محمد نجيب يخرج من الظل بطلا لاستشراق عربي

الديمقراطية مدخل يغري بالتقاط تعليق من الفيسبوك، وسطر من تغريدة وإعادة لكلمة كتبها موتور يعلن انتصاره على جثة عبدالناصر.
الأحد 2019/08/04
مجلس قيادة الثورة (يوليو 1952)

في نوبة استشراقية متأخرة، اكتشف مثقفون عرب وجود محطة تحمل اسم محمد نجيب، في مترو الأنفاق بالقاهرة منذ أكتوبر 2000. وربما فاجأتهم الأخبار، في يوليو 2017، بإنشاء قاعدة محمد نجيب العسكرية في أقصى الساحل الغربي لمصر. واعتبروا ذلك تكفيرا عما يحسبونه خطايا لضباط ثورة 1952 في حق الرجل.

يمكن تفسير هذه الرؤى الأحادية في ضوء نظرية الإسقاط في علم النفس، وهي حيلة لا شعورية يدافع بها الشخص عن نفسه، أولا بإنكار إحدى صفاته وخيبات أمله وتاريخه الشخصي أو تاريخ بلاده في الاضطهاد، وثانيا بإسقاط هذه المشاعر المكبوتة على الآخر.

لكن الآخر، إذا كان مصريا، يسيء إليه هذا الإسقاط، ويسمو على مثل هذه المقارنة؛ فالمصري مثلا يُستثنى من ارتكاب جريمة التصفية الجسدية للخصوم السياسيين، ويستغني عن القتل السياسي بإجراءات منها الاعتقال وتلفيق الاتهامات، والمكايدات، والسباب الصريح والضمني، أو فصل الخصم من العمل فيعيده حكم قضائي، فيضايق أهله لإجباره على الإذعان. ولا يصل الأمر إلى النفي أو التصفية، ولنقارن المشهد المهيب لوداع الملك فاروق، في خروجه النهائي من مصر، بنهايات دامية لغيره.

ويصعب على مصري، إلا إذا كان مسطّحا وقحا أو باحثا متخصصا، أن يفتي في حدث مفصليّ لبلد عربي، وأن يصدر حكما على رموزه. ليكن استقلال تونس عام 1956، وبطله الحبيب بورقيبة الذي يحظى بما يشبه الإجماع في بلاده، باستثناء أصوات قليلة. قال لي مترجم تونسي إن «المجاهد الأكبر» رجل غامض، ليست له جذور في المنستير، عميل صنعته فرنسا بطلا، ثم صدّرته إلى تونس.

ولتكن أيضا الثورة الجزائرية، والمصائر التراجيدية للبعض من قادتها، رفاق كفاح الأمس، بعد أن أصبحت الثورة دولة والثوار الذين فاتتهم الشهادة حكاما. وكذلك ما جرى بالعراق في 14 تموز (يوليو) 1958، وبطله عبدالكريم قاسم، وقد قرأت عنه الكثير، واستمعت إلى أصدقاء يرفعونه إلى مكانة الزهّاد، ويراه آخرون عسكريا دموي النزوع. وتتباين الرؤى في ضوء المرجعية الدينية أو المذهبية للمتحدث، ولي أصدقاء مندائيون يرون فترة الحكم القصيرة لقاسم مثالا. ولهذا أتفادى وصف ما شهده أي تموز عراقي، في 1958 أو 1968، بالثورة أو الانقلاب.

الحركة المباركة

أنأى عن تموز العراقي، وأجرؤ على وصف تموز المصري، 23 يوليو 1952، بالانقلاب، هكذا أطلق عليه الضباط الأحرار، ثم غيّروا المصطلح إلى «الحركة المباركة». وحسم طه حسين الأمر، بعد أسبوعين، في 5 أغسطس بصحيفة «البلاغ»، بمقال عنوانه «ثورة مصر في عيون غربية».

ثم نشر في الأهرام، 7 فبراير 1953، مقال «ثورة حية وحياة ثائرة». وفي 10 أغسطس 1957 كتب في صحيفة «الجمهورية» مقالا عنوانه «الناصريزم» عن إصابة ساسة الغرب بداء مصري «ففي قلوبهم مرض هو بُغض جمال عبدالناصر، وفي عقولهم مرض هو اتهام جمال عبدالناصر بكل شر… الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها حتى أخرجت بعض الكتاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان… ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان». وهما صفتان تليق إحداهما على الأقل بالبعض من المثقفين العرب إذ يحلو لهم، الآن في عام 2019، اتهامٌ استشراقي للثورة بأنها سجنت محمد نجيب أول رئيس مصري، عقابا له على إيمانه بالديمقراطية، وإصراره على عودة الضباط إلى ثكناتهم، وإنهاء حكم عسكري تعاني منه مصر إلى الآن، ولا يبدو الخلاص منه قريبا.

الديمقراطية مدخل يغري بالتقاط تعليق من الفيسبوك، وسطر من تغريدة تويترية، وإعادة لكلمة كتبها موتور يعلن انتصاره على جثة عبدالناصر. ومن هذا النثار الإلكتروني تدبّج مقالات توصف بما كان يطلق عليها قديما «كلام جرايد»، أي أنه يعامل باستخفاف ولا يؤخذ بجدية.

بعض المثقفين يحلو لهم، الآن في عام 2019، اتهام ضباط ثورة يوليو بأنهم سجنوا محمد نجيب أول رئيس مصري، عقابا له على إيمانه بالديمقراطية، وإصراره على عودة الضباط إلى ثكناتهم، وإنهاء حكم عسكري تعاني منه مصر إلى الآن، ولا يبدو الخلاص منه قريبا
بعض المثقفين يحلو لهم، الآن في عام 2019، اتهام ضباط ثورة يوليو بأنهم سجنوا محمد نجيب أول رئيس مصري، عقابا له على إيمانه بالديمقراطية، وإصراره على عودة الضباط إلى ثكناتهم، وإنهاء حكم عسكري تعاني منه مصر إلى الآن، ولا يبدو الخلاص منه قريبا

في قضية محمد نجيب وعلاقته بثورة 1952، من اللقاء إلى الطلاق، سأكتفي بمرجعين يصعب اتهام أي منهما بالانحياز إلى عبدالناصر: الأول شهادة الرائد خالد محيي الدين، من موقع الشريك المتصالح مع ضميره، ولم يندم على دفع ثمن خلافه مع عبدالناصر. والثاني كاتب فرنسي من عائلة جاءت إلى مصر في القرن التاسع عشر، ولد عام 1946 في القاهرة، وغادرها عام 1963 حتى عام 1984، وصدر كتابه بعد 45 عاما على الثورة، وليست له مصلحة في مجاملة عبدالناصر، أو عداء محمد نجيب.

في قائمة رؤساء مصر يستبعد رئيس مجلس الشعب صوفي أبوطالب، الرئيس المؤقت عقب اغتيال أنور السادات في أكتوبر 1981، ورئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور المعيّن رئيسا بموجب إعلان 3 يوليو 2013. فهل يمكن إدراج محمد نجيب في هذه القائمة القصيرة؟ لم يكن الرجل رئيسا منتخبا، وفرض الظرف السياسي على ضباط شبان، متوسط أعمارهم 34 عاما ولا يعرفهم الشعب، أن يأتوا برمز يتمتع بمكانة في الجيش ورصيد جماهيري في الشارع. عيّنوه رئيسا ثم عزلوه، وبين التعيين والعزل تفاصيل درامية ملخصها الصراع على السلطة.

 لا يحتاج خالد محيي الدين إلى القول إن دفاعه عن الديمقراطية انتهى باستقالته من مجلس قيادة الثورة. وفي كتابه الصادر عام 1992 «.. والآن أتكلم» يسجل أن أول خلاف بين رجال الثورة بدأ في يومها الخامس، 27 يوليو اليوم التالي لخروج الملك فاروق. فاجأهم مأزق خلوّ الدستور من مادة تخص إمكانية تنازل الملك عن العرش، وقد تنازل الملك لابنه الرضيع الأمير أحمد فؤاد.

ويتضمن الدستور حالتيْ المرض والوفاة، وكان الحل في دعوة البرلمان لإقرار الوصاية على العرش، ثم حله. وساوى مستشارو مجلس الدولة بين التنازل عن العرش والوفاة. وأراد عبدالناصر «دعوة مجلس النواب ثم حله. ودعوة الناخبين لانتخاب مجلس جديد وفق أحكام الدستور خلال ستين يوما». وأمام اعتراض ضباط المدفعية على تسليم السلطة، «حاول عبدالناصر أن يفهمهم أننا التزمنا أمام أنفسنا، وأمام ضباط الجيش، وأمام الشعب، باحترام الدستور، واحترام الحياة النيابية، لكنهم تكاتفوا ضده، ووجد عبدالناصر نفسه وحيدا».

فإذا كان هذا موقف ضباط شبان، فماذا رأى الفقهاء الدستوريون؟ يجيب خالد محيي الدين بأنه «دهش، إذ وجد أساطين القانون الدستوري، والذين طالما تحدثوا عن الدستور والبرلمان كانوا يستحثون الضباط ويحرضونهم على تأجيل الانتخابات… ومن ثم تأجيل قضية الديمقراطية. وللتاريخ أسجل أن الدكتور عبدالرزاق السنهوري وسليمان حافظ وعلي ماهر كانوا جميعا يحرضون الضباط على تجاهل الدستور والبرلمان… كانوا يحرضون زملائي في القيادة على عدم الاعتداد بالدستور أو الديمقراطية أو الانتخابات… والإخوان المسلمون كانوا يشجعون هذا الاتجاه… وحرضوا ضد الحياة النيابية والأحزاب السياسية».

أزمة دستورية

وجد محيي الدين نفسه وحيدا «تماما، حتى محمد نجيب كان يقف معهم ضد أي توجه ديمقراطي… كان في هذه الفترة من أكبر المتحمسين لانفراد مجلس الثورة بالسلطة، كل السلطة». ومع إعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953 «تقرر أن يكون نجيب رئيسا للجمهورية»، بعد أن كان رئيس مجلس قيادة الثورة (السلطة العليا)، ورئيس مجلس الوزراء (السلطة التنفيذية)، والقائد العام للقوات المسلحة. قاوم نجيب «بشدة مسألة إعلان الجمهورية»، وكان يفضل مدّ الفترة الانتقالية، «ولم يتحدث عن الديمقراطية إلا في ما بعد، أي عندما بدأ يفقد سلطته».

ومع تصاعد الخلاف حول الصلاحيات بين نجيب ومجلس قيادة الثورة، سافر نجيب إلى النوبة واصطحب محيي الدين الذي قال «ذهلت من الأبهة الخرافية، فالقطار الملكي بفخامته أصبح قطار رئيس الجمهورية». وكتب أنه فهم، في رحلة النوبة، أن الخلاف بين الطرفين على السلطة وليس على موقف، وأنه طرح في الرحلة على نجيب «أن يتبنى معي قضية الديمقراطية وعودة الحياة النيابية والانتخابات»؛ ليكون للصراع بعدٌ سياسي.

تلك الرحلة كانت كاشفة تماما. في مذكرات أحد الضباط الأحرار هو عبدالمحسن أبوالنور أول قائد للحرس الجمهوري عام 1953، وقد صاحب محمد نجيب في رحلة النوبة، إشارات دالة على سيكولوجية نجيب الذي كان يسب صلاح سالم وزير الإرشاد المسؤول عن الإعلام؛ لأنه «لم يكن يذيع خطبه بالكامل، وكان نجيب يطلب إذاعتها في كل نشرة من نشرات الأخبار ولكن صلاح سالم كان يذيع الفقرات المهمة منها»، وكان نجيب يمطر أهالي النوبة بالقبلات، ويحمل أطفالهم ويقبلهم، ويطلب «من مصوري الصحافة تصويره في هذه الأوضاع اللافتة للانتباه بشكل يدعو للدهشة والاستغراب!».

وقبل أن تصل السفينة النيلية، طلب إلى الضابط النوبي حسن أحمد إعداد خطبة باللغة النوبية، مكتوبة بحروف عربية، وأمام الجموع «خلع الكاب ووضع الورقة التي فيها الخطبة داخل الكاب ووقف أمام ميكروفون على سطح السفينة يتلو الخطاب».

يفسر أبوالنور الخلاف بين نجيب والضباط الأحرار بفارق السن والرتبة العسكرية، إذ كان برتبة لواء، وبقية أعضاء مجلس الثورة بين مقدم ورائد، ولا يزال مستقرا في نفسه أن عليهم الموافقة على رأيه، وأصبح صعبا عليه أن يتقبل أنهم أصبحوا متساوين، ورأى في اختلافهم معه «تمردا على قيادته».

حتى فبراير 1954، استبعد المجلس ومحمد نجيب فكرة الديمقراطية. وقدّم نجيب استقالته وقبِلها الضباط وفوجئوا باستهجان شعبي، فأقنعه محيي الدين بالعودة رئيسا بصلاحيات شكلية، وفي مارس 1954، حاول كسب المزيد من الصلاحيات، ولم يعد يثير قضية الديمقراطية، حتى أعفي من منصبه في نوفمبر 1954. أما خالد محيي الدين فاستقال في 1954، وغادر مصر.

أعفي نجيب وحدّدت إقامته، وأصبح ماضيا، ومصر تتلمس الطريق إلى المستقبل، عبر معارك سياسية وعسكرية مصيرية، قبل إجلاء قوات الاحتلال البريطاني في 18 يونيو 1956، ومع عودتها السريعة لاحتلال البلاد بعد أربعة أشهر. وفي غبار المعارك يصعب التفكير بأعصاب هادئة مع أي تصوّر لعودة هذا الماضي، فأين كان محمد نجيب، وسط دخان المعارك؟

من باريس تأتي إجابة، أو مشروع إجابة. ففي عام 1997 صدر للفرنسي روبير سوليه كتاب «مصر: ولع فرنسي»، ترجمه لطيف فرج وصدر عام 1999. وفي فصل عنوانه «ثورة باللغة العربية» وصف لعبدالناصر بأنه «الخطيب منقطع النظير، يرى الشعب نفسه كأنه هو الذي يتحدث». ثم استعرض حملة الساسة والصحافيين على «هتلر النيل»؛ لتأميمه القناة في يوليو 1956، وتوعد رئيس الوزراء الفرنسي جي موليه بعدم ترك «جريمة دولية» بلا عقاب، و«السبب في حرب الجزائر هو عبدالناصر؛ والتخلص من عبدالناصر سيضع نهاية لحرب الجزائر».

وعقد اجتماع ثلاثي سري (فرنسي بريطاني إسرائيلي) بمدينة سيفر الفرنسية، تمهيدا للعدوان الثلاثي في 29 أكتوبر 1956، وعشية العدوان أرسل جي موليه مبعوثا سريا هو جاك بييت لمقابلة محمد نجيب، واقترح عليه «الحلول محل عبدالناصر». واستمع إليه نجيب، وأعلن «استعداده لتشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء مفاوضات مع إسرائيل لعقد سلام دائم معها، لكن بشرط حصوله على موافقة البريطانيين».

بماذا تسمي الاتفاق مع من يغزو بلدك؟ لم يعتقل نجيب، وإنما حددت إقامته في أحد القصور بإحدى ضواحي القاهرة، محتفظا بسيارته وسائقه ومعاشه الشهري وصحته التي ظلت جيدة حتى وفاة زوجته في ديسمبر 1970، فدخل في اكتئاب.

 وبعد فشل المقامرة، غيّر القهر رواية نجيب للثورة. ومع الردة الساداتية على ما يمثله عبدالناصر، أطلق على مجلس قيادة الثورة «الضباط الأشرار»، وكان في عام 1955 قد أملى مذكراته بعنوان «مصير مصر» على الصحافي البريطاني لي رايت، وسجل شجاعة عبدالناصر حين قابله في الفالوجة بفلسطين، بعد إصابته «خلال المعارك، وكاد يموت وبمجرد تعافيه رفض أن يعود للقاهرة، وصمم على العودة لميدان القتال». وفي عام 1984 أملى نجيب مذكراته بعنوان «كنت رئيسا لمصر»، وفيها اتهام لعبدالناصر بأنه لم يحارب «كما ادعى ولكنه ظل طوال المعركة في خندقه لا يتحرك».

في ظل ثورة تتعرض لمؤامرات، وليس في المصطلح المستهلك والمبتذل أي مبالغة، هل كان هناك إجراء أقل من تحديد الإقامة؟ بما يعني العزل السياسي لا الاجتماعي الذي يسمح لنجيب بالخروج والمشاركة في مناسبات عائلية، منها خطوبة اللواء حسن سالم ابن شقيقته، عام 1963. لم يمس الأسرة ضرر، ولم يحرم ابن الأخت من الترقي إلى رتبة لواء في الجيش. ولعل الصورة الآن تكون قد قاربت على الاكتمال.

7