محمد مهرالدين يترجل تاركا عراقه بلون العتمة

الخميس 2015/04/30
محمد مهرالدين فارس الحداثة التشكيلية في العراق

فقدت الحركة التشكيلية بالعراق في 23 أبريل الجاري، الفنان الكبير محمد مهرالدين، الذي يعدّ من أهم القامات الشامخة في المشهد التشكيلي العراقي والعربي والعالمي، بأحد مستشفيات عمان، بعدما هاجر الوطن سنة 2006، بسبب الوضع المتدهور في العراق الذي جلبه الاحتلال الأميركي منذ سنة 2003.

برحيل الفنان العراقي محمد مهرالدين مؤخرا، فقد العالم العربي أحد أقطاب الأمثلة الواضحة والرصينة، لمعاصرة الفن التشكيلي الحديث في العراق.

فمنذ أن وقع مع زملائه الخمسة المؤسسين لبيان “الرؤية الجديدة” عام 1969، والفنان محمد مهرالدين، متمسك بتأصيل وتأثيث ملامح صورة تجربته الفنية الشخصية في مفهوم استلهام وطرح نصوص أفكاره التشكيلية، على سطوح منجزه الفني المتباين، لا سيما وأن مبادئ أو أهداف البيان تنص على الاستفادة من تجارب البلدان، التي درسوا فيها، فضلا عن استلهامهم التراث العربي، وبلورته برؤية معاصرة، وبأسلوب خاص.

وإثر عودته إلى العراق من الدراسة في بولونيا، استمد مهر الدين صياغة تجربته الجديدة من بعض تأثيرات أساتذته البولونيين، ومن أبرزهم: سامبورسكي، ولينشتاين، وكويزدي، حيث استفزوا أحاسيسه، وكان هذا الأثر واضحا جدا في معرضه الثاني ببغداد، سنة 1976، ومنذ ذلك الوقت، كان يبحث ويجري عدة صياغات فنية متجددة في هوية أسلوبه، وفي فهم وهضم الفن المعاصر.

لقد جمع مهرالدين، سمات وعناصر التراث المحلي، ومصير الإنسان المجهول، مع معاصرة الفن البولوني، الذي كان أثره شاخصا في بداية تجربته، وبهذه المعادلة القلقة منح مهرالدين، بحذر شديد أعماله مسحة شخصية تتوازن مع رؤيته وأطروحاته التي تحمل قيمة فنية وإنسانية معاصرة، مثلما كان لها صوتها وصورتها، في المشهد التشكيلي المحلي، أو العربي فيما بعد، رغم أنها اتخذت صيغا تقنية عديدة، في ملمس وصور منجزه الإبداعي، إلاّ أن موضوعها الأساس هو “الإنسان” وعالمه الغريب، المتناقض، والمرير إلى حدّ الحنظل.

محمد مهرالدين صاحب الأسلوب الفني المتجدد

فقد كان الجو العام السائد على المحيط الاجتماعي والسياسي، المزدحم بالتناقضات الحيوية، والذي ولد فيه مهرالدين، وخصوصا في مدينته البصرة (مواليد 1938)، أثره العميق الذي انعكس على مجمل باكورة أعماله التعبيرية الأولى، إذ بدأ رساما تشخيصيا، يتمتع بقوة التخطيط، لا سيما وأنه قد درس الرسم الأكاديمي على يد الأستاذ فائق حسن، كما درس فن النحت، على يد النحات جواد سليم، خلال مدة دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد (تخرج سنة 1958)، وكان رسم “الإنسان” كرمز موضوعي، بكامل أعضائه البشرية، وصفاته، محورا أساسيا يبني عليه مفردات لوحاته.

وقد اتسمت تلك الأعمال بالمسحة “الفيكورونيفية” أي الأكاديمية المعاصرة مستخدما فن الكولاج، من المواد الأولية المختلفة، التي تخدم رؤيته، كالرمل والجبس ونشارة الخشب وقطع الحديد… فضلا عن مادتي الزيت والأكرليك، مما يعطي نبضا حسيا خاصا لملمس ورؤية اللوحة نفسها.

بعد ذلك، أخذ مهرالدين، يركز اهتمامه برسم أجزاء معينة من أعضاء جسم الإنسان وبحركات متنوعة، مقسما سطح اللوحة إلى أجزاء عديدة، وكل جزء يضم مفردة مستقلة برمزيتها ومضمونها، لكنها تلتقي أخيرا في صلب وثيمة موضوع اللوحة نفسها.

بعدما يضفي عليها روح العامل النفسي المؤثر، مستفيدا من إمكانياته وسيطرته، في مجال تقنية التخطيط بالأسود والأبيض أو بالأقلام الملونة، مع استخدامه كذلك، كولاج، من صور فوتوغرافية، وقصاصات صحف، إلخ… مقتربة إلى حد ما من لغة تصميم البوستر السياسي، مادامت السياسة هي التي تسيطر على الإنسان وأعضائه وأفكاره، وحتى التفنن في طريقة قتل الإنسان ونفيه.

وفي هذه الهيمنة السياسية والصراع الإنساني، حتى في داخله، ولحظات الذعر والخوف عند مشاهدة أو سماع المأساة، تتولد عناصر الاحتجاج الكثيفة، مثلما تتفاعل عوامل الإبداع في الاستلهام والتقديم.

وفي هذه الصيغ الفنية التي اشتغل عليها مهرالدين، كان هذا الاتجاه بمثابة تمرده على القانون السائد في منجز التصوير الفني، الذي قدمه في معرضه الشخصي الثالث سنة 1978، تحت عنوان “غريب هذا العالم”، هذا المعرض الذي يعدّ الانعطافة الحادة والمهمة، في مسيرة الفنان محمد مهرالدين، وتأسيس رسم هوية إبداعه المعاصر.

وتتعمق رؤية مهرالدين، بعدئذ بسطح لوحته ذات الهم الإنساني الصارخ، مثلما يتعمق ويترسخ نهجه الفني الشفاف، من خلال النظريات والمفاهيم الرياضية والهندسية، وقد فرضت الإشارات التجريدية لغتها الرمزية المختزلة، هنا وهناك، أرقام حسابية وعلامات وأسهم وكتابات مجهولة، وكان الفراغ أو فضاء اللوحة يتسع لكل هذا الكم الهائل من هذه الطلاسم المعاصرة، أمام إنسان مازال يبحث عن لقمة عيش أو فسحة من الأمل المفقود أو حتى من يتعاطف معه.

16