محمد نعمان الحكيمي: شاعر يصطاد القوافي

مازال الشاعر العربي قادرا على اجتراح مدارات جديدة له يطمح من خلالها إلى القفز نحو مدارات أخرى إبداعية تتجاوز الزمن والأمكنة. ولعل الشاعر العربي يظل الأكثر اشتغالا بين الشعراء في محاولة منه لاختراق أشياء العالم من خلال نزعته الرومانسية والصوفية التي مازالت تمثل رافدا إبداعيا للعديد من الشعراء العرب. “العرب” التقت الشاعر اليمني محمد نعمان الحكيمي حول مجموعته الشعرية الأخيرة للحديث عن عوالم الشعر الصوفي وتجربته الشعرية المختلفة.
السبت 2016/08/06
قصائد من موسيقى التصوف والحياة (لوحة للفنان طاهر عبدالعظيم)

يتمتع الشاعر اليمني محمد نعمان الحكيمي، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، بالقدرة الفائقة على التقاط الصورة ضمن دائرة متوترة، تحركها بعيدا عن حالتها الأولى، إذ يشتغل الشاعر في نصوصه على التفاصيل الدقيقة و”البوح للعالم بما جاءت به متأخرة هذه الكائنات النشيطة”، كما يقول لـ”العرب”.

الاحتفال بالشعر

يعد الحكيمي من أهم التجارب الشعرية في اليمن، حيث رفد المكتبة الشعرية بالعديد من الدواوين التي حملت بصمته الإبداعية الخاصة بدءا من “بوابة الشجن” الصادر عام 2004 عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمينين، مرورا بـ”سدرة أزال” 2007 و”شغاف يتداعى”، وصولا إلى ديوانه الشعري الجديد “متأخرات وادي النمل” الذي صدر عن دائرة الثقافة والإعلام.

مجموعة “متأخرات وادي النمل” صدرت مؤخرا عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة (2016)، تتصدرها توطئة للناقد عمر عبدالعزيز، الذي لم تتوقف مساهمته عند التقديم فقط بل رسم بنفسه لوحة الغلاف أيضا، استنادا إلى روحية النص الشعري الطافحة.

المجموعة الشعرية هي السادسة في مسيرة الشاعر وتعدّ أنضج تجاربه. وحول ما يميّز تجربته الشعرية بين أقرانه من أبناء جيله في اليمن، يقول الشاعر “ما يميّز منتجي الشعري الجديد ‘متأخرات وادي النمل’ هو الاحتفال بالشعر والميل إلى قواف نادرة أو قليلة الشيوع ونصوص مختصرة في الواقع. لقد أردت أن أكون مغايرا، ولو إلى حدّ ما، وأنا أمتطي صهوة القصيدة العمودية، ومعروف أن الشعراء يطرقون القوافي الشائعة كي تطول نفوسهم، ولكنني آثرت أن أقتنص القوافي الشاردة والنافرة وأكون صيادا للبروق الشعرية وزنا وقافية وفكرة وصورة وموضوعا”.

ويسترسل الحكيمي في وصف أسلوبه الشعري الذي استخدمه في أحدث دواوينه، مضيفا “لقد وردت أربع قصائد برويين مختلفين، هما على حرفين نادرين في مجيئهما رويا وهما الذال والشين، كما وردت ثلاث قصائد على حروف قليلة الشيوع وهي التاء والصاد والهاء، ووردت سبع قصائد على حروف متوسطة الشيوع وهي الهمزة والجيم والحاء والفاء والقاف والكاف والياء”.

نصوص الحكيمي تستحوذ على القارئ وتسير به في فضاءات لم ترها عيناه من قبل

أما بقية القصائد فقد وردت على حروف استعملت رويا بكثرة. ويتابع “أكثر ما اشتغلت عليه في هذه المجموعة الشعرية هو محاولة استعمال حروف غير مستعملة كروي، فإن بحثت مثلا عن استعمال روي الشين وتصفحت حتى ما روي من شعر لامرئ القيس، فلن تجد قصائد مبنية على هذا الروي. وحسبي أيضا أن أكتب قصيدتين على روي الصاد في الوقت الذي لو تصفحنا حتى ديوان النابغة الذبياني، فلن نجد شعرا على روي الصاد”.

بصيرة التأويل

أصدر الشاعر الحكيمي ديوانا باللغة الإنكليزية، وعرف في الوسط الثقافي اليمني بانحيازه إلى التصوف شعرا، والذي كتب فيه قصائد عديدة، ويتحدث محمد نعمان الحكيمي عن دور الرافد الشعبي في تشكيل ثقافته، فيقول “أنا ابن الريف لفترة ليست قصيرة من عمري، ومن رافد عربي، فأنا عاشق للغة والحضارة العربية، كما أن الرافد الإسلامي يحضر في قصائدي، فأنا شاعر يحاول أن يلج عالم التصوف ويشهد تجلياته، أما عن ترجمة القصائد إلى اللغة الإنكليزية، فأنا متخرج عن دراسات إنكليزية. ولكن ما يهمني هو أن أكتب بإحساس الشاعر وتفكير الناقد، على حدّ اعتقاد الشاعر والناقد اليمني عبدالرحيم الكليبي”.

ويصف العديد من النقاد نصوص الحكيمي بأنها تستحوذ على القارئ وتسير به في فضاءات لم يطأها من قبل، فضاءات واسعة يجتمع فيها الأدب والتصوف وفلسفة الفكر المتطلع إلى ما وراء الأشياء، حيث يقول الشاعر السوري محمد إبراهيم الحريري إن الدخول إلى حرم النص يحتاج فكرا وقدرة على السير في بحر المعرفة من ضفة الألم حتى منتهى الطمأنينة، وإن الرؤيا الشعرية لها قدرة على تأليب المشاعر وقلب موازين الرؤية، ومن خلال الكلمات يحصن القلم رؤياه، أو يضعها أمام بصيرة تخترق التأويل إلى الحقيقة التي أعلن عنها شاعرنا محمد نعمان الحكيمي في ديوانه “متأخرات وادي النمل” على ملأ من القراء بقوله “إن القصيدة خلفها سبعون نصا”.

وكما كتبت الناقدة اعتدال الكثيري، فقد أرسى الشاعر محمد نعمان الحكيمي أساسا للشعر يتجاوز الوجود إلى عالم الروح، حيث نجد في قصائده منذ ديوانه الأول هذا النفس الذي دعّمه الشاعر وبنى من خلاله سقفا من الرؤى الصوفية، بدا فيها تأثره بالتصوف من حيث هو منهج في الحياة، ومن حيث هو أسلوب في الخلق الفني تجلّيا في أروع صورهما، كما تقول الناقدة في دراستها لقصائد الشاعر.

ومن عوالم التصوف نتطرق مع الشاعر إلى علاقته بقارئه، وما يتمناه الشاعر من المتلقي عند قراءته للمجموعة ليختتم الحكيمي اللقاء بالقول “أرجو أن يتفهم المزن أمية الرمل”.

16