنات مع دول الجوار


وكان لافتا منذ العام 1998، تاريخ انتخاب إميل لحّود رئيسا للجمهورية في لبنان خلفا لإلياس الهراوي، بداية تحوّل في السياسة السورية تجاه لبنان بعيدا عن التوازنات التي لجأ إليها حافظ الأسد لتثبيت نظام حكمه داخليا وفي دول الجوار أيضا. وكان انتخاب إميل لحّود بمثابة انحياز كامل لإيران على حساب المملكة العربية السعودية التي كان حافظ الأسد يصرّ على مراعاتها. وكان يفعل ذلك عبر شخصيات سنيّة معيّنة في لبنان، من بينها الرئيس الراحل رفيق الحريري، أو عبر شخصيات سورية مثل نائب الرئيس عبدالحليم خدّام وحكمت الشهابي الذي كان رئيسا للأركان.

ولعب محمّد مخلوف دورا حاسما في التخلص من كلّ مراكز القوى التي كانت تحيط بحافظ الأسد من جهة وتقريبه من إيران، عبر صفقات تجارية والعلاقة مع "حزب الله" من جهة أخرى.

ويمكن القول إن محمّد مخلوف صار الشخصية المحورية في سوريا في عهد بشّار الأسد بعدما كان صاحب دور مرسوم له بدقّة في أيام حافظ الأسد. وكان هذا الدور مقتصرا على السيطرة على بعض المرافق التي تدرّ عليه أموالا مثل مؤسسة التبغ والتنباك الحكومية التي كانت تحت سيطرته. وقد سمح له ذلك بإقامة شبكة علاقات قوية في أوروبا، خصوصا مع المصارف النمساوية، كما كان يتولى في الوقت ذاته الاهتمام برفاه بعض الضباط العلويين الذين كان مطلوبا أن يكون لديهم ولاء أعمى لحافظ الأسد، خصوصا بعد القطيعة بين الأخير وشقيقه رفعت ذي الطموحات التي لا حدود لها، وحصلت تلك القطيعة في العام 1984.

بفضل ورقة بشّار، استطاع محمد مخلوف تغيير سوريا داخليا وخارجيا وحتى تغيير لبنان بعدما تحوّلت دمشق من داعم، بحدود معيّنة لرفيق الحريري، إلى راغبة في التخلص منه بأيّ ثمن لكونها الحليف الأوّل لـ"حزب الله". وهذا الحزب كان ولا يزال يمثّل الذراع الإيرانية في لبنان وحتى في سوريا كما أظهرت تطورات الأشهر الأخيرة. وفي هذا المجال، يُعتبر محمد مخلوف من أقرب الناس إلى آل ميقاتي، خصوصا من طه ميقاتي الأخ الأكبر لنجيب ميقاتي الذي يرأس الحكومة اللبنانية المستقيلة منذ شهر آذار- مارس الماضي. وكان معروفا عن آل ميقاتي كرههم لرفيق الحريري وتحريضهم الدائم للسوريين عليه. لكنّ نفوذهم السوري بقي محدودا إلى أن بدأ محمّد مخلوف يتحوّل إلى صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البلد مع صعود نجم بشّار.

ولكن من هو محمّد مخلوف الذي نقل سوريا من مكان إلى آخر بعدما صار بشّار الأسد مثل الخاتم في إصبعه؟

إنه قبل كلّ شيء شقيق أنيسة مخلوف أرملة حافظ الأسد. وساعد في تسهيل زواج الأخير من أنيسة بعدما وقف إلى جانب حافظ الأسد الذي ينتمي إلى أسرة علوية متواضعة، في حين تعتبر عائلة مخلوف من كبريات الأسر العلوية. باختصار، وقف محمّد إلى جانب حافظ في زواجه من أنيسة على الرغم من اعتراضات كثيرين آخرين من العائلة. ومع وصول حافظ الأسد إلى الرئاسة مطلع العام 1971 إثر "الحركة التصحيحية" التي قام بها في السادس عشر من تشرين الثاني- نوفمبر 1970، أصبح لمحمّد مخلوف دور في سوريا. أراد حافظ الأسد مكافأته على وقوفه إلى جانبه عندما أراد الزواج من شقيقته. لكنّ أحدا لم يتصور أن هذا الدور سيتجاوز عالم المال والصفقات وصولا إلى السياسة وإلى تغيير طبيعة سوريا. فإذا نظرنا إلى الدور الذي لعبه محمّد مخلوف نجد، استنادا إلى مسؤول سوري سابق، أنه كان وراء التقارب السوري- الإيراني وصولا إلى مشاركة الإيرانيين في الدفاع عن النظام بالسلاح والرجال. فعل ذلك انطلاقا من مصالح شخصية قبل أي شيء آخر. فقد لعب في مرحلة معيّنة الدور الذي أمّن لشركة "أم.تي.أن" الجنوب أفريقية والتي يمتلك آل ميقاتي نحو عشرة في المئة من أسهمها، في الحصول على رخصة الهاتف النقال في إيران، على حساب إحدى الشركات التركية.

ومحمّد مخلوف هو الذي حصل بذلك على دعم جنوب أفريقي لإيران في كلّ المحافل الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن وفي الوكالة الدولية للطاقة النووية التي مركزها فيينا.

إضافة إلى ذلك، كان للرجل دوره في التقارب السوري- الروسي والروسي- الإيراني عندما نقل جزءا كبيرا من نشاطاته المالية والتجارية إلى موسكو حيث أودع النظام السوري عشرات مليارات الدولارات والتي تستخدم في جانب منها لشراء أسلحة.

هل يمكن اعتبار سوريا بعد السنة 2000 في عهدة محمّد مخلوف؟ مثل هذا السؤال ليس بعيدا عن المنطق إذا أخذنا في الاعتبار أنه لم يكتف بالذهاب إلى أبعد ما أمكن في تمتين الحلف الإيراني- السوري من منطلق مذهبي، بل عمل على تغيير طبيعة النظام السوري.


الشعب تحت تصرف العائلة


كان هذا النظام في عهد حافظ الأسد نظام الطائفة والأجهزة الأمنية والتحالفات القائمة مع الأقليات من مسيحيين ودروز خصوصا وفئة كبيرة من السنّة. كان هؤلاء يعرفون بسنّة الأرياف الآتين من الرستن قرب حمص، كما حال مصطفى طلاس على سبيل المثال وليس الحصر.

في عهد محمّد مخلوف، أصبح النظام نظام العائلة. صار على كلّ من يعمل في مؤسسات الدولة أن يكون تحت تصرّف العائلة ومصالحها المالية التي لم يكن بشّار بعيدا عنها. في نهاية كلّ نهار وقبل أن يأوي إلى فراشه، كان على الرئيس السوري تقديم عرض عن نشاطه اليومي إلى رئيس العائلة الذي وضع المال فوق كلّ شيء بعد ربطه سوريا بحلف معيّن الكلمة الأولى والأخيرة فيه لطهران..

كان ذلك انقلابا على حافظ الأسد الذي لم يتخلّ يوما عن العلاقة مع المملكة العربية السعودية، بل استخدمها في الضغط على إيران أحيانا وفي إبقاء لبنان تحت سيطرته على الرغم من تزايد نفوذ "حزب الله" فيه.

لم يكن السعوديون يطلبون الكثير في لبنان مثلا. كانت طموحاتهم محدودة إلى حدّ كبير ولا تتجاوز الاقتصاد وتمكين رفيق الحريري من تنفيذ مشاريع إعمارية بعيدا عن السياسة وكلّ ما له علاقة بالقرارات الكبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

لم يقبل بشّار الأسد، أو على الأصحّ محمّد مخلوف، حتى بمثل هذا الدور السعودي وأصرّ الأخير عن طريق بشّار على الالتحاق بمحور معيّن أوصل سوريا إلى حيث وصلت الآن.

هل هذا ما يسمّى العمى السياسي الذي يتسبب به المال، على حدّ تعبير سياسي سوري عتيق مقيم حاليا في بيروت؟

8