محمد ولد أمين: الرواية لعب مع الزمن

الأحد 2014/07/13
محمد ولد أمين: علاقة الموريتاني بالعرب علاقة معقدة

دمشق - الموريتاني محمد ولد أمين لا يكتفي بكتابة الرواية، فهو صحفي

ومحام، كما عمل وزيرا للاتصال، ثم مستشارا في رئاسة الدولة، هو شخص مثير للجدل دائما فيما يكتبه سواء من مقالات صحفية أو روايات، جعلته دائما موضع جدل علني مع غيره عبر صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية. كان لصحيفة العرب اللقاء التالي معه في حديث عن الكتابة والثورة ورؤيته للعالم.

أهدى ولد أمين روايته الأخيرة للمحامين، لأصحاب هذه المهنة التي يزاولها هو بنفسه وعن سبب ذلك يقول: “أهديت رواية “منينة بلانشيه” للمحامين الموريتانيين، لكل المحامين الموريتانيين لأنني أعتقد أن هذا السلك العظيم ظل رغم نواقصه بمثابة قلعة حصينة في وجه الشمولية والاستبداد. للمحامين قصة عظيمة في تأسيس هذه الدولة العجيبة، موريتانيا، الرئيس المؤسس الأستاذ مختار ولد داداه، وهو في تاريخنا خليط من غاندي ومن أتاتورك، كان محاميا درس الحقوق بباريس ولبس المسوح السوداء بمحاكم داكار وتفرغ لتشييد الأسس الحقيقية لهذا الكيان الذي انتظرناه منذ آلاف السنين.

وجلّ المؤسسين الذين كانوا معه هم من رجال القانون وقد تجلى ذلك في النسق الدستوري الذي تبعته الدولة الموريتانية كجمهورية، ومن يقول جمهورية لا يستطيع إغفال الشحنة المدنية فيها كبناء اجتماعي. وفي هذه الحالة أشفعت بشحنة دينية غير “تيوقراطية” وهي الإسلامية. الجمهورية الإسلامية عندنا ليست نزعة قومية كما كانت في باكستان وليست ذات توجه تيوقراطي كما حصل في إيران لاحقا. وإنما ميزة ثقافية جامعة لسكان هذه الجمهورية التي خرجت من حاضنة ملاقاة الغرب المستعمر بمجاميع من الأعراب والزنج أرادوا أن يعيشوا سويا في هذه الربوع ومنذ القدم. انهارت النخب الوطنية أمام سطوة العسكر في العقود الماضية وظل المحامي الموريتاني مستقلا في رأيه يرفض الخضوع والإذعان وهذا هو سبب إعجابي بهم . لقد كنت دوما أتمنى أن أصبح محاميا لكن الأقدار اختارت لي مهنة العمل الدبلوماسي والأكاديمي وأحيانا جعلتني السياسة عضوا في حكومات بلادي، ثم جاء الوقت والتحقت بهذا السلك العظيم وقد حصل ذلك بموافقة مكتب نقابة المحامين التي اعتبرت بالإجماع انضمامي إليها “إضافة نوعية” وقد فتحوا مكاتبهم أمامي واحتضنوني، لذلك أريد أن أرد لهم بعض جميلهم فأهديتهم عملي الأخير الذي استوحى شيئا من محنتهم المستديمة التي تتلخص في صراعهم المزمن مع القضاء والجبرية “.


أزمة انتماء


“منينة بلانشيه” اسم من لغتين، ويعكس أزمة الانتماء، ويرى ولد أمين أنه ما من أزمة في موريتانيا وفي المغرب العربي عموما، فمنينة كلمة عربية فصيحة وهو اسم بدوي معروف في جل الصحارى العربية وأساسه اللغوي المنة وهو اسم فاعل مؤنث ومثيله كثير كشكيرة من الشكر وجميلة من الجمال ..الخ . وبلانشيه اسم أوربي نالته منينة بحكم الزواج من فرنسي يدعى باتريك بلانشيه. ويضيف محدثنا لا أعتبر أن هناك أزمة بل هناك عقدة نقص ودونية لدينا، عموما في التاريخ العربي والمغاربي الماضي الكولونيالي أصبح بعيدا ولا مبرر لهذا النوع من عقد الضعف. أظن أن الوقت قد حان لدراسة تلك الفترة دون غلوّ ودون حقد وهي عموما ليست فترة سلبية إذ لا تخلو رغم كل ما يقال وما يكتب من لحظات إنسانية ثرية ومفيدة للجانبين بعبارة أخرى علينا أن نعترف بكل روافدنا الثقافية وأن نعتبرها من مصادر الثراء والتنوع”.

سلك المحاماة ظل رغم نواقصه بمثابة قلعة حصينة في وجه الشمولية والاستبداد، ولعل تأسيس هذه الدولة العجيبة، موريتانيا، كان بفضل المحامين


النضج العربي


وعن موقفه مما تمر به منطقة الشرق الأوسط بتغييرات هائلة وثورات وظهور تيارات جديدة، ومما يحدث على الصعيد الثقافي والخطاب الجديد الذي تؤسس له هذه الحركات يعلق محمد ولد أمين: “أعتقد أن الشرق يعيش بدايات نهضة عظيمة.. الديموغرافيا تؤكد أن مركز الثقل أصبح جنوب المتوسط وشرقه بعد أن ظل طويلا شماله. لديّ انطباع بالتفاؤل، فرغم تعثر التنمية في جل البلدان العربية ورغم سوء إدارة الحكم ورغم هدر الإمكانات فقد تجاوز العرب العوائق البنيوية بشكل لافت للانتباه، إن تزايد عدد الأطباء والمهندسين وتراكم الخبرات ورؤوس الأموال يمكنها أن تجعل من الدول العربية في مقدمة دول الجنوب، نتناسى جميعا أن العرب سنة 1967 كانوا غير قادرين على صناعة دراجة هوائية، نتناسى أن العرب مجتمعين هزمتهم إسرائيل مرات عديدة. من الناحية الثقافية أفرزت الخيبات العربية المتتالية هذا الفكر المتطرف والمحتقن الذي ولد في السجون وترعرع فيها. وهنا أسجل بارتياح تراجع التطرف والغلوّ عند كل تجربة ديمقراطية حقيقية فأينما حلت الحرية يتراجع الغلو والتطرف.. التجربة التونسية الجميلة أظهرت ذلك والعثرات بمصر وليبيا مجرّد حالات عابرة.

أنا على يقين أن العرب وصلوا إلى مرحلة النضج الفكري الكامل وأصبحوا شعوبا راشدة ويقظة ولا أدل على ذلك من جيل الكتاب العرب المتصدرين للساحات الأدبية والسياسية مثل المصري علاء الأسواني والسعودي عبده الخال واليمني علي المقري”.


اسم مستعار


في روايته “مذكرات حسن ولد مختار” كان للجانب السياسي حضور على حساب الجانب الأدبي، وإذا ما كان فعل الكتابة قادرا على التغيير بعيدا عن السلاح والعنف يرى ولد أمين أن “مذكرات حسن ولد مختار رواية غريبة لأنها مذكرات كتبها شخص افتراضي عن حياة افتراضية مزعومة لسياسي لا يعرفه أحد، وأن تعوّد الناس على كتاباته الصحفية جعله ينتهج زمنا خطيا كما هي تقنية كتابة المذكرات السياسية، والرواية لها مضامين ثورية واضحة ومن المعلوم أن أي حراك اجتماعي أو سياسي يحتاج إلى من يؤطره فكريا وأدبيا ومن البديهي أن للكلمة المكتوبة قوة وسطوة فكل الثورات امتداد لحركات فكرية.

ولد أمين: الحضور الأنثوي من مميزات الفرادة في أعمالي الأدبية

من يستطيع عزل الثورة الفرنسية عن فولتير وروس؟ لقد كنت دوما أعتقد أن مبارك لن يستطيع توريث نجله رئاسة مصر بسبب زخم الكتابات الرافضة للتوريث في مصر، إلا أن عمارة يعقوبيان دمرت التوريث بمصر تماما كما نسفت مسرحية زواج فيغارو لبومارشيه سلالة البوربون بباريس”. أما عن الجدل الذي أثارته هوية حسن ولد مختار يقول: “تمدد حسن ولد مختار حتى أضحى ظاهرة أدبية لما تتميز به من قدرة على المباغتة وكشف المحذورات في وقت لم يستطع أحد معرفته فأصبح القارئ في مواجهة منتوجه الفكري فقط ولا يستطيع محاكمة صاحبه أو مجادلته وهذا أمر خلق غصة في صدور الكثيرين الذين لا يفهمون أن هناك من لا يريد الشهرة”.

اختار ولد أمين في البداية الكتابة باسم مستعار، وما إذا كان هذا الخيار قد أتاح له مجال الحرية الأمثل، وعمّا إذا لم يزل هذا المجال موجودا بعد أن أصبح ينشر باسمه الصريح، يقول ولد أمين: “حصل الأمر بالصدفة حيث كتبت مقالا بعنوان (نابليون الحقير) أقارن فيه بيني وبين فيكتور هيغو الذي ساند نابليون الثالث في انتخابات 1852، ثم خاب أمله فيه بعد أن تبين له أنه مجرد فرعون جديد يبحث عن المال والشهوة وليس لديه أي إحساس بالعظمة ولا رغبة في صناعة التاريخ. وقد عثر أحد زواري على المقال في صالون بيتي ونشره دون إذن مني في إحدى الصحف وفوجئت بنجاح المقال الذي سمعت الكثيرين يتحدثون عنه ما جعلني أحوله إلى سلسلة مقالات. وفي مرحلة معينة جعلت من هذا الاسم المستعار بطلا لروايتي الأولى مذكرات حسن ولد مختار. بصراحة الاسم المستعار عودني على تجاوز الحظر الذاتي وقيود المجتمع إنه تدريب مفيد وممتع في عالم الكتابة والسرد”.


العرب وأوروبا

في وصفه علاقة الموريتاني مع الآخر العربي والآخر الأوروبي في اللحظة الحالية، يقول ولد أمين “علاقة الموريتاني بالعرب علاقة معقدة فالموريتاني عموما عربي من أمّ زنجية، ككل عرب التخوم والثغور والهوامش، أهل موريتانيا دوما يريدون إثبات عروبتهم ولعل ذلك ما يفسر تعلقهم بالشعر العربي كمن يريد أن يقنع الغير دوما بأنه عربي، مشاعر العرب في موريتانيا وفي غير موريتانيا تجاه أوروبا خليط من الحب ومن الكراهية ولا أجد وصفا لذلك أكثر وضوحا من وصف الدكتور بشارة خضر حين اعتبرها علاقات مزدوجة، نختلف مع أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا في كل شيء لكن في القضية الفلسطينية نقترب من أن نتفق معهم، نختلف مع اليسار في فلسطين ونتفق معه في قضايا حقوق الإنسان وهكذا دواليك، بيننا وأوروبا علاقات إنسانيه ثقافية وتاريخية سميكة وضاربة في القدم، ولقد تبادلنا قيادة العالم طويلا أما الآن فنعيش حالة ركود أو سبات. لكن من الممكن والوارد أن نخرج جميعا من هذه الحالة ونتعاون لاستعادة زمام المبادرة أنا أعتقد أن المتوسط جسر محبة ومودة وليس حاجزا جغرافيا بيننا”.

رغم البناء المحكم في رواياتي أقمت مسافة كبرى بيني وبين شخصياتها


الحضارة أنثى


في حديثه عن علاقته مع الأنثى جسدا ونصا وحضورا وهو الذي كتب عنها، يقول محدثنا: ” الحضارة أنثى.. بل الحضارة أمي كما كتب ذات يوم إدريس شرايبي، “الجاهلية” المعششة في بعض الأذهان المريضة هي التي خلقت هذه الثقافة الذكورية الاستبدادية التي جعلت من كل ما هو أنثوي حيزا خاصا ومجالا حيويا. أنا شخصيا لا أجد أي صعوبة في وصف الأنوثة بل أعتبر الحضور الأنثوي من مميزات الفرادة في أعمالي الأدبية وأتباهى بذلك وافتخر به. التقاليد الأدبية العربية أعطت للأنثى مكانتها الرئيسة في الشعر وفي النثر، بل رفعتها إلى مقامات العرفان الكبرى، جل المتصوفة الكبار أفرطوا في الغزليات وأسرفوا فيها والعرب هم أول من صنع ليلى “القديسة” وما الشعر العذري بالنسبة إليّ سوى همس روحي بأفكار مغيبة طمستها ماكينة الاضطهاد الشمولي المهيمنة منذ قرون على الفكر العربي”.


حبكة الرواية


عن حبكات رواياته، والمسافة التي يقفها من شخصياته، يشير ولد أمين إلى أنه لكل رواية حبكتها وتقنيتها السردية الخاصة، بالنسبة إليّ الرواية في الأساس ملاعبة مع الدهر من حيث أهمية الزمن الروائي الذي أوليه قيمة خاصة. في “مذكرات حسن ولد مختار” جاءت الحبكة لتجعل القارئ يظن أنها مذكراتي الشخصية وبدرجة إيهام مرتفعة، في “منينة بلانشيه” من الواضح أن المسافة كبيرة وشاسعة بين رجل هو أنا.. وأنثى من زمن مضى وولّى، في “منينة” الزمن الروائي ينشطر إلى زمنين متوازيين هما زمن الأمّ وزمن الابن وقد حصل وصال وتواصل بين الطرفين عبر تقنيات طبية وصوفية مجنحة وواهمة دون الوقوع في إسفاف الخيال العلمي، وبكل صراحة استفدت كثيرا في بناء هذه الرواية من خبرات روحية حصلتها بالقراءة والبحث الدؤوب”.

15