محمد مصيلحي عسكري يحارب بزي مدني في معركة الفقراء

السبت 2016/09/24
مصيلحي على قمة هرم حقيبة مهمة بحجم وزارة التموين

القاهرة - ربما دفعت الأزمات المتعاقبة التي واجهت مصر منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011، إلى أن تعتمد على شخصيات تتمتع بالحسم والحزم لمواجهة الانفلات الحاصل في الكثير من المؤسسات، خاصة التي تتعامل مباشرة مع المواطنين، ولم يكن أمام الأنظمة المختلفة سوى البعض من الجنرالات المشهود لهم بالكفاءة والإنجاز وثقة الناس، لتولي مناصب مهمة في الدولة.

صحيح أن وجود جنرالات الجيش في المشهد العام، والاعتماد على المؤسسة العسكرية بشكل كبير، في نواح خدمية واقتصادية وتنموية، أصبحا ظاهرة اعتاد المجتمع المصري عليها، غير أن كسر القاعدة واختيار جنرال لشغل منصب الوزير في حقيبة مدنية، بخلاف وزارتي الدفاع والإنتاج الحربي، لم يكن مألوفا بالحد الذي يمكن معه تمرير الأمر بسلام.

كان من الطبيعي عند اختيار اللواء أركان حرب، محمد علي الشيخ مصيلحي، ليشغل منصب وزير التموين، بعد استقالة خالد حنفي الوزير السابق، على خلفية اتهامات متناثرة في قضايا فساد وإهدار مال عام، أن يثار الجدل بين مؤيد ومعارض ويطال الحديث سيطرة المؤسسة العسكرية على قطاعات مهمة داخل الدولة، لكن الأكثرية أرجعت ذلك إلى أن المرحلة الراهنة في مصر أصبحت تقتضي الضبط والربط والحزم، وهذه صفات قد تكون قاصرة حاليا على المنخرطين في العمل العسكري.

ما خفف من وطأة الاستهجان على النظام والحكومة لوضعهما الجنرال مصيلحي على قمة هرم حقيبة مهمة بحجم وزارة التموين، التي تخدم نحو 67 مليون مواطن يستفيدون من دعم الدولة للسلع الإستراتيجية، أن الرجل اختير للمنصب بعد موافقة أغلبية البرلمان، بنص الدستور، فضلا عن أنه ينتمي إلى مؤسسة أصبحت في نظر الكثيرين بمثابة “المنقذ” من الأزمات التي واجهت ومازالت تعاني منها الدولة المصرية، في دعم الاقتصاد أو تنفيذ المشروعات القومية والتنموية الكبرى، وحتى توفير السلع بأسعار مخفضة للبسطاء.

وصول مصيلحي إلى وزارة التموين، جاء عقب سلسلة من الأزمات والفضائح المدويّة داخلها، كانت محل اهتمام الرأي العام المصري، بسبب فساد القمح والتربح بالمئات من الملايين من ورائه بالمخالفة، والتلاعب في السلع التموينية التي تقدم بالأساس إلى الطبقة الفقيرة ومحدودي الدخل، أعطاه الثقة في أن يسرّع من وتيرة التغيير والقضاء على الفساد لأجل أن يثبت للأصوات التي خرجت لانتقاد وجوده في الوزارة مبكرا أنه الاختيار السليم.

رقابة الجميع

أدرك الجنرال سريعا أنه تحت المجهر، وكل الأعين تترقب تحركاته وخطته للقضاء على الفساد داخل وزارة البسطاء، فقدّم نفسه سريعا للرأي العام، وأفصح عن شخصيته الحادة والقوية، حيث أطاح في الأيام الأولى لتوليه الوزارة بعدد كبير من القيادات التي تحوم حولها شبهات فساد أو تمثل مراكز قوى، وحتى ما يسمى برجال الوزير السابق لم تأخذه بهم رحمة، لدرجة بلغت حد إقالة مسؤولين لم يستطع أي ممن سبقوه في المنصب خلال السنوات العشر الأخيرة الاقتراب منهم أو التلويح بإقصائهم من مناصبهم، واحدة منهن كانت توصف بـ”المرأة الحديدية”.

وعكس المتبع في الكثير من المؤسسات عند رحيل مسؤولين كبار أن يُحفظ لهم ماء الوجه ويسمى رحيلهم عن المنصب بأنه “استقالة”، أصر الجنرال على أن تكون الإطاحة بكبار مسؤولي الوزارة مصحوبة بصفة “الإقالة”، ما ساعده على كسب ثقة الناس، حتى ممن عارضوا اختياره للمنصب، لا سيما أنه من النادر خروج بيانات صحافية على لسان وزراء تتحدث عن إقالة مسؤولين بوزاراتهم بسبب شبهات فساد.

مصيلحي ينتمي إلى مؤسسة أصبحت "المنقذ" من الأزمات التي واجهت الدولة المصرية، في دعم الاقتصاد وتنفيذ المشروعات القومية والتنموية الكبرى وتوفير السلع بأسعار مخفضة للبسطاء

ومع أن الرجل جاء محملا بصفات عسكرية حازمة لا تقبل التهاون، فإنه بدا مضطرا أمام المشكلات المتراكمة، خاصة التي تأتيه من خارج وزارته وحتى خارج حدود وطنه، بحكم أن أكثرية السلع التي تتعامل فيها الوزارة مستوردة، لأن يكون سياسيا محنكا.

وفي الأزمة الأخيرة بين مصر وروسيا بسبب وقف القاهرة استيراد القمح المصاب بمرض “الإرجوت” من موسكو، ورد الأخيرة برفض استيراد الخضروات من مصر، تصرف مصيلحي بحكمة شديدة لتمر العاصفة بهدوء، حفاظا على العلاقات مع روسيا، وهو ما يجعله مطالبا بدخول دهاليز السياسة الدولية، وفهم طبيعة الاقتصاد السياسي.

وإذا كان من الصعب على الرجل أن يسرع من وتيرة انخراطه في المنصب من منظور سياسي ويدرك أن عليه مسؤولية كبيرة، فإن الواقع يقول إن نجاحه أو فشله سيكون المؤشر والمعيار الحاكم، إما للمزيد من توسع الدولة مستقبلا في الاعتماد على جنرالات الجيش لتولي حقائب وزارية أخرى، وإما التراجع والاكتفاء بهذه التجربة العسكرية، وهو ما سوف يفسح المجال إلى إعادة الاعتماد مرة أخرى على الكفاءات المدنية من الأجيال القادمة.

الخلفية العسكرية لمصيلحي قد لا تكون عائقا أمام نجاحه في إصلاح منظومة التموين داخل وزارته، والقضاء على ما شابها من وقائع فساد فجّة كادت تطيح بحكومة شريف إسماعيل الحالية، بل إن خبراته السابقة كرئيس لإدارة الإمداد والتموين التابعة للقوات المسلحة لعدة سنوات، صنعت منه شخصية قادرة على فهم بواطن الأمور داخل الوزارة.

ويمكن القول إنه “كان وزير التموين الفعلي إبان ثورة 25 يناير 2011″ وما صحبها من انفلات أمني في مختلف أنحاء البلاد، فبعد اقتحام السجون وهروب المحكوم عليهم وحرق أقسام الشرطة ونهب الخارجين على القانون للسلاسل التجارية المختلفة، وصعوبة وصول شاحنات البضائع إلى الأسواق، بسبب اختفاء قوات الشرطة من الشوارع، وسيطرة الجيش على الوضع في البلاد، كان الجنرال مصيلحي مسؤولا أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن تدبير السلع الإستراتيجية للمواطنين في مختلف المحافظات، ونجح في المهمة، حتى في تأمين دخول شاحنات القمح المستورد إلى الموانئ البحرية، ومنها إلى المخابز.

حلال الأزمات

نجاح الرجل في المهمة، أوصله إلى أن يشغل منصب رئيس جهاز الخدمات العامة بالقوات المسلحة (من أكبر الهيئات في الجيش وتتكون من 7 إدارات تقدم العديد من الخدمات، أهمها النقل والتموين والتعيينات والخدمات الطبية والبيطرية) فعمل على حل أزمة غلاء الأسعار بإنشاء سلاسل تجارية لبيع منتجات مصانع ومزارع الجيش للمواطنين بأسعار مخفّضة، فضلا عن تسيير العربات في الشوارع والميادين لتوفير السلع الغذائية لكبح جشع التجار، ما جعل منه شخصية ينظر إليها كبار التجار والمستوردين على أنها تقف حائط صد أمام تحقيقهم أكبر المكاسب من زيادة أسعار السلع.

اختيار اللواء أركان حرب محمد علي الشيخ مصيلحي، ليشغل منصب وزير التموين، يثير الكثير من الجدل بعد استقالة خالد حنفي الوزير السابق، على خلفية اتهامات متواترة في قضايا فساد وإهدار المال العام.

تاريخه في التصدي لهذه الفئة، وقت أن كان يرتدي بذلته العسكرية قد يستمر مع منصبه المدني ووضعه السياسي الجديد، لكن يبدو أن المعركة بين الطرفين ممتدة، لأنه يريد أن ينجح ويثبت جدارة الجنرالات في القدرة على السيطرة والتصدي بحزم لكل ما يهدد استقرار الوضع الداخلي، وحتى لا تتأرجح صورة العسكريين في نظر الناس، في حين ليس من المتوقع أن يتنازل التجار والمستوردون بسهولة عن نفوذهم ومكاسبهم من وراء الكثير من السلع.

ثمة تحديات تواجه الرجل في عبور المهمة الشاقة، أهمها حجم المخالفات داخل الوزارة التي يصعب القضاء عليها بسهولة، وتشعب الجهات المسؤولة عن ذلك وأكثرهم من صغار الموظفين بالمحافظات الذين ليسوا تحت إدارته بشكل مباشر، ومنهم مفتشو التموين، وموردو السلع التموينية، ومسؤولون في صوامع القمح وأجهزة المتابعة والتفتيش الذين يعملون بعيدا عن سلطته.

تعاني منظومة التموين بقطاعاتها المختلفة، وباعتراف الحكومة نفسها، من عدم وصول الدعم إلى مستحقيه من الفئات المستهدفة، فضلا عن الأزمات المتكررة كل فترة، ودون مبرر، سواء باختفاء أسطوانات الغاز من الأسواق وظهور طوابير المواطنين أمام منافذ البيع، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، أو بنقص المواد البترولية في محطات التموين، بسبب تواطؤ البعض من صغار موظفي التموين مع الموردين، وعدم تطوير منظومة الدعم والتموين منذ سنوات.

ما يرجح كفة الجنرال في حسم المعركة، أنه مدعوم بقوة من الجيش لا يريد أن يخفق أحد جنرالاته في هذه المهمة خاصة أنه (أي الجيش) توسع في الكثير من المجالات ومشهود له بالكفاءة وسرعة الحل والإنجاز، وإن كان من دعم للجنرال، فغالبا سيكون بضخ المزيد من السلع والمنتجات في الأسواق بأسعار مخفضة.

وإلى ذلك، فإن دخول وزارة الإنتاج الحربي، التي كان يعمل تحت مظلتها مصيلحي وقت أن كان رئيسا لجهاز الخدمة الوطنية، باعتبارها جزءا من الوزارة، لتكون مسؤولة عن منظومة الخبز وبطاقات التموين وهيكلتها وتطويرها ووصول السلع إلى مستحقيها دون تلاعب، سوف يساعد الرجل على تجاوز هذا الملف الشائك بسلام، بحيث يتفرغ لباقي المشكلات التي يتعلق أغلبها بضبط الأسواق وفرض نفوذه على كبار التجار والمستوردين.

مهمة قتالية

يبدو للكثيرين أن اللواء مصيلحي هو الرجل المثالي لأفكار الرئيس عبدالفتاح السيسي التي تركز على “الحدة والقوة في ضبط الأسعار وترشيد الاستهلاك”، لذلك يتم التعامل معه على أنه مدعوم من رئيس الدولة، الذي لا يريد أن يتحول غضب الفئات الفقيرة من غلاء الأسعار إلى حد الخروج إلى الشارع للتظاهر ضد نظامه، وسط نية الحكومة اتخاذ قرارات صعبة من شأنها خفض الدعم الموجه للسلع الإستراتيجية كأحد الحلول لمواجهة الأزمة الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد حاليا.

وبالتالي، يدرك مصيلحي أنه في مهمة قتالية، ومضطر للتعامل مع هذه الأجواء والتحديات بشخصية وعقلية الرجل العسكري الذي ينتظر منه الحاكم والمحكوم أن يحارب من أجل تأمين مستقبله، فهو مسؤول عن التصدي لرفع الأسعار التي سوف تعقب قرارات الحكومة بخفض الدعم، بحكم التفاهمات التي جرت مع صندوق النقد الدولي، وحتى لا ينقم الناس على الرئيس، ومسؤول أيضا عن محاربة جشع التجار ومساندة الفقراء ومحدودي الدخل ضد موجات الغلاء التي فشلت الحكومة في التصدي لها.

الرجل ينظر إلى الانضباط والالتزام وعدم الخداع وشجاعة الاعتراف بالخطأ، باعتبارها أدوات النجاح والتقدم لأي دولة أو مؤسسة، لذلك يسعى لفرض هذه الرؤية على وزارته منذ تكليفه بالمنصب

وزارة التموين من الوزارات المصرية ذات الطبيعة الخاصة، إذ ترتبط بجميع فئات المجتمع وتمس حياة المواطن البسيط بشكل مباشر، ومهمتها توفير الخبز للمواطنين واستيراد السلع التموينية (السكر، الزيت، الأرز، وغيرها) وتوصيلها للمتاجر وتسليمها لمستحقي الدعم وتوفير أنابيب البوتاغاز من المستودعات (الغاز الطبيعي)، والوزير فيها مسؤول أيضا عن الشركات القابضة للصناعات الغذائية وحماية المستهلك وحماية السوق من الإغراق والتعطيش ومنع الاحتكار.

وقال البعض ممن رافقوا الجنرال مصيلحي في المؤسسة العسكرية، أو من سبقوه في الخروج إلى المعاش، عندما تحدثوا عن شخصيته عقب تكليفه بالمنصب، إنه رجل يمتلك صفات الحياة المدنية والعسكرية معا، فتراه صارما للغاية، لا يبالي في مواجهة التحديات والصعاب ولا يعترف بالفشل أو المحاباة لأحد حتى أقرب الناس إليه ولا يعرف طريق الوساطة، وفي نفس الوقت تراه شخصية هادئة الطباع لا تفارق الابتسامة وجهه حتى في أشد لحظات الغضب.

يتسم بالصراحة الشديدة حتى لو كانت آراؤه ضد التيار، لدرجة أنه استطاع أن يتحدث بشجاعة العسكريين، عندما طالب بإلغاء الدعم العيني للسلع واستبداله بدعم نقدي، وكان ذلك في ذروة غضب الطبقة الفقيرة من هذا الطرح، وهذه الرؤية التي ساقتها أكثر من حكومة وتراجعت عنها بسبب الغضب الشعبي، لكن إيمانه بقناعاته جعله يفصح عن ذلك في حوار معه عام 2012 على فضائية المحور المصرية، حيث كان يعد من قادة الجيش القلائل الذين ظهروا في الإعلام وتحدثوا عن طبيعة مهامهم العسكرية.

ينظر الرجل إلى الانضباط والالتزام وعدم الخداع وشجاعة الاعتراف بالخطأ، باعتبارها أدوات النجاح والتقدم لأي دولة أو مؤسسة، لذلك يسعى لفرض هذه الرؤية على وزارته منذ تكليفه بالمنصب في السابع من سبتمبر الجاري، فتراه يقوم بزيارات ميدانية إلى قطاعات وشركات الوزارة بشكل مفاجئ لمراقبة انضباطها والتزامها، وحتى إن كانت الزيارة رسمية، فإنه يرفض “الاستعداد المسبق لاستقباله أو نفاقه بإظهار الإيجابيات وإخفاء السلبيات”.

يبدو أن شعور مصيلحي بأنه أصبح مسؤولا عن تأمين معيشة البسطاء أمام رئيس الدولة، ومحملا بمسؤوليات جسام تتعلق بتعزيز سمعة العسكريين في العمل المدني، فضلا عن قناعاته بأنه سوف يستمر تحت المجهر لفترات طويلة، كلها دوافع قد تجعله يتمسك بصفات شخصيته الحازمة وطبيعته الصارمة لتكونا سلاحه نحو عبور المهمة الصعبة.

12