محمد مهدي الجواهري شاعر مخالف تماما لأحمد شوقي

ملتقى "الجواهري معاصرا" يحتفي بشاعر عراقي شاهد على قرن بأكمله.
الاثنين 2018/11/19
شاعر ردم الهوة بين المحكي والمدون

يعتبر الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري من أهم التجارب الشعرية العربية في القرن العشرين، حيث حاز له موقعا هاما في الشعرية العربية كجسر واصل بين الإرث الشعري العريق ممثلا خاصة في المتنبي، بكل حمولاته اللغوية والإيقاعية، وبين المواضيع الحديثة التي كان من خلالها صوت الشعوب في الزمن الذي عاشه. ومن هنا تأتي أهمية الشاعر الذي احتفي به أخيرا في دبي.

أقامت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية ملتقى موسعا عن الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري (1898 ـ 1997) بعنوان “الجواهري معاصراً” بمشاركة نخبة من الكُتاب والمفكرين عبر جلسات عُقدت على مدار يومين، وذلك إحياءً لذكرى الشاعر العراقي المهم الذي نال جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية عام (1990 ـ 1991) مفتتحاً بذلك بابا جديدا في الجائزة ألا وهو “الإنجاز الثقافي والعملي” تقديرا لمكانته الكبيرة في الشعر العربي المعاصر. وقد شهد الملتقى إطلاق كتاب “يا دجلة الخير.. مختارات من قصائد الجواهري”، الذي أعده الأديب عبدالإله عبدالقادر المدير التنفيذي لمؤسسة العويس الثقافية.

صوت الذات والجماهير

في الجلسة الأولى التي أدارتها الشاعرة صالحة غابش قدم كل من الدكتورين الشاعر علي جعفر العلاق ورقة بعنوان “جماليات الغضب والقسوة”، وضياء عبدالرزاق العاني ورقة بعنوان “الرفض في شعر الجواهري بين رصد الواقع وتأصيل المثال”.

 أشار العلاق إلى أن الجواهري يبدو على العكس من أحمد شوقي مثلاً، لا يرتفع بقصيدته غالباً إلا في مناخٍ من التحدي والغيظ المحتدم والافتتان بالذات، تلك الغابة التي يعرف ممراتها الضيقة وهو مغمض العينين. لذلك ليس لديه، كما ليس لدى المتنبي أيضا، تلك الرقة التي تميز بها شعراء معدودون عبر تاريخنا الشعري كجرير، وعمر بن أبي ربيعة، والعباس بن الأحنف، والبحتري، والشريف الرضي، وشوقي على سبيل المثال. وإذا كان شوقي يقف، كما أعتقد، في طليعة شعراء الصفاء اللغويّ الكبار في تاريخنا الشعريّ، فإن شعرية الجواهري الانفعالية واللغوية قد تجعله من النادرين، باستثناء المتنبي ربما، في امتلاكه هذه الصفة. ولا يذكرني شاعر معاصر بالمتنبي كما يذكرني الجواهري. فكلاهما يمتلك شخصية أسلوبية ووجدانية لا تذكر بغيرهما من الشعراء. وإذا كان الشاعران يشتركان في افتتانهما العالي بالذات، فإن لكل منهما ما يخصه: كان تأمل المتنبي الموجع في أحوال البشر وتقلباتهم قد أنقذ الكثير من مدائحه من السقوط. وكان للجواهري طريقته الخاصة في بناء العبارة ونفسه الأمّارة بالغضب والتحدي اللتين ضمنتا له نبرته الشعرية الخاصة بين مجايليه.

أما العاني فأكد أن الجواهري حدَّد لنفسه موقعاً في قلب التاريخ العراقي بما عاش من عمر مديد، وما أرّخ من أحداث جسام، وما أثار من زوابع خلال سيرته السياسية والأدبية، شاهدا على قرن بأكمله من عمر العراق المعاصر. ورأى أنّ بنية الرفض في شعر الجواهري بنية أساسية فيه، إذ لم يكن رفضا عبثياً، ولا عدميا مقطوع الصلة عن محيطه، بل هو رفض مؤسَّس على رؤية فنية وتصوُّر ذهني واضح، فبنية الرفض من خلال مستوياتها التي حُدِّدت بيَّنت لنا بوضوح قدرتها على تأطير رؤية الشاعر للمجتمع بكل صنوفه.

الجواهري على العكس من أحمد شوقي لا يرتفع بقصيدته إلا في مناخ من التحدي والغيظ المحتدم والافتتان بالذات

وأضاف أن الجواهري حاول ترسيخ قيمه ومبادئه في المجتمع، من خلال استثمار الواقع وتناقضاته، لتقديم أفكاره، وإغناء تجربته الشعرية، واختبار قدرته على تصوير المجتمع بروح متوقدة، تستمد فاعليتها من الصدق الشعوري، وعمق انتمائه إلى الأرض والجماهير، حتى غدا شعره سجلا حافلا بالقيم والمبادئ التي تخدم المجتمع بكافة شرائحه، وصورة واضحة للتعامل بين الذات والواقع.

وشارك في الجلسة الثانية التي أدارتها الكاتبة باسمة يونس كل من الدكتور عارف الساعدي بورقة عنوانها “الجواهري.. جغرافية الكتابة”، والدكتور أحمد الزعبي بورقة عنوانها “حوار فلسفي بين الجواهري والمعرّي.. دراسة في الإشارات الفلسفية في قصيدة أبوالعلاء المعرّي”، وقد رأى الساعدي أنّ المكان هو المؤثر الرئيس في شعر الجواهري، وأن قصائده تتبدل بتبدل الأمكنة، والمدن، وحتى القرى، وبسبب تجوال “الجواهري” وترحاله مسافرا ومنفيَا، نجد ترحالا مشابها في القصائد، حيث اللغة الشعرية التي تبدل جسدها بتبدل الأماكن، لهذا نجد معجمه الشعري دائم التحول، ودائم الارتباط بالمكان الذي يعيشه، بل إنه يأخذ جل ملامحه ونبرته من شكل المدينة التي يستقر فيها.

وقال “وكأن المدن تنفث سحراً في لغة الجواهري، فيتحول بقدرة شاعر ملتصق بالمكان ومتأثر به، ومنفعل بتفاصيله، فالمكان جزء رئيس من قصيدة الجواهري، لذلك نجد هذا التفاوت الهائل بين جواهري النجف في العشرينات، وجواهري براغ في الستينات، وما بينهما مدن وقرى وحارات وشوارع وملاه وعواصم عربية وأوروبية. كل هذه الأماكن تركت أثرها على نصه، وأول هذا الأثر يتضح من القشرة الأولى وهي لغة القصيدة حيث تتحول من اللغة الوعرة والخشنة والتقليدية، إلى لغة مختلفة ومنسابة ودافئة ورقراقة، بعد اللغة تأتي الموضوعات التي يعالجها، فمن القضايا الكبرى التي يشترك بهمومها الملايين، نجده معبرا عن أصوات الجميع، فيما صوته الخاص والذاتي ذائب في تفاصيل هذه الملايين”.

شاعر المفردة

Thumbnail

في جلستي اليوم الثاني للملتقى شارك الدكتور علوي الهاشمي بورقة عنوانها “إيقاع تجربة الموت عروضيًا في شعر الجواهري من خلال أربع قصائد مختارة”، استعرضها نيابة عنه الشاعر والإعلامي السوري حسين درويش حيث اعتذر الهاشمي بسبب عارض صحي مفاجئ، كما قدم الدكتور مقداد محمد شكر قاسم ورقة بعنوان “إيقاع التكرار في شعر الجواهري” حيث جرى استعراض شعر الجواهري بشكل علمي ممنهج من خلال العلاقة الترابطية بين بحور الشعر وموضوع الموت في أربع قصائد هي: ناجيت قبركِ، أجب أيها القلب، أخي جعفر، لقد أسرى بيَ الأجلُ. كما تم استعراض تجربة التكرار لمفردات معينة في قصائد الشاعر واختياره لقواف ذات إيقاع محدد ميّزت قصائده، وقد أدارت الجلسة الأولى الكاتبة بدرية الشامسي.

وفي الجلسة الثانية التي أدارتها الشاعرة الهنوف محمد قرأ الروائي شاكر نوري ورقة بعنوان “الجواهري.. شاعر المفردة” واختتم الملتقى الدكتور سمر روحي الفيصل بورقة بعنوان “نثر الجواهري … قراءة في (ذكرياتي)” حيث قال نوري “قرأتُ الجواهري كروائيّ، واكتشفت أنّ عبقريّةَ اللغةِ في الشعر لم تمتدّ إلى الرواية العربيّة بعد. أحيانًا يُصاب الكاتب بالعجز والحيرة في الكتابة عن قامة شعرية رفيعة مثل الجواهري ما لم يلمَّ بالبيئة التي عاش فيها الشاعر وهي: النجف، وما تزخر به من علوم ومعارف ولغة. عدا ذلك فإن بيئة أسرة الجواهري هي بيئة من العلماء والفقهاء”.تناول نوري المفردات ذات البعد التاريخي من معجم لغوي عربي ليست قيد التداول أو مفردات لها دلالة شعبية وضرب بعض الأمثلة على ذلك. وقال “كان الشاعر – وهو يخاطب جمهوره – يردم الهوّة بين المحكيّ والمدوّن، باعتبار اللغة السائدة أصبحت محكيّة، ولغة التدوين هي لغة لسان العرب، وتداخل نظم الإشارات والمعاني والدلالات. مضافاً إليها نبرة الصوت، ولغة الجسد. هو الجديد الذي أضفاه على مفرداته بكلّ رموزها وعلاماتها”.

بينما تطرق سمر روحي الفيصل إلى نثر الجواهري عبر كتاب ذكرياتي الذي تم تسجيله بصوت الجواهري على أشرطة كاسيت بين عامي 1961 و1968 وهي الفترة التي أمضاها في براغ، ومن ثم تم تفريغ تلك الأشرطة ونشرت في كتاب صدر عن دار الرافدين بدمشق.

15