محمد ملص: لم نعد محكومين بالأمل بل بالدفاع عن وجودنا

الأحد 2013/08/18
سينمائي يلتقط جانبا من ذكرياته في "مذاق البلح"

دمشق- في آخر كتاباته الأدبية التي أراد لها الناشر عنواناً ذا نكهة خاصة "مذاق البلح"؛ يلملم صاحب "أحلام المدينة" و"الليل" السينمائي السوري محمد ملص (1945)؛ أوراق العمر المتناثرة خلف حجب الزمن، ليمنحها ذلك المذاق الأقرب لـ"مذاق البلح".

يلتقط هذا السينمائي جانباً من ذكرياته مسجلاً محطات من رحلة عمر قضاها ما بين موسكو وبرلين ودمشق، في يوميات حميميّة عذبة، ومكاشفات جريئة عن الشغف بالفيلم، وعن السينما الموؤودة، والعطالة القسريّة، ورائحة شعر امرأة يمتزج بالصورة والحلم ومسوّدات الأفلام.

في كتابه "مذاق البلح" يؤكد محمد ملص أنه لم يكتفِ، يوماً، بالوقوف وراء العدسة، بل كان شغوفاً على الدوام بالكتابة، تماماً كشغفه بالسينما، وله في حقل الكتابة، فضلاً عن السيناريوات، عناوين عدة تتأرجح بين التأملات والمذكرات والسرد القصصي، وقد كشف لصحيفة "العرب" أنه أنجز، عملاً روائياً سيبصر النور قريباً.

"العرب" التقت بالسينمائي محمد ملص ووقفت على رأيه في مسائل عديدة منها مضمون كتابه السير-ذاتي وعلاقة السينما بالرواية ومفهوم قتل الأب فنيا وموقفه من الثورات العربية.

مذاق البلح

يقول ملص حول كتابه "مذاق البلح": "أحب أن أشير في البداية إلى هذا الاعتياد على الكتابة اليومية لما يمكن تسميته بيوميات تتجاوز في تناولها الجوانب الاختصاصية أي "السينما" إلى الجوانب الذاتية والشخصية.

وفي كثير من المرات، إلى الجوانب السياسية التي أعيشها كإنسان داخل هذا المجتمع السوري.
يوميات ملص تكشف حقائقه الأدبية

هذا الاعتياد الذي أسمح لنفسي بتواضع شديد أن أسميه الاعتياد الجميل، هو الذي يتيح لي الكثير من المرات بين تحقيق فيلم وآخر، العودة إلى هذه اليوميات ومحاولة اكتشاف الحقائق الأدبية والفكرية كي أربط بينها في إطار معين، فأنا مؤمن بما قاله رولان بارت: "القيمة الهامة لليوميات إما أن تكون أدبية أو لا تكون". وانطلاقاً من هذا التصور أخذت تُشكل – بين فترة وأخرى – هذه اليوميات مادة للتعبير الأدبي عن أمكنة وأزمنة في مسار التجربة الحياتية.

أما لماذا "مذاق البلح"؟ – وهو العنوان الذي كان معداً لمشروع رواية ـ "فصديقي الناشر والروائي خليل صويلح الذي قرأ المخطوط استرق من داخله عبارة تتكرر مرات عدة فارتأى بأن هذه العبارة تتعدى المعنى الذي قصدته، ويمكن أن تكون عنواناً للكتاب. وقد أسعدتني قراءته واختياره، على الرغم من أنني كنت أنوي أن يكون "مذاق البلح" عنواناً لروايتي القادمة".

سينما المواجهة

هل تحدّث محمد ملص، في يومياته، عن كل ما كان يودّ قوله من أحداث سيرته الفنية والسياسية، عن هذا السؤال يجيبنا قائلا: "لا أبدا، أتمنى ألا أصل مرة إلى هذا الشعور، لأن الاكتفاء بالنسبة إليّ هو موت، وفي الحقيقة هذا الكتاب هو مختارات من نصوص تنضوي في مفكرات مختلفة منها «مفكرة موسكو» و«مفكرة برلين» و«مفكرة العطالة» وهي مفكرات أوسع بكثير، على الأخص ما يمكن وضعه في إطار اليوميات الخاصة بسينمائيّ يعيش في سورية، وبالتالي ماتزال هذه المفكرات لم تعبر بعد عن المواجهة السينمائية المحضة لعلاقة السينمائي والسينما بواقع الإنتاج السينمائي في سوريا وهذه إشارة إلى مفكرة قيد الإعداد بعنوان «سينما موؤودة» وهذه المفكرة تخص السينما بصيغتها المباشرة والظروف الصعبة التي يعاني منها أي سينمائي يعيش في سورية، ولديه مشروعه السينمائي الذي يهدف إلى تحقيق سينما سورية وطنية، وأقصد بالوطنية الموضوع بمعناه الأوسع وليس بالمعنى الضيق.

أدبية السينما

بين السينما والأدب كثير من التراشح الفني والموضوعاتي، وهو أمر يؤكّده ملص بقوله: "إن هذا الكلام ينتمي للتماس الأول مع الرواية حينما كنت في العشرينات، وحين تم تداول هذه التسمية للمرة الأولى. لكني اليوم لا أشعر بانفصام بين اليوميات والرواية والفيلم فقد تحول كل ذلك إلى تعبير وحاجة للتعبير، تارة تبحث عن نفسها في السينما، فتمنح السينما مذاقاً أدبياً، وتارة أخرى في الرواية أو اليوميات وتمنح الكتابة مذاقاً بصرياً. لكن كل ذلك يعود في السينما للمتلقي وفي الكتابة للقارئ. فالقارئ هو الذي يستطيع أن يضع "مذاق البلح" في سياقه الذي يستحقه وتحديد مدى أهميته أو قيمته في الكتابة الأدبية الراهنة في العالم العربي. وأنت أحد هؤلاء القراء وقد حرضك الكتاب على هذا اللقاء الجاري بيننا الآن، وأعتقد لو لم يكن هناك ما يدعو إلى هذا اللقاء لما أجريته معي".

صنع الله إبراهيم

السينما دخلت في نسيج تجربته الأدبية

في إحدى مذكّراته من كتاب "مذاق البلح"، يذكر محمد ملص أنه اتفق مع معلمه المخرج الروسي "تالانكين" أن تكون مهمته مع صنع الله إبراهيم، "ليس تحويله من كاتب إلى سينمائي، بل أن تكون السينما في نسيج تجربته الأدبية"، وحول تحقّق هذا الأمر، يقول ملص: "النوايا والأهداف شيء، وأثرهما شيء آخر. إن صنع الله إبراهيم جاء إلى موسكو بعد تجربة عريقة وعميقة في السجن وخارج السجن لمجتمعه المصري، وأثر تجربته في العمل السياسي أيضاً. هذا إذا لم أتحدث عن قضائه فترة لا بأس بها في ألمانيا الديمقراطية قبل وصوله إلى موسكو.

مما لا شك فيه أن الآتي بهذه التجربة والمحمولات يصعب كثيراً أن تكون تفاصيله ذات تأثير خاص به، لكن المجيء إلى موسكو والعيش سنوات بين معهد السينما وبيت الطلبة السينمائيين هما كنز كبير فُتح أمامه ليتلقف منه ما يريد ويلفظ

ما لا يريد، بين الأشياء المطروحة للتأثر أو اللفظ هي علاقته مع السينما وعلاقته التي قامت على معايشة مستمرة معي كطالب سينما. لقد أثمرت – آنذاك – تلك التجربة في الفيلم المشترك الذي كتبناه وحققناه معاً ثم افترقنا بعدها، كل منا مضى إلى بلده ومجتمعه.

وفي ما قرأته من أعمال روائية صدرت له بعد ذلك، أتلمس أحياناً أثر ذاك العيش وسط مطبخ السينما، لكنها ليست آثارا مبدئية وأساسية فهو شخصية تتمتع بالقدرة على الصد أكثــر مما تقوم على التلقي الميكانيكي.

وربما سؤالك يحتاج إلى نقاد للرواية عند صنع الله إبراهيم أكثر مما يحتاج إلى انطباعات صديق أحب هذه الشخصية إنسانياً وأدبياً وأراد أن يرسم لها صور.

لا تمجيد للآباء

في ثمانينات القرن الماضي تقاطعت تجربة محمد ملص مع تجربة المخرج المصري يوسف شاهين، ونهض ذاك التقاطع على فكرة "الارتكاس إلى الآباء"، حسب تسمية ملص ذاته.

وبعد نحو 30 عاماً يصرخ مواطن تونسي «هرمنا»، ويتكفّل الشباب بإنجاز ثورة تونس. وفي إطار "هرم" الآباء، يتحدّث ملص عن علاقة جيل الآباء بجيل الشباب، وعن الثورات العربية، إذ يقول: "مما لا شك فيه أن كل من عاد إلى الأب ليقتله أو ليمجده على صعيد الإبداع، سواء المعلم يوسف شاهين في عودته كضال إلى "يوسف الصديق" أو في بحثي عن وفاة أبي في فيلم "الليل" لم نكن على الإطلاق ممجدين للآباء بل كنا أكثر نقداً ولذعاً لأننا كنا نعيش النتائج الحقيقية لنقائض أبنائنا.

وإذا كان التونسي الجميل قد صرخ في شارع خاو "لقد هرمنا"، فأنا لا أستغرب على الإطلاق أننا كنا نحن سواء في مصر أو في تونس أو في اليمن أو في ليبيا أو في سوريا نقف ليس في الشارع بعد، بل أمام مرايانا ونصرخ الكلمة ذاتها «هرمنا» وإذا كنا نحن كجيل لم نستطع إلا أن ننقد آباءنا فعلى أبنائنا أن لا ينتقدوننا فقط بل أن يقوموا بما يقوم به هذا الجيل من إجبار على التغيير للخلاص من الآباء والأجداد ولقتلهم فعلياً كي يسبقوا انتحاراتنا وموتنا".

15