محمد منير ابن الأرض السمراء ملك متوج من النوبة إلى الإسكندرية

السبت 2015/02/07
محمد منير يتجاوز الستين ولا يزال مشغولا بالتجديد

سيظل الفنان محمد منير حالة خاصة في الغناء المصري الجديد، لاسيما بعد فشل معظم أبناء جيل السبعينات من القرن الماضي، في تجديد رؤاهم لفنون الغناء، فوقع معظمهم في أسر إعادة إنتاج النماذج الغنائية الكلاسيكية وتقليدها، أو مسايرة الصراعات الجديدة في الغناء دون قناعة حقيقية بها، ما ساهم في إنتاج نماذج غنائية شائهة لا هي لحقت بالجديد ولا هي تخلصت من ظلال القديم.


فنان يدرك عصره


وعي المطرب محمد منير كان متجاوزا للحظته، حيث أدرك مبكرا أن التجديد حتمية من حتميات البقاء، لأنه ببساطة يعكس إدراكنا لحاجات عصرنا، خاصة إذا كان المعني بالتغيير مغموسا في الهم الوطني بحكم علاقته باليسار المصري منذ يفاعته الجامعية، كذلك بحكم انحداره من أسرة متوسطة عايشت آلام الناس ولازالت تعايشها. من هنا لعبت تلك العوامل دورا في تكوين منير الثقافي والفني على هذا النحو المتفرد، وجعلت منه هذا النسيج المتمايز وسط أبناء جيله.

منير ذو البشرة السمراء، تمتد أصوله إلى منطقة النوبة ذات الخصوصية الثقافية في صعيد مصر، حيث صنعت هجرات أهلها، عقب بناء السد العالي نوعا من الحنين إلى الأرض، لم يفتر لدى قطاع منهم إلى اليوم، وظل الحنين إلى تلك الجغرافيا على المستوى الروحي أثرا قائما في كثير من أشكال التعبير النوبي، في الرواية والشعر والقص والفنون عامة، غير أنه ربما للمرة الأولى، بعد رحيل مطرب “يا بيوت السويس″ محمد حمام، يصعد فنان نوبي إلى أعلى سطح المشهد الفني في مصر ليصبح عبر سنوات قلائل محاطا بالملايين من العشاق والمحبين.

أصبح محمد منير أو “الملك” كما يطلق عليه محبوه، واحدا ممن صاغوا مستقبل الغناء المصري، في فترة توصف بأنها حقبة الهزيمة، باعتبار جيل السبعينات، وارث الألم بعد هزيمة يونيو 1967، ووارث الهزيمة الأخطر بعد السلام المنقوص مع إسرائيل.

يؤمن أشد الإيمان بوحدة تراب الوطن ولم ينخرط بأي صورة من الصور مع الفصائل التي أغراها ضعف الدولة المصرية، بعد الخامس والعشرين من يناير 2011 لترديد مقولات سياسية مغرضة، بينها الاعتراف بخصوصية النوبة، والإيحاء بالمطالبة بابتعادها عن الوطن الأم، فقد تربى منير في كنف واحد من كبار الوطنيين المصريين، وأحد كبار القادة في اليسار المصري هو المحامي والمناضل المعروف زكي مراد.


صياغة المستقبل بالفن


منير ذو البشرة السمراء، تمتد أصوله إلي منطقة النوبة ذات الخصوصية الثقافية في صعيد مصر، حيث صنعت هجرات أهلها، عقب بناء السد العالي نوعا من الحنين إلي الأرض، لم يفتر لدى قطاع منهم إلى اليوم

كانت تلك العلاقة بداية حقيقية لتشكيل النمط الثقافي والفني الذي تبناه المطرب الأصيل، عبر علاقته بنصوص كبار شعراء العامية المصرية آنذاك، مثل عبدالرحيم منصور، وصلاح جاهين، وفؤاد حداد، وكان هذا الوعي المبكر سببا في إلحاقه بكتائب المثقفين المصريين، الذين رأوا أن الفن يجب أن يكون صاحب دور مؤثر في صياغة مستقبل الوطن عبر صياغة الذائقة العامة.

من هنا كان منير أول فنان نوبي يمزج التراث الشعبي النوبي، بالموسيقى المصرية الشعبية أو النمط الكلاسيكي، الذي استقر في الوجدان العام، عبر مدونة عميقة تركها جيل من الملحنين والمغنين الكبار.

حفلت المحطات الأهم في حياة منير، بالفرادة والطليعية، حتى في النماذج الغنائية القديمة التي أعاد توزيعها وغناءها، لكن قوام المشروع الفني له، كان مستندا إلى رؤى متجددة لم ترتكن إلى القديم سوى بمقادير محسوبة بدقة، لذلك كان تعاونه مع التطلعات الجديدة مهما ومؤثرا في مسيرته، ولعل العلاقة الطويلة التي قامت بينه والملحن هاني شنودة كانت صاحبة أثر عميق في تطوير رؤاه الموسيقية، لاسيما في ألبوماته الأولى، التي فشلت باكورتها، بسبب سوء التوزيع اللحني والموسيقي، فأعاد شنودة توزيع تلك الأعمال ولاقت فيما بعد نجاحا باهرا، تأسست عليه نجاحات منير اللاحقة.

كان تفوق منير في استخدام ودمج الإيقاع المصري المقسوم الذي تألفه الأذن المصرية والعربية، مع السلم الخماسي النوبي الذي يقترب كثيرا من الموسيقى الأفريقية واحدا من امتيازاته وإضافاته الحقيقية، الأمر الذي تكرر في استخداماته لموسيقى الجاز والراب، حيث تمكن عبر رؤية موسعة ومعمقة للذائقة العربية أن يقدم نماذج لاقت قبولا واسعا في العديد من الدول العربية، مثل الجزائر والمغرب والخليج العربي، بل وفي العديد من الدول الأوروبية، وعلي رأسها ألمانيا، حيث كانت قناعته القديمة الجديدة أن الفن نمط من المعرفة الإنسانية، لذلك يجب أن يبقى عابرا للجغرافيا.

تعد الموسيقى أحد الفنون المثالية لتأكيد تلك النزعة الإنسانية، لأنها تعد أعلى التدفقات الشعورية غير المنطوقة، ما يسهل عبورها إلى الآذان والقلوب، دون عوائق تذكر سوى مراعاة الثقافات المحلية على تنوعها، وصياغة نماذجها وفق تعريفات أشمل، بحيث تكون مدركة لقيمة التنوع ثقافيا وحضاريا.

التمايزات التي ارتبطت موضوعيا بوعي محمد منير بالفن، لا تختلف البتة عن طريقته في الأداء، فلم يظهر أبدا على المسرح مرتديا البزة الكلاسيكية، ولم يتوقف أمام ميكروفون، بل هو فراشة دائمة السباحة على المسرح، كذلك بدت لهجته الهجينة بين القاهرية والأسوانية أحد أهم تمايزاته.

كانت تلك الملامح واحدة من أجلى التعبيرات عن وعي مغاير للفن، خاصة أن المطرب النوبي ارتبط منذ بدايته بعدد من شعراء العامية الذين ضربوا عرض الحائط بالاتجاهات الرومانسية في الفن، وقدموا مقترحات جديدة في العامية المصرية، تمكنت من الارتقاء بها كقصيدة زجلية تلقى في المناسبات، إلى قصيدة تدرك دورها في الترقي بالجماعة الشعبية.

أول مطرب مصري يمزج بين الموسيقى الإلكترونية الغربية والنغم العربي الذي يطلق عليه الإيقاع "المقسوم"، وأول مطرب يدمج موسيقى الراب مع الإيقاع النوبي

هذا الوعي المركب لدى منير ربطه، لزمن طويل، بالثقافة النخبوية، ومن ثم أطلق عليه اسم “مغني المثقفين”، غير أن هذا الحال لم يستمر طويلا، إذ أدرك أن دائرة النخبة ليست التعبير الأمثل عن العامة، وعمل على توسيع دائرة التلقي، فقام بالمزج بين الأشكال الفنية الشعبية وتراثها الممتد، واستطاع عبر ألبوماته الحديثة أن يلمس جوهر لحظته ويعايشها، دون تعال أو انفصال أو تقليد للصرعات المستحدثة التي حققت رواجا كبيرا في أوقات عصيبة، بالنسبة إلى جيل السبعينات من المغنين والمطربين .

صورة كلية تشكلت للفنان محمد منير، ساهمت في تدقيق اختياراته، وصوابها في معظم الأحوال، وقدمته باعتباره واحدا من الواعين برسالة الفن في عمومه، وبرسالته الغنائية على نحو خاص، فكانت مشاركته الأبرز مع المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين في ثلاثة أفلام من أهم أفلامه، هي “حدوتة مصرية” و”اليوم السادس″ و”المصير”، كما شارك في عشرات الأعمال الدرامية والفيلمية، مثل “يوم حلو ويوم مر” و”اشتباه” و”شباب على كف عفريت”، وكانت مشاركته الأكثر شعبية في غناء تترات مسلسل “بكار” الذي أنتجه التليفزيون المصري وذاع صيته شعبيا، وهو مسلسل كرتوني بطله طفل نوبي.

أما المحطة الأبرز في حياته الغنائية فكانت مسرحية “الملك هو الملك”، التي أخرجها مراد منير البورسعيدي ابن جيل السبعينات، عن نص للكاتب السوري المعروف سعدالله ونوس، وقد استطاع منير أن يقدم في تلك المسرحية عددا من أهم أغانيه التي شكلت قوام ألبومه الأشهر، الذي حمل اسم المسرحية نفسها.


وسط الدائرة


بلغ محمد منير في أكتوبر من العام المنصرم عامه الستين، فهو من مواليد أكتوبر عام 1954، ومع ذلك لايزال يعمل على إنجاز العديد من الألبومات الجديدة، بعد أن أنهى زيجته من نوبية مصرية تعيش في باريس بعد شهرين من الارتباط بها، دون أسباب واضحة أو معلنة، وقرر أن يظل عازبا، كما كان طوال حياته.

أصدر منير عشرات الألبومات الغنائية التي عززت مسيرته الفنية، كان من أشهرها “بنت وولد، “علموني عينيك“، “شبابيك“، “يا إسكندرية“، “الطول واللون والحرية“، “أنا قلبي مساكن شعبية“، وصوّر من هذا الألبوم واحدة من أجمل أغنياته وأكثرها انتشارا وهي أغنية “سو ياسو” .

منير تلميذ للزعيم اليساري زكي مراد، قدره ساعده على المحافظة على قيم نبيلة لم يتزحزح عنها يوما في حياته

لاشك أن القمة التي يتربع عليها محمد منير، لم تتوفر له بشكل اعتباطي، بل إن جهده ووعيه سبقا خطواته إلى الفن، فكان أول مطرب يمزج بين الموسيقى الإلكترونية الغربية والنغم العربي الذي يطلق عليه الإيقاع “المقسوم”، وكان أول مطرب مصري يدمج موسيقى الراب مع الإيقاع النوبي، في أغنية “سيا سيا” وأيضا في أغنية “افتح قلبك” تجد موسيقاه تميل لموسيقى الراب.

كذلك يعتبر أول مطرب مصري يقدم موسيقى “الجاز″ و”الفانك” في أغنية “كريشندو” (قد وقد)، ولم تشهد الموسيقى العربية تجارب مشابهة تقريبا، حتى أعاد منير تقديم هذا اللون من الموسيقى مرة أخرى في ألبومه “طعم البيوت”، وتحديدا في أغنية “مش محتاج أتوب” في العام 2008.

من اللافت أن يكون منير أول مطرب مصري يشارك في افتتاح بطولة عالمية خارج مصر، بالغناء في دورة ألعاب البحر المتوسط بفرنسا في العام 1993، ليقدم فيها أغنية “وسط الدايرة”، كذلك لن ينسى منير قضيته الوطنية فلسطين التي تمثل قضية مصر بالأساس، فقدم للانتفاضة الأولى عددا من الأغاني في ألبوم “بريء” في العام 1986، وغنى لبطلة الجنوب اللبناني الشهيدة سناء محيدلي، وهي أغنية “أتحدى لياليك” في ألبوم “وسط الدايرة” .

ربما لهذا وغيره حصل منير على جائزة السلام من قناة CNN عن ألبوم “الأرض السلام”، كما توج رحلته بالحصول على الجائزة البلاتينية من شركة يونيفرسال عن أغنية “ياسمينا”، التي حققت مبيعاتها أكثر من 750 ألف نسخة في أوروبا.

محمد منير من أهم فناني جيل السبعينات في مصر، ذلك الجيل الذي خسر كل شيء تقريبا، ليس من الصراع السياسي فقط، لكن ربما من الصراع الحضاري في المنطقة بأسرها، في الوقت الذي تداعت فيه ثقافة العولمة والوسائط الجديدة التي أفقدت الفنون الكثير من تأثيرها، سيما تلك الفنون التي ارتبطت بالدولة القومية ذات النزعة الأيديولوجية.

15