محمد ناجي يرحل بعد سنوات من الكتابة في الألم والعزلة والنكران

الاثنين 2014/11/24
الكل عرفوا حجم الألم عند وداع كاتب موهوب وشريف وإنساني مثل محمد ناجي

استقبل الوسط الثقافي المصري خبر رحيل الروائي محمد ناجي بذهول، في الوقت الذي كان من المفترض أن يكمل فيه مشروع رواياته الجديدة التي بدأها ونشر بعضا منها على حلقات بصحيفة “التحرير المصرية”، وقد جاءت عودته إلى القاهرة منذ قرابة الشهرين ليطمئن قراءه وأصدقاءه في الوسط الثقافي على صحته، ثمّ يعود بعد ذلك إلى فرنسا ليستكمل علاجه.

خبر رحيل محمد ناجي له ردّة فعل كبرى في الوسط الثقافي، إذ أنه كاتب استهواه الابتعاد عن أضواء الشهرة والشللية الثقافية، لينجز مشروعه الإبداعي دون ضجيج. رحل ناجي، بعدما قدّم للرواية العربية أيقونات مثل “خافية قمر”، “والعايقة بنت الزين”، و”الأفندي” التي ستظل خالدة في سماء الإبداع العربي.


سعيد بعزلته


يقول القاص صابر رشدي: «ناجي شأن كبار الكتاب في كل أنحاء العالم، نأى بنفسه بعيدا، ارتضى ركنا بسيطا يطل منه على العالم وحيدا ومنسجما، سعيدا بعزلته،لا شيء يستطيع اختراق عزلة الكائن التي ارتضاها لنفسه، لم تخايله الشهرة اللعوب، أو السعي وراء المناصب والموت كمدا لتجاهل الجوائز لكتاباته الرفيعة. كان كالطيب الطيب في حياتنا الثقافية، لا تشعر بوجوده. ولكنه كان أقرب إلى زلزال عندما يصدر له عمل.

كنا ننتظر رواياته ونتلقفها فور صدورها ونبدأ الحديث عنها في جلساتنا الصغيرة. فهو لا يقوم غالبا بعقد حفلات توقيع أو مناقشة أعماله في الأماكن المعروفة والمخصصة للأدب. لقد فعل ما عليه أن يفعله الكبار: لقد كتب، والبقية لا تهمه.

كاتب يستقي من التراث، ويخلطه بزمننا الحالي في لغة راقية نادرا ما تجدها الآن، وبعيدا عن ألفاظ تدمير اللغة

إنها إجراءات لا يجيدها، مثلما يجيد إنشاء الروايات الجميلة. مع “العايقة بنت الزين” تأكدت من أنه لدينا قامة كبرى، علينا دائما أن ننتظر أعماله بشغف، وإضافتها إلى الروائع المفضلة».

ويتحدّث عنه الروائي شريف صالح قائلا: «إذا أخذنا بتاريخ ولادة ناجي عام 1946 فهو ينتمي إلى “أكذوبة جيل الستينيات”، وما أعنيه بالأكذوبة هو أن صك ذلك المصطلح والترويج له، أضاء على نحو مبالغ فيه على حفنة من الأسماء، وعتّم على أسماء أخرى لديها مشاريع مهمة، مثل عبدالحكيم قاسم، أو صبري موسى، أو محمد ناجي نفسه.

وعلى الرغم من عمله في الصحافة إلا أن ناجي لم يعتبرها بوابة لتحقيق المصالح والشهرة وخدمة نفسه، بل قرأت ذات مرة عن تجربة سفره للعمل في الصحافة الخليجية، وكيف لم يتحمل المسّ بكرامته فأنهى التعاقد سريعا».

يضيف قوله: «اعتداد ناجي الشديد بنفسه فرض عليه عزلة اختيارية، وتقنين التواصل، وهو ما يتضح في ندرة المعلومات عنه والصور، والمشاركة في المهرجانات واللقاءات الصحفية، ولا أدري ما هو الآن شعور من حرموه من الجائزة التشجيعية، وكان يستحقها بجدارة، حتى جائزة “التفوق”، التي نالها عن استحقاق قبل أشهر، جاءت متأخرة، وتحت وطأة الإحساس بالذنب، والتعاطف مع مرضه على الأرجح».

شريف صالح: محمد ناجي ينتمي إلى أكذوبة الستينات التي عتمت عليه

ويواصل «ناجي مثل كبار الكتاب في مجال الأدب، يعمل في صمت مع وعي تام بممكنات السرد الروائي ولغته ونسيجه، ليشيد عالما فريدا خاصا به، غير خاضع للهفة النشر السنوي ولا “سبوبة” الجوائز.

ومثلما واجه في حياته العملية فسادا كبيرا كي يُبقي قلبه بسيطا نقيا، واجه بالشجاعة ذاتها مرضا قاسيا، وأثبت بأن الكاتب العربي يمكن أن يعيش شريفا محترما لا يتملق سلطة، ولا يبحث عن المال والشهرة بأيّ ثمن، بل يبدع بمزاج وأصالة، ويترك بصمة لا تمّحي. لذلك أتصور أن أعمال ناجي القليلة ستظل قادرة على البقاء أكثر من عشرات الأعمال التي كتبها مجايلوه».


رحيل هادئ


يقول المترجم طاهر البربري: «صفعني الصباح بنبإ وفاة محمد ناجي، فمرت أمام عيني بسرعة “العايقة بنت الزين”، و”خافية قمر”، و”لحن الصباح”. توجعت قليلا لكنني اندهشت لوجعي: وماذا تنتظر؟ أن تعود إلى بلادك بعد سنوات الغياب، لتجد الناس كما تركتهم هناك ينتظرونك في أماكنهم المعتادة؟ كلنا نمضي بعد سنوات الألم والكتابة بعيدا عن الأماكن والبلاد التي توجعنا فيها ومن أجلها.

رحل محمد ناجي بهدوء دون ضجيج، تماما كما عاش بيننا لا يكترث بشيء سوى الكتابة، الكتابة فقط، بكل ما تمنحه من انتشاء ومحبة للعالم والحياة. رحل ناجي؟ آه، نعم، لقد رحل ناجي، ومن قبله يوسف أبورية، وعفيفي مطر وحلمي سالم، وقبلهم بسنوات طويلة رحل إبراهيم فهمي، ولا عزاء للجميع سوى سرّ دقات الورق في بلاد لا تحترم الأعلام من أبنائها، وتضن عليهم حتى بعلاج قد يعفيهم من قصف أعمارهم قبل الأوان».

يضيف: « قبل سنوات قرأت لناجي حوارا مع الشاعر جمال القصاص في صحيفة الشرق الأوسط، من لحظتها أدركت أن ناجي يلملم أوراقه ويمضي، لكنني حتى مع هذا الوعي، لم أستطع أن أوقف زحف دموعي حين طالعت خبر وفاته في الزاوية الافتراضية التي أعيش فيها، كي أتابع أخبار من أحب في مصر. لم أستطع شيئا فقط قلت: مع السلامة يا ناجي».

الروائي محمد ناجي
الكاتب محمد ناجي، ولد في محافظة الغربية بدلتا مصر عام 1946، بدأ حياته الأدبية بكتابة الشعر ثم تفرّغ بعد ذلك لكتابة الرواية في التسعينات، وبدأ حياته الروائية برواية “خافية قمر” التي ترجمت إلى اللغة الإسبانية، وحظيت بقبول وانتشار واسعين في الأوساط الأدبية بمصر، لتتوالى إبداعاته الروائية فيما بعد مثل “لحن الصباح”، “مقامات عربية”، “رجل أبله، وامرأة تافهة”، “العايقة بنت الزين”، “الأفندي”، “ليلة سفر”، و”قيس ونيللي”، وله قيد الطبع روايات “سيدة الماسنجر”، “البوليتيكي”، “ذاكرة النسيان”، و”سيد الوداع”.

حصل ناجي على عدد من الجوائز الأدبية، التي جاءت تتويجا لجهوده في إثراء الحياة الثقافية، بأعمال تركت بصمة في عالم الأدب والإبداع، حيث حصل على “جائزة التميّز” من اتحاد كتاب مصر عام 2009، فضلا عن “جائزة التفوق” في مصر عام 2013 عن مجمل أعماله الروائية.

الكاتب الصحفي والروائي محمد مستجاب الله يقول:«لقد فقدنا قيمة وقامة كبيرة، له عندي مقال لا ينسى عن رواية “خافية قمر”، كتبه مستجاب في بوابته بأخبار الأدب “جبر الخاطر”، ومنذ تلك اللحظة وأنا أتابع أعماله حتى روايته “الأفندي” التي صدرت منذ فترة بمشروع مكتبة الأسرة، إذ الفعل الإبداعي شيء وما يحدث شيء آخر، الأخطر من كل ذلك هو عدم قدرة الحركة النقدية عن متابعته، لماذا؟ لأنه ليس له شلة، هو صاحب كتابة حقيقية في زمن غير حقيقي».

يواصل قوله: «رحم الله أستاذنا الكبير، خسرت الرواية أحد أعمدتها رغم قلة أعماله، إلا أنه كان بديعا في أن يستقي من التراث، ويخلطه بزمننا الحالي في لغة راقية نادرا ما تجدها الآن، وبعيدا عن ألفاظ تدمير اللغة، فلا تفهم شيئا، لأن المعمار اللغوي في الأساس هو “وجبة” توضع في وعاء لغوي، أمّا الحفر في إرث التراث فليس هذا بالهين، وقليلون من نجحوا فيه».

أمّا الروائي مصطفى البلكي فيؤكد: «إن محمد ناجى كاتب حينما تقرأ أعماله، تشعر بأنك أمام قصيدة نثر، فهي دائما تقودك إلى زمن إنساني، لا يعتمد على الحبكة، منذ روايته اﻷولى التي استعرتها من الروائي الكبير زكريا عبدالغني، وهي “خافية قمر” وبالمصادفة هي عمله اﻷول، وجدت نفسي، أنا الذي بدأ رحلته مع اﻷدب، أمام نموذج مختلف، رواية تتجاوز في البناء وطريقة الحكي السائد، هو ينطلق من الواقع في أعماله، ومن تلك اﻷرضية، ينطلق بك في فضاء يخصه هو، لا يترك عقل القارئ، لكنه يجعله في حالة حركة دائمة. بعدها أصبحت شغوفا به وبكل ما يكتب. بحثت عن أعماله، وقرأت: مقامات عربية، “العايقة بنت الزين،” الأفندي”..».


ناجي الإنسان الموهوب

طاهر البربري: ناجي عاش بيننا لا يكترث بشيء سوى الكتابة


نعى العديد من الأدباء المبدع الراحل على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما الفيسبوك، حيث كتب الروائي أحمد الخميسي على صفحته «”يظل حزني عليك ينزف في ترابي” هي عبارة من “ذاكرة النسيان”، آخر ما كتبه الراحل النبيل الشاعر الروائي محمد ناجي الذي غادر عالمنا اليوم عن ثمانية وستين عاما. الذين تعرفوا إلى روايات ناجي المذهلة، وإليه إنسانا، يعرفون حجم الألم عند وداع كاتب موهوب وشريف بقدر وحجم ما يعرفون إنسانية ناجي. “يظل حزننا عليك ينزف” يا محمد. وداعا أيها النبيل، وداعا إلى ملتقى».

كما عبّر الشاعر فريد أبوسعدة، عن حزنه لرحيل الروائي محمد ناجي قائلا «وداعا محمد ناجي، الأخ والصديق الحميم، والروائي الرائع، بلغ أحباءنا السلام وقل لهم طال احتضارنا هنا، ولكننا سنلتقي، وإنا لهم لمشتاقون».


خافية قمر


في حين لجأ الأديب صبحي موسى إلى الحديث عن بدايات معرفته بالروائي الكبير محمد ناجي، وكيف بدأ تأثره بما يكتب قائلا «لم أكن أعرف محمد ناجي رحمه الله، ولم أكن قرأت له من قبل، وفي يوم نزلت من مبنى قصور الثقافة رفقة الدكتور أحمد الخميسي، فدخلنا إلى مكتبة دار الهلال، اشترى كل منا ما يريده، لكن الخميسي نظر إلى كتاب على الرف وأشار نحوه قائلا “هل قرأت خافية قمر؟” فقلت لا، ولم ينتظر، فمدّ يده والتقطه من مكانه قائلا لا بدّ من قراءته، ويومها أصرّ على دفع ثمنه كهدية منه».

ويستطرد في روايته عبر الفيسبوك «حين عدت إلى البيت أخذت في قراءتها، فإذا بي أمام كاتب لا يعتمد على إعادة إنتاج الأسطورة الشعبية، ولا يتماسّ معها، ولا يلجأ إلى التاريخ كي يستوحي أسطورته منه، لكنه يخترعها كاملة، ووجدتني أمام رواية عالمية بكل معنى الكلمة، ولم يمرّ كثير من الوقت حتى صدرت لناجي الذي فتنت به رواية “العايقة بنت الزين”، تلك التضفيرة التاريخية الأسطورية الشعبية البسيطة المحكمة، فكتبت عنها، وتأكد وقوعي في أثره ككاتب، وسرعان ما بحثت له عن “مقامات عربية”، وسرعان ما صدر له من الهلال أيضًا “نور الصباح”، و”رجل أبله، وامرأة تافهة” فكتبت عنهما».


مرض لعين


روايات محمد ناجي تتجاوز البناء وطريقة الحكي السائدة، هو ينطلق من الواقع ويجعل عقل قارئه في حالة حركة دائمة

أما الكاتب عمار علي حسن فقد نعى الأديب الراحل قائلًا «خبر موتك يليق بك، فقد تلقيناه والفجر يدق الأبواب، جليّا نديّا صفيّا كنفسك الرائقة. لم أبكك فقد كنت أعرف ألمك الذي حجزك إباؤك من أن تصرخ به في وجه مرض لعين سكن كبدك الذي أرهقته السنين، وفي وجه أمراض ألعن رماها في وجهك كل أولئك الذين سعوا بغير حق ولا ورع إلى أن يجعلوك من سكان الهامش البارد فتقعد مذموما محسورا، لكن خاب مسعاهم، فمحبوك ومقدرو ما خطه بنانك يعرفون مكانك ومكانتك، وموقعك الحقيقي في دنيا الساردين».

واستطرد عبر صفحته على الفيسبوك «مات محمد ناجي الروائي الإنسان، والإنسان الذي ولد ليروي، وفي رأسه ووجدانه كثير مما لم يحكه لنا بعد، رغم أنه قد سرد علينا ما لا ينسى: “خافية قمر” و”مقامات عربية” و”سفر” و”لحن الصباح” و”الأفندي” و”العايقة بنت الزين” و”رجل أبله، امرأة تافهة” و”قيس ونيللي” وأنشد فينا ديوانه البديع الوحيد: “تسابيح النسيان”».

وحكى عمار علي حسن عن لقائه الأخير بناجي قائلا: «التقيته في عودته الأخيرة للقاهرة، كان متعبا والألم يطل من عينيه، لكن روحه الجسورة خبّأت الوجع خلف جدران إرادته الصلبة، فرن صوته بضحكات مفعمة بالأمل، وحدثني عن الرواية التي يكتبها الآن في أوقات تتبادله بين شقة ضيقة وسرير أبيض في باريس، حدثني ورأسه مشغول بإبداع جديد، يريد أن يسابق الزمن حتى يتركه وديعة لنا، لكن يد القدر لم تمهله، وأوقفته عند حدّ لن يضنيه، فقد كتب وكفى، لكنه يضنينا نحن لأننا حُرمنا من نعمة الاندهاش التي كانت تنتابنا ونحن نقرأه».

في السياق ذاته، نعى وزير الثقافة المصري جابر عصفور وجميع العاملين بالوزارة الروائي محمد ناجي، وتقدّم عصفور بالعزاء إلى أسرة الفقيد والمثقفين في العالم العربي، كما تولت وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة الدفاع نقل جثمان الفقيد من فرنسا إلى مصر.

15