محمد مندور والأثر الأوروبي الذي تركه في الثقافة العربية

السبت 2015/09/05
فلاح مصري أراد أن يكون"وكيل نيابة" فصار مبشّرا بالفكر العالمي

ارتبط الدكتور محمد مندور بالثقافة الغربية ارتباطا كبيرا خاصة بعد سفره إلى فرنسا في البعثة التي أوفده فيها طه حسين للحصول على درجة الليسانس من السوربون عام 1930، ومن أجل الحصول على شهادة الليسانس كان الأمر يستلزم الحصول على أربع شهادات فرعية طبقا للنظام المعمول به وقتئذ في السوربون: الأولى في اللغة اليونانية وآدابها والثانية في الأدب الفرنسي، والثالثة في فقه اللغة الفرنسية والأخيرة في اللغة اللاتينية وآدابها.

كذلك كان هناك هدف آخر من البعثة وهو الحضور في محاضرات المستشرقين تمهيدا لتحضير الدكتوراه في الأدب العربي مع أحدهم، وكانت مدة البعثة أربع سنوات بدأت من عام 1930، وكان المفروض أن تنتهى عام 1934 إلا أن الدكتور مندور مكث في فرنسا حتى قيام الحرب العالمية الثانية حيث عاد إلى مصر عام 1939 لينضم إلى سلك التدريس الجامعي.

في الميزان الجديد

لتلك البعثة أهمية خاصة في تكوينه الثقافي والفكري والأدبي فهي تمثل بحق نقطة تحّول كبيرة في حياته، إذ كانت فرصة ثمينة للتغلغل في أسرار الحضارة الأوروبية وآدابها، ودراسة ثقافتها وفنونها من مظانها الأصلية.

وقد عاد مندور إلى مصر ولم يحصل إلا على درجة الليسانس في ثلاث شهادات أما الشهادة الأخيرة فقد عوَض عنها بدبلومين: أحدهما في الصوتيات التي افتتن بها وأجرى فيها بحوثا مفيدة على عروض الشعر العربي في معمل الصوتيات بباريس، وقد أشار إلى ذلك في كتابه (في الميزان الجديد)، أما الدبلوم الثاني فكان في الاقتصاد والتشريع المالي.

ولم يتمكن من الحصول على درجة الدكتوراه بسبب الأوضاع السيئة وبدء نذر الحرب في أوروبا في ذلك الوقت، غير أن مندور كسب من بقائه في باريس مكسبا كبيرا يتمثل في تلك الثقافة الواسعة التي ألمّ بها وعاش في كنفها طالبا للعلم وقارئا لأمهات الكتب العالمية ومحتكا بعدد كبير من الأدباء والكتّاب الفرنسيين مما أهله إلى أن يكون أحد المثقفين المهمين في سلسلة من استوفدوا إلى أوروبا للتحصيل والدراسة أمثال الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وغيرهم من كبار الكتّاب الذين عادوا إلى مصر وانعكست دراستهم الغربية على الثقافة والأدب العربي الحديث في مصر والعالم العربي كله.

وحدة الفنون

سعى مندور نحو الثقافة الواسعة يلمّ بأطرافها ويأخذ من كل شيء بطرف فلقد كان يؤمن ويحس بوحدة الفنون من عمارة ونحت وتصوير (الأدب والثورة، لويس عوض ص 16). وغلبت عليه الثقافة الفرنسية بصفة خاصة والتي فتن بها حد الهوس، وقد سبق للدكتور طه حسين أثناء دراسة مندور على يديه أن بشر في دروسه في الجامعة المصرية بهذه الثقافة إلا أن السوربون قد صقلت لدى مندور الاتجاه الخاص بها.

وقد أشار مندور إلى أن السنوات التي قضاها في باريس هي التي كونته فكريا وعاطفيا وإنسانيا. ونستطيع أن نتبين بعض مقومّات منهج مندور الفكري من خلال إشارات لويس عوض حينما التقى به في باريس حيث يقول عنه “كان ينظر إلى كل الأشياء بما فيها الحب نظرة واقعية، وكان ذكاؤه تحليليا قاطعا كالنصل الماضي، يفتّت كليات الحياة إلى جزئيات صغيرة ناصعة واضحة للعين المجردة، بملكته القادرة في التحليل”.

نذر الحرب العالمية تقترب من باريس، التي يغادرها مندور عائدا إلى مصر ولم يحصل إلا على درجة الليسانس في ثلاث شهادات أما الشهادة الأخيرة فقد عوض عنها بدبلومين أحدهما في الصوتيات التي افتتن بها وأجرى فيها بحوثا مفيدة على عروض الشعر العربي في معمل الصوتيات بباريس، أما الدبلوم الثاني فكان في الاقتصاد والتشريع المالي

تغريب الثقافة العربية

أهم ما ميز حياة مندور في بداية انغماسه في الحياة الثقافية في مصر هو أنه نهل وعبّ من الثقافة الغربية ونقل إلى العربية بعضا من أمهات الكتب الفرنسية إلى العربية مثل كتاب “دفاع عن الأدب” لجورج ديهاميل وكتاب “محن الحكيم إلى المواطن الحديث” وهو كتاب ألفه أربعة من كبار أساتذة السوربون، وكتاب ثالث بعنوان “تاريخ إعلان حقوق الإنسان” للفيلسوف التقدمي ألبير باييه. وقد نشرت هذه الكتب تحت إشراف لجنة التأليف والترجمة والنشر بإشراف أحمد أمين الذى فتح أمامه مجلة “الثقافة” على مصراعيها ليكتب فيها مقالاته ويدبّج فيها بحوثه في الآداب والثقافة خاصة ما يتصل منها بالثقافة الغربية.

فكان أن أصدر سلسلة من المقالات، الأولى بعنوان “نماذج بشرية” صدر سنة 1944 بمقدمة تحليلية لزوجته الشاعرة ملك عبدالعزيز وضع فيه النظرة الإنسانية الأخلاقية من روائع الأدب العالمي، والثاني كتابه “في الميزان الجديد” وهو يمثل إنتاجه النقدي الأول. وهو حصيلة معاركه الأدبية مع عدد من كبار الكتّاب في ذلك الوقت برؤية المثقف المنفتح على ثقافة العالم وآدابه.

كما استفاد مندور أيضا من اكتشاف أستاذه أحمد أمين للناقد الفرنسي الحديث جوستاف لانسون صاحب نظرية التأكيد على أولوية تحليل “صياغة العمل الأدبي في العمل النقدي” والذى سبق لمندور أن اكتشفه بنفسه في فرنسا، وترجم له كتابه المنهجي الرئيسي “منهج البحث في الأدب واللغة”، واكتشافه أيضا للناقد الألسنى أستاذ اللغة الفرنسى فردينان دي سوسير صاحب النظرية اللغوية عن “العلامات تنشئ دلالات” وهو نفس المعنى الذى وجده مندور، تقريبا، لدى الآمدي والجرجاني، وأعاد بهذه التوليفة تركيب وصياغة تراث الآمدي والجرجاني في مستوى عصري جراء تأثره بالمناهج الغربية في التحليل النقدي.

قام مندور بترجمة رائعة غوستاف فلوبير “مدام بوفاري” وبعض القصص القصيرة الرومانية. كما قام في مجال المسرح بمراجعة عدة كتب عن تاريخ المسرح وبعض المسرحيات، فقد قام بمراجعة كتاب “المسرح الديني في العصور الوسطى” تأليف جان فرايبه و أ. م . جوسار الذي نقله إلى العربية الدكتور محمد القصاص، وبمراجعة مسرحية “سيغفريد” تأليف جان جيرودو وترجمة الدكتور كمال فريد، وكتب عدة مقدمات لبعض المسرحيات العالمية مثل مسرحية “شاترتون” لألفريد ديفيني ترجمة حسن نديم، و”رجل الله” لغابريل مارسيل ترجمة فؤاد كامل و”الأستاذ كلينوف” لمدام كارن برامسون ترجمة صلاح الدين كامل، وتعتبر هذه المقدمات وغيرها دراسات نقدية متميزة للغاية راعى فيها الدكتور مندور البعد الذاتي للمؤلف وقام بتلخيص موضوع المسرحية ليعطي للقارئ فكرة واضحة عنها، وتمهد له تتبع وقائعها وفك رموزها، ثم يوجه الدكتور مندور بوجهة نظره الذاتية حول النواحي الفنية للنص المسرحي.

تجربة مندور تتميز في كونه نقل من الثقافة الغربية إلى العربية بعضا من أمهات الكتب الفرنسية إلى العربية مثل كتاب (دفاع عن الأدب) لجورج ديهاميل وكتاب (محن الحكيم إلى المواطن الحديث) وهو كتاب ألفه أربعة من كبار أساتذة السوربون، وكتاب ثالث بعنوان (تاريخ إعلان حقوق الإنسان) للفيلسوف التقدمي ألبير باييه

التنوير المفقود

كتب المفكر الراحل محمود أمين العالم عن محمد مندور “عندما كانت مصر تحتفل خلال عام 2005 بمثقفيها التنويريين، لم يأخذ محمد مندور مكانته الجدير بها في هذا الاحتفال، ولست أغالي إن قلت: لعل محمد مندور أن يتقدم بعض هؤلاء التنويريين الذين احتفلت بهم مصر، لست أقوم بمفاضلة، أو أقلل من قيمة هؤلاء التنويريين وإنما أحرص علي تأكيد معنى يكاد يغيب ونحن نحتفل بالتيار التنويري في حياتنا وثقافتنا المصرية والعربية عامة، فما أكثر ما يقتصر فهمنا للتنوير عند حدود الرؤية أو الدعوة العقلانية العامة المجردة، دون تحديد لدلالة هذه الرؤية أو هذه الدعوة في سياقها الاجتماعي الخاص، حقا

إن كل دعوة عقلانية هي دعوة تنويرية، ولكن ما أكثر ما توظّف كذلك هذه العقلانية توظيفا خاليا بل متعارضا مع البعدين الوطني والاجتماعي”.

ورأى العالم أن محمد مندور كان ابن التراث الإنساني العقلاني، والتراث العربي الإسلامي العقلاني خاصة، والثقافة العربية التقدمية في مصر بوجه أشد خصوصية، “استطاع أن يوحد هذا كله في صيغة فكرية وحياتية متسقة، جعل منها مصباحا للتنوير وسلاحا للتعبير والتطوير، لم يكن المفكر العقلاني المتعالي عن مجتمعه وعصره، بل كان المفكر المتفهم لمجتمعه وعصره، والملتزم بهمومه، والمشارك مشاركة فعالة في الفعل التاريخي التنويري التغييري، لم يكن مثقفا تقليديا -كما يقول أحد الكتاب مستعيرا مصطلح غرامشي- بل كان مثقفا عضويا بالمصطلح الغرامشي نفسه”.

"أيام" مندور مع طه حسين

بعد حصوله على الباكالوريا التحق مندور مباشرة بكلية الحقوق، ليتخرج وكيلا للنيابة “كأولئك الوكلاء الذين يحضرون إلى كفر بين الحين والآخر، فتهتز لحضورهم القرية كلّها، ويجري لهم الخفر والمشايخ، بل والعمدة نفسه”، وكانت البرامج الدراسية للسنة الأولى في كليتي الحقوق والآداب تكاد تكون واحدة، وذلك في الأدب والتاريخ وعلم النفس والاجتماع واللغة الكلاسيكية.

اكتشف طه حسين عبقرية الطالب محمد مندور، فاستدعاه لمقابلته وسأله: ما الكلية التي طلبت الالتحاق بها؟ فأجاب: كلية الحقوق يا دكتور.

- ولماذا؟

– لأتخرج وكيلا للنيابة بالذات

فقهقه الدكتور طه حسين، وعاد يسأل تلميذه:

– ولماذا وكيلا للنيابة بالذات؟

– لأنه الرجل الذي تهتز له بلدتنا كلها عندما يحضر إليها.

فقال العلامة الكبير طه حسين: أما فلاح صحيح يا بني، إن لديك استعدادا أدبيا لا تشك فيه، وخسارة أن تدفن نفسك في هذه المهنة. أنا أنصحك بأن تعدل عن الحقوق إلى الآداب، وأملي كبير في أن تتفوق وأن تسافر في بعثة إلى أوروبا بعد تخرجك لتعود وتعمل أستاذا في الجامعة.

لمفكر الراحل محمود أمين العالم يكتب عن محمد مندور أنه عندما كانت مصر تحتفل خلال عام 2005 بمثقفيها التنويريين، (لم يأخذ محمد مندور مكانته الجدير بها في هذا الاحتفال، ولست أغالي إن قلت: لعل محمد مندور أن يتقدم بعض هؤلاء التنويريين الذين احتفلت بهم مصر)

ولكن الطالب الريفي، رفض عرض أستاذه في أدب وحياء، وأصر على البقاء في كلية الحقوق، فقال الأستاذ “أمّا فلاح مخه ناشف”، ثم صمت ليستطرد قائلا بعد لحظات “طيب يا سيدي ابقَ في الحقوق كما تريد، ولكن على أن تلتحق أيضا بكلية الآداب في نفس الوقت، وأنا أتعهد بإعفائك من مصروفات كلية الآداب، ولن يصعب عليك الجمع بين

الكليتين لأن الدراسة بعد السنة الإعدادية ستكون في الصباح بالحقوق، وبعد الظهر بكلية الآداب”.

بعد سنوات طويلة، حصل مندور على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة بمرتبة الشرف الممتازة، تقدم إلى الدكتور طه حسين ـ مدير جامعة الإسكندرية آنذاك ـ بطلب ترقيته إلى وظيفة مدرس أستاذ من الدرجة الرابعة، غير أن طه حسين رفض طلبه وأصر على الرفض، فقدم مندور استقالته من الجامعة سنة 1944.

عمل مندور بعدها في الصحافة، وخاض سجالات عديدة، ونزاعات كثيرة، وكتب في المصري والأهرام والجمهورية وروز اليوسف، وألّف أكثر من 30 كتاباً في قضايا الفكر والأدب، ولم يتوقف مندور عند حد، لكنه وضع دراسات نقدية رصد من خلالها التراث النقدي لكل من «ابن قتيبة» و«ابن المعتز» و«قدامة بن جعفر» و«ابن جني» و«الجرجاني» و«الثعالبي» وغيرهم.

عاش الفترة ما بين 1952 و1965 معتزلاً الحياة التي أرادها، نوعاً ما، بسبب قيام ثورة الضباط الأحرار، ومنعهم الذين مارسوا السياسة قبلها من العودة إليها، وهو ما جعل مندور يتفرغ للكتابة النقدية وكتابة المقالات والدراسات في الصحف والمجلات، والعمل في معهد الدراسات العربية العليا، والتدريس بمعهد الصحافة الذي كان يتبع جامعة القاهرة، وخلالها تمّ اعتقاله وقضى وقتاً في السجن، ثم خرج ليعمل في المحاماة، حتى وفاته في العام 1965.

15