محمد ممدوح نجم بمواصفات مختلفة يُعيد الألق إلى الشاشة المصرية

الممثل المصري المتألق يمتلك مواصفات تخصه وحده، ويتفرد بها عن كثير من النجوم، ولديه قدرة غريبة على أن يجعل الجمهور يشاركه تمثيل الأدوار.
الثلاثاء 2019/08/06
ممثل يعشقه الجمهور وينتظر مفاجآته

اعتاد صنّاع السينما والدراما تقديم الممثل البدين للجمهور في صورة هزلية وكوميدية مصحوبة بخفة ظل تثير الضحك وتجذب الناس. لكن منذ ظهور الفنان المصري الشاب محمد ممدوح، تغيّرت الصورة النمطية عن الممثل صاحب القوام الجسدي البدين، بعدما قدّم مجموعة أعمال فنية جعلته جديرا بحمل لقب “تايسون السينما المصرية”.

ممدوح بالأساس، شاب رياضي قبل أن يكون فنانا يمتلك مهارة وموهبة فريدة من نوعها، وتمرس لعبة الملاكمة والتايكوندو وقت التحاقه بالمدرسة وقطع فيهما شوطا طويلا، ونظرا إلى ملامحه وقوامه الجسدي القوي لقبه مدربوه وأصدقاؤه بـ”تايسون”، وانتقل معه اللقب منذ بداية مشواره الفني، الذي بدأ منذ 13 عاما، حجز خلالها مكانة استثنائية عند الجمهور.

براعة التأثير

يمتلك مواصفات تخصه وحده، ويتفرد بها عن كثير من النجوم، حيث يعشق فنه أكثر من نفسه، ولديه قدرة غريبة على أن يجعل الجمهور يشاركه تمثيل الأدوار، ويتفاعل مع كل تفاصيلها بالكلام أو الحركة، وحتى بالصمت.

عندما يقوم ممدوح بتمثيل دور شخص مريض، قد يتسلل الشعور بالألم إلى المشاهد، لشدة ما يعيش الشخصية، فضلا عن قصر نفسه بحكم جسده الضخم، ويقوم بمجهود خارق في أثناء المشهد، يشعرك بالإرهاق وأنت تتابعه. لم لا، وهو من قال عن نفسه “لو فشلت في أن أعيش الدور الذي أقوم بتمثيله بشكل حقيقي، أعتذر عن العمل كله لأن الناس لن تصدقني”.

وعندما شارك في عملين متناقضين تماما خلال دراما شهر رمضان الماضي، عاش أدق التفاصيل، بملامحها وصفاتها ومزاياها وعيوبها دون أن يطغى أي منهما على شخصيته. قام بدور تاجر مخدرات صاحب أفكار شيطانية، يتحدث اللهجة الصعيدية في مسلسل “ولد الغلابة” مع أحمد السقا، ودور ضابط شرطة يطارد مجموعة قتلة، في مسلسل “قابيل”.

مساحات صغيرة

الشريحة الأكبر من محبي ممدوح تظل من هواة الشاشة النظيفة، إذ تعتبره مرآة لها، وربما لا يدرك هؤلاء أن تمسكه بالبعد عن مشاهد الابتذال والخروج عن الآداب العامة يرتبط بجذور عائلته الصعيدية
الشريحة الأكبر من محبي ممدوح تظل من هواة الشاشة النظيفة، إذ تعتبره مرآة لها، وربما لا يدرك هؤلاء أن تمسكه بالبعد عن مشاهد الابتذال والخروج عن الآداب العامة يرتبط بجذور عائلته الصعيدية

سهلت المصداقية الفنية التي يمتاز بها ممدوح مهمة وصوله إلى النجومية. والأهم من ذلك، أنه لا يتعالى على أي عمل فني يُعرض عليه، حتى لو كان هامشيا، أو يستغرق بضع دقائق طوال المسلسل أو الفيلم، ولا يرى في ذلك تقليلا منه، مهما بلغت نجوميته، بل يقبل تمثيل المشاهد، سواء قام خلالها بدور كبير أم صغير.

يتعمّد في كل عمل فني ترك بصمة وأثر صعب النسيان، لأنه يؤدي الدور الثانوي بحماس الفنان صاحب البطولة المطلقة، وإن كان دوره عبارة عن شخص صامت أو عاجز، لا يتفوّه بكلمة ولا يتحرك خطوة، فإنه يخطف انتباه المشاهد بنظرات العين وتعابير الوجه، بغض النظر عن طول أو قِصر المساحة الممنوحة له في العمل الفني.

يفهم البعض أن قبول ممدوح المشاركة بمساحات صغيرة في أعمال فنية مختلفة، نوع من الإفلاس والإيحاء بالنجومية أو البحث عن “شو”، لكنّه يعتبر كل مشهد يقف خلاله أمام الكاميرا إضافة إليه وزيادة في رصيده عند الجمهور، لأن الفنان الذي يتعالي ويعتبر نفسه نجما خارقا والبطل الأوحد طوال الوقت سوف يختفي سريعا، ولن تشفع له نجاحاته السابقة.

الفن والصدفة

فيلم "إبراهيم الأبيض" مع النجم أحمد السقا هو البداية الحقيقية لممدوح، ومن بعدها لم يشارك في أي عمل سينمائي أو درامي، إلا وخرج منه إلى عمل آخر، ودور أكبر يظهر الكثير من إمكانياته
فيلم "إبراهيم الأبيض" مع النجم أحمد السقا هو البداية الحقيقية لممدوح، ومن بعدها لم يشارك في أي عمل سينمائي أو درامي، إلا وخرج منه إلى عمل آخر، ودور أكبر يظهر الكثير من إمكانياته

قال في أحد حواراته الفنية “أحب تقديم جميع الأدوار، بشرط التأكد من أن الدور فيه شيء جديد، وسأقدّم من خلاله شخصية لافتة، تشبعني شخصيا مهما كان حجمه، فلا أهتم أو يشغلني مطلقا مساحة أو حجم الدور، ولا أقف عند هذه النقطة، وأهمية الدور وهدفه داخل دراما الأحداث، هي البطولة بالنسبة إليّ”.

لم يظهر ممدوح من خلف الكاميرا إلى داخل إطارها إلا عن طريق الصدفة، إذ رفض والده السماح له بالالتحاق بمعهد التمثيل، فقرّر دخول كلية الحقوق، وتعرّف خلالها على ممثل مسرحي يدعى محمد خالد وأصبحا صديقين. ذات يوم اصطحبه إلى بروفة مسرحية “أهلا يا بكوات”، وعرض عليه المخرج تقديم دور صغير، فوافق بعد إلحاح من صديقه، ونجح في المشهد ببراعة، حيث كان يشاركه على المسرح النجمان عزت العلايلي وحسين فهمي.

حجز لنفسه مكانة مرموقة داخل الوسط الفني منذ بداية ظهوره. ففي عام 2007، وهو العام التالي لعرض المسرحية، انضم إلى فريق مسلسل “لحظات حرجة”، وبعد تألقه عاد للمسرح مرة أخرى عام 2008 للمشاركة في المسرحية الكوميدية “زكي في الوزارة”.

كانت المشاركة السينمائية الأولى لممدوح في فيلم “إبراهيم الأبيض” مع النجم أحمد السقا، عام 2009، بداية انطلاقته الحقيقية، ومن بعدها لم يشارك في أي عمل سينمائي أو درامي، إلا وخرج منه إلى عمل آخر، ودور أكبر ومساحة أوسع تظهر الكثير من إمكانياته إلى جانب خفة الظل النابعة من كل موقف يؤديه، وكان إبداعه الكبير في فيلم “تراب الماس”.

عدو النمطية

مثلما دخل الفن صدفة، حصل على الدور الأهم في مسيرته الفنية أيضا بالصدفة، حيث كان تم ترشيح الفنان ماجد الكدواني في فيلم “الفيل الأزرق”، لكنه اعتذر، فوقع الاختيار على ممدوح ليؤدي دور طبيب قادم من الريف إلى المدينة مليء بالحقد على الجميع، ومن بعدها قام بدور زوج ضعيف الشخصية في “كدبة كل يوم”، والضابط الفاسد في “ولاد رزق”.

ومهما بلغت مساوئ الشخصية التي يتقمصها لا تملك إلا أن تحبه عندما يقدّم المشهد، فقد كان فاسدا في “ولاد رزق”، لكن الناس أثنت عليه، وكان مدمنا وبائعا للمخدرات في “يوم ما لوش لازمة”، لكن الجمهور لم يشعر بأنه يروّج للإدمان والتعاطي وإفساد أخلاقيات الشباب، بل يناقش أزمة مجتمعية بشكل احترافي.

سرّ ممدوح أنه يتعمد في كل عمل فني ترك بصمة وأثر صعب النسيان ويؤدي دوره الثانوي كأنه صاحب البطولة المطلقة

صحيح أن الكثير من الأعمال السينمائية التي شارك فيها مع بداية مسيرته الفنية كانت قصيرة، مثل “الحفلة”، و”فرش وغطا”، و”شد أجزاء”، لكنها كانت ملفتة للنظر، ومميزة عند الجمهور، وفي كل منها موقف أو عبارة يصعب نسيانها، وظلت محفورة في الأذهان باسم ممدوح، وحتى أدواره الثانوية في الدراما، مثل “سيدنا السيد”، “طريقي”، “ظرف أسود”، “إمبراطورية مين”، تركت بصمة لدى المشاهد.

أكثر ما يميّزه أنه عدوّ النمطية، ومن المستحيل أن يكرر نفس الشخصية التي أداها في أي عمل فني، بعكس الكثير من الفنانين الشباب، الذين أصبحوا متهمين بالعجز عن التغيير وتدور أكثر أعمالهم في فلك واحد تقريبا، مثل الممثل المصري محمد رمضان الذي ما زالت تستهويه أعمال البلطجة وتجاوز القانون وفرض السطوة وأخذ الحق بالقوة.

اعتاد ممدوح أن يغيّر من جلده، ويستطيع بكل سهولة أن يقدم الكوميديا بنفس براعة الحزن والألم، فهو الذي لعب دور طالب فاشل في مسلسل “باب الخلق”، وكان يثير ضحكات المشاهدين مع تصرفاته وكلامه، وأبكى الجمهور في مسلسل “جراند أوتيل”، بعدما اكتشف خيانة زوجته، وحصل وقتها على جائزة أفضل ممثل صاعد من خلال دوره في المسلسل.

يمتلك مهارة عالية في مخاطبة الجمهور والتقارب معه، وتشعر من طريقة كلامه، أن المتحدث شخصية دبلوماسية بارعة في اختيار عباراتها بدقة. ومن النادر أن يتورط في الإدلاء بتصريحات إعلامية تثير غضب الناس عليه. وقد نجح في ترسيخ حبّ الجمهور له، لأنه يقدّس رأي المشاهدين في أعماله، فإذا كانت إيجابية يشكرهم وينسب الفضل لهم، ولو كانت سلبية يعتذر ويتعهد بتقديم الأفضل دون أن يظهر العناد للآراء المعارضة، بل يتقبّل كلامهم بصدر رحب وابتسامة بريئة اعتاد الناس ألاّ تغيب عن وجهه.

الشاشة النظيفة

الدور الأهم في مسيرته الفنية هو دوره في فيلم "الفيل الأزرق" الذي أدى فيه ممدوح دور طبيب قادم من الريف إلى المدينة مليء بالحقد على الجميع
الدور الأهم في مسيرته الفنية هو دوره في فيلم "الفيل الأزرق" الذي أدى فيه ممدوح دور طبيب قادم من الريف إلى المدينة مليء بالحقد على الجميع

عندما تجرّأ الجمهور على مناقشة مشكلة مخارج النطق لديه وتأثر طريقة كلامه بوزنه الزائد، وعدم فهم البعض لما يقوله، خرج بكل بساطة واعتذر ووعد بالتصحيح. وسألته مذيعة قناة “العربية” عن موقفه من غضب فئة من جمهوره بسبب صعوبة فهم كلامه، فابتسم وقال “أنا آسف. أعتذر لكل جمهوري وأعدهم بالخضوع لجلسات علاج، لكن الأمر قد يأخذ بعض الوقت”.

حقق مكاسب غير محدودة من التواضع مع الجمهور وتقبّل آراءهم دون تكبّر، وتحوّلت الآلاف من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات للدفاع عنه والتعاطف معه، والهجوم على منتقدي طريقة مخارج كلامه، لدرجة أن كثيرا من الذين اشتكوا عدم فهم ما يقوله كتبوا واعتذروا له، بعدما استقبل شكواهم بإبداء الأسف.

لدى ممدوح جمهور من مختلف الطبقات والثقافات والجنسيات، فهو يقدّم كل الأدوار، الجادة والساخرة والحزينة والمضحكة، وتقمّص دور الضابط والبلطجي واللص والقاضي والطبيب والخادم وابن الذوات والخائن والرومانسي، بعكس الكثير من أبناء جيله، الذين يخاطبون فئة بعينها، ويتحدثون بلسانها فقط ويروّجون لأفكارها، ويعيدون تكرار نفس الأدوار.

تراه يقدّم نفسه بتواضع، ويقول “أنا محمد ممدوح، قبل الفن، وبعد الفن، لا تغيير، وترتيبي على الساحة يحدده الجمهور”. وعندما سُئل عن الفنان الذي يستحق “نمبر وان”، أجاب “لا يوجد في الفن هذا التوصيف، ولا يمكن أن يحدّد الفنان جماهيريته وترتيبه، لأن ذلك يعتبر نوعا من الغرور القاتل الذي يعجّل بانتهاء مسيرة صاحبه”.

صحيح أن ممدوح فنان بلا معارك أو خصومات، وهي سمات نادرة في الوسط الفني المصري، لكن حديثه فُهم أنه يحمل إسقاطا مباشرا على زميله الشاب محمد رمضان، بعدما قدّم نفسه على أنه يحتلّ الصدارة الفنية، أجرا وجماهيرية، من خلال أغنيته الشهيرة “نمبر وان”.

ممدوح وقبل أن يكون فنانا يمتلك مهارة وموهبة فريدة من نوعها، هو شاب رياضي تمرّس في لعبة الملاكمة والتايكوندو، وقطع فيهما شوطا طويلا، ونظرا إلى ملامحه وقوامه الجسدي القوي لقبه مدربوه وأصدقاؤه بـ{تايسون}، فانتقل معه اللقب منذ بداية مشواره الفني

يدرك ممدوح، أن لقب النجم الأول تمنحه الجماهير فقط، لذلك استمرت علاقته بالناس ذات خصوصية. فهو يعتبر أن دخول منطقة تمثّل ملكية خاصة للمشاهدين لعب بالنار، ومغامرة غير محسوبة، وغير مقبول أن يقوم الممثل بدور القاضي الذي يحكم على أدائه الفني.

تظل الشريحة الأكبر من محبّي ممدوح، من هواة الشاشة النظيفة، إذ تعتبره مرآة لها، وربما لا يدرك هؤلاء أن تمسّكه بالبعد عن مشاهد الابتذال والخروج عن الآداب العامة يرتبط بجذور عائلته، فهو ابن لأب بسيط الحال ولد في صعيد مصر، حيث التشبّث بعادات وتقاليد صارمة، وسافر إلى دولة الكويت بحثا عن لقمة العيش، وهناك وُلد وشاهد اغتراب أبيه، وكيف نحت في الصخر لجني المال.

نشأ ممدوح وسط ظروف اقتصادية رسخت بداخله ملامح وتقاليد الشخصية المكافحة، واستمرت معه حتى بعد دخول مجال الفن، والحصول على لقب نجم شبّاك. لم يتنازل عن موروثاته الحياتية والأخلاقية التي تمثّل دستورا يصعب تغييره، بتبدل الظروف والأحوال، ولم يتمرّد على جمهوره، أو يتعالى عليه، بل اعتبره عائلته الكبيرة، التي يحتمي بها.

من يركّز قليلا في المسيرة الفنية لتايسون السينما المصرية، يجده إنسانا ذكيا للغاية، وقارئاً جيداً للوسط الفني، يتعلّم من أخطاء النجوم، ولا يكررها، بالكلام أو المواقف الشخصية والمهنية، لذلك يظل من الفنانين القلائل الذين حصّنوا أنفسهم من سهام النقد وأصبحوا في مأمن منه طوال الوقت، بحكم الحصانة الجماهيرية التي يتمتّع بها.

13