محمد موسى شفيق.. تراجيديا تصفية أكبر مسؤول أفغاني بتهمة بيع مياه نهر

الطغاة يجلبون الغزاة ولا يخرج الغزاة إلا بثمن كبير لنيل الاستقلال وبثمن أكبر في حرب أهلية طويلة المدى.
الخميس 2021/04/29
حقبة مأساوية

التاريخ وحده كفيل بسرد الوقائع لما عانته أفغانستان منذ تأسيسها كمملكة وحتى سقوطها بانقلاب ساهم الروس بنسج خيوطه. فبعد عقود من الفوضى في بلد كان قبلة للباحثين العرب تبرز السياقات القديمة كيف أن إيجاد الذرائع الواهية كانت سببا لتدمير الدولة وتجسد ذلك عبر محاكمة صورية لأبرز مسؤول فيها بتهمة بيع مياه نهر هلمند حين كان رئيسا للوزراء في سبعينات القرن الماضي.

القاهرة - تقدم النهاية المأساوية لآخر رئيس للوزراء في أفغانستان الملكية دروسا قلما يتعلم منها حاكم. أولها أن هشاشة الدولة تسمح باختطافها في انقلاب قليل التكلفة، وثاني الدروس أن المستقوي بطرف خارجي على انقلاب سيكون هو ضحية الانقلاب التالي.

أما الدرس الثالث فهو أن الطغاة يجلبون الغزاة، ولا يخرج الغزاة إلا بثمن كبير لنيل الاستقلال، وبثمن أكبر في حرب أهلية طويلة المدى، يرى كل فريق جدارته بالحكم؛ ثمنا للفاتورة التي بذلها في “الجهاد”. والدرس الرابع هو بحث المنتصر عن سبب للقتل، وكما وجد الاحتلال الأميركي للعراق في قضية الدجيل ذريعة لإعدام صدام حسين، فقد تمت تصفية رئيس الوزراء الأفغاني بتهمة بيع مياه نهر.

وليست الملكيات كلها شرّا كما يزعم البعض. وكثيرا ما تلجأ حركات الاستقلال إلى شيطنة الأنظمة الملكية، حتى لو كانت ملكيات دستورية لا تمنح الملوك أكثر من التوقيع على المراسيم، ويُمنعون من حق المواطن في التصريحات الناقدة لما لا يعجبه من مواقف وسياسات. والفيصل في التفضيل هو رسوخ قيم الدولة وتقاليدها الأقوى من الحاكم، أيا كان لقبه أو صلاحياته، فلا يختطفها ويذيق الشعب مرارة الاستبداد.

وقد اكتوت شعوب بنيران الجمهوريات، وكانت العودة إلى العلم الملكي الليبي بعد الخلاص من معمر القذافي. وكاد انقلاب الجنرال بوفقير يطيح الملك الحسن الثاني. وسألت صديقا مغربيا ماذا لو نجح؟ فردّ بسخرية: كنا سنصير جمهورية استبدادية.

وفي كتاب “محمد موسى شفيق.. السياسي ورجل الدولة.. آخر رئيس وزراء في عهد الملك محمد ظاهر شاه آخر ملوك أفغانستان” تقدم عفاف السيد زيدان العميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر بالقاهرة وجها آخر لأفغانستان الملكية، بتقصّيها سيرة رجل “بكاه القاصي والداني”، إذ حاكمه القتلة صوريا عام 1978 في حوار مقتضب، واتهموه ببيع مياه نهر، حين كان رئيسا للوزراء عام 1973.

وكان شفيق المولود عام 1929 قد جاء إلى مصر عام 1952، والتحق بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وفي الوقت حصل على الماجستير من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وعاد عام 1955 إلى أفغانستان، وغادرها عام 1956 للدراسة بجامعة كولومبيا.

وعاد شفيق من الولايات المتحدة بعد نيْله الماجستير في القانون الدولي، وعيّن وكيلا لوزارة العدل، وكان الأمين العام لمجلس صياغة الدستور عام 1964، وعيّن مستشارا بوزارة الخارجية، وبدأت مهامه الدبلوماسية سفيرا متجولا، ثم سفيرا في مصر بداية من عام 1968 حتى عام 1971، وفي العام نفسه عيّن وزيرا للخارجية.

وفي ديسمبر 1972 أصبح رئيسا للوزراء، حتى يوليو 1973، حين طوى السردار محمد داود صفحة الحكم الملكي، بانقلابه على الملك محمد ظاهر شاه. وكان داود زوج أخت الملك وابن عمه، وقد تولى رئاسة الوزراء بين عامي 1953 و1962. وبالانقلاب صار رئيس جمهورية، ومارس الاستبداد في بلد تمتع بالحرية منذ استقلاله عام 1919.

وشهدت العاصمة الأفغانية كابول في مارس 1973 توقيع اتفاقية لتنظيم الاستفادة من مياه نهر هلمند. وكان وفدا البلدين قد أعدا المذكرة الخاصة بالاتفاقية التي وقعها كل من شفيق ورئيس الوزراء الإيراني عباس هويدا. ولم تسترح القيادة السوفيتية لاتساع سلطات شفيق، “فلجأوا إلى السردار محمد دواد، وطرحوا عليه خطة الانقلاب”، الذي نفذه في يونيو من نفس العام والملك محمد ظاهر شاه في إيطاليا.

عفاف السيد زيدان، التي كانت أول باحثة عربية تدرس في جامعة كابول، قدمت في مؤلفها وجها آخر لأفغانستان الملكية، حين كانت تتمتع بحرية التعبير والنشر وبوجود برلمان حر منتخب كانت المرأة ممثلة فيه عبر استذكار طريقة قتل أحد أبرز المسؤولين بعد انقلاب 1978 المدعوم من روسيا

وتم القبض على شفيق، وظل في السجن نحو عام ونصف العام، وأفرج عنه الرئيس محمد داود، وجعله مستشارا ليستفيد من خبراته الواسعة، حتى وقوع الانقلاب المدعوم من موسكو في أبريل 1978، “فقتلوا السردار محمد داود وقتله هو وأولاده وأحفاده والمحيطين به”.

وتقول المؤلفة المصرية إن شفيق، الذي بدأ حياته أستاذا للقانون الدولي في كلية الحقوق بأفغانستان، كان “ظاهرة تاريخية فذة ونادرة”، وإن الشعب أجمع على حبه، ففي عهده نجحت أفغانستان “في التوحد في أمة متماسكة”. أما التهمة التي واجهه بها القتلة فكانت التفريط في مياه نهر هلمند، وهو أعظم نهر في البلاد، ويطلق عليه الإيرانيون اسم “بريان”، وتصب مياهه في النهاية في بحيرة هامون الإيرانية.

وبدأ نزاع البلدين حول مياه النهر عام 1872، وتوالت المبادرات والاتفاقيات التي انتهت عام 1973 بتوقيع معاهدة تضمنت موافقة أفغانستان على عدم القيام بأي شيء يحرم إيران كليا أو جزئيا من حقوقها المائية من نهر هلمند.

وكانت المقابر الجماعية تحفر “من أجل ضحايا الليل”، إذ تصل عربات النقل بحمولاتها من “المساجين الأحياء والأموات، ومن هم بين الحياة والموت، ثم تلقيهم في الأرض المحفورة”، وتتولى الجرافات إهالة التراب عليهم، ولم يُستدل على قبر الرئيس محمد داود وأسرته.

وفي عام 2008 أشار أحد الجنرالات إلى وجود المقبرة “في خرائب خلف الكلية الحربية”. وقال إنهم أرادوا إدانة شفيق فنفى أنه مذنب، قائلا إن منزله بسيط، وأولاده لا يملكون شيئا، “فأي خيانة ارتكبتها؟”. قالوا “بعتَ مياه نهر هلمند”. فقال إن ببرك كارمل وحفيظالله أمين وغيرهما كانوا نوابا بالبرلمان ووقعوا المعاهدة. وعاجلته رصاصة أطلقها رجل مقنّع.

ولقد قتلوا شفيق بعد حياة حافلة عمل فيها سفيرا ووزيرا للخارجية ورئيسا للوزراء. والآن يعيش أبناؤه الأربعة وأحفاده العشرون في كل من باكستان وأستراليا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا. ومنذ اغتياله لم يتوقف إطلاق الرصاص، وحلت آلات القتل مكان التسامح.

وتثبت المؤلفة المصرية أسماء ثماني صحف ومجلات، منها ثلاث غير رسمية، بين عامي 1919 و1929، خلال حكم الملك أمان الله خان. وفي عهد الملك محمد ظاهر شاه صدر عام 1964 قانون النشر الذي يقول إنه “لكل أفغاني الحق في التعبير عن فكره… وأن يطبع أو ينشر دون إذن مسبق من أجهزة الدولة”. وصدرت 20 صحيفة حرة لا تتبع الدولة، و12 صحيفة لأحزاب وجمعيات.

وتؤكد زيدان عبر شهادتها عما رأته قبل أكثر من خمسين عاما كونها أول باحثة عربية تذهب إلى أفغانستان عام 1968 لدراسة الدكتوراه في الشعر الفارسي بكلية الآداب بجامعة كابول، وكانت تضم عشر كليات منها الطب والصيدلة والهندسة والاقتصاد والعلوم والآداب، أن ذلك هو وجه أفغانستان الآخر حتى بدايات سبعينات القرن الماضي، والتي كانت تتمتع بوجود برلمان حرّ منتخب، وكانت المرأة ممثلة فيه، كما وصلت المرأة إلى كرسي الوزارة، وعملت أستاذة بالجامعة وقاضية في المحاكم.

والآن غاب عن أفغانستان لقبها القديم “بلاد الشعر والورد والبلبل”، وصارت عنوانا للإرهاب العالمي، ورمزا للشر، وليس الإعلام الاستعماري وحده المسؤول عن تكريس هذه الصورة الذهنية.

6