محمد ولد عبدي عابرا الحداثة في رواق التراث الكبير

الأحد 2015/01/11
ولد عبدي شاعر هاجر إلى أبوظبي ليطل منها على مليون شاعر في بلاده موريتانيا

أبوظبي – من دكّة الكتاتيب، تعلّم القرآن الكريم في كرو النائية في شرق موريتانيا، غرف محمد ولد عبدي اللغة العربية والصور والخيال الذي حلّق به بعيداً، وعلى يد والده الشيخ محمد المصطفى ومشايخ منطقته كالشيخ المرابط، درس متون اللغة العربية والفقه المالكي، ليرحل بعلومه التراثية تلك إلى نواكشوط بعد سنوات، ثم إلى عوالم قرأ فيها الشاعر البدوي عشقها للشعر العربي وهيامها بآفاقه، ليستقر في المشرق العربي، في أبو ظبي سنوات طويلة، قبل أن يفارق الحياة قبل أيام.

جمع جسمه العليل، أبناء شعبه المغترب في الخليج، وخفقت قلوبهم مع تطوّر سرطان الدم الذي تسلّل إلى شرايين الشاعر، ليتناوب الموريتانيون على قراءة القرآن عند رأس الشاعر، وإسماعه الكلمات الأولى التي سمعها في سنيّ حياته الأولى في فرو في ولاية العصابة، راحلاً إلى حيث صديقه محمد خلف المزروعي الذي سبقه في الغياب، بعد أن قاوم معه مرضه طويلاً، كما نقل الكاتب محمد ولد الزين، الذي يروي أن المزروعي قال لولد عبدي قبل رحيله بأيام: “اختر أي مكان في العالم للعلاج ونحن نتكفل بدفع التكاليف المادية، هدفنا الوحيد أن تُشفى”.


ولد عبدي وصحراؤه


ولد في العام 1964، في الجيل الشعري العربي الذي تواسط عقد الميراث ما بين سلسال الشاعرية التقليدية العربية، الآتية من امرئ القيس والمتنبي وأعمدة الأدب العربي الجليلة، وبين الأثر الكبير الذي تركه رواد الحداثة، السياب ونازك والبياتي، ثم تأثير مجلة شعر في أقصى المشرق في بيروت، الماغوط وأدونيس ويوسف الخال والآخرون، كل هذا صنع وعي جيل الستينات الشعري، الذي ما إن تفتح وعيه، حتى أصيب بضربات متلاحقة في هويته بعد العام 1967، لينحرف الشعر عن الحب والوجدان والبحث الوجودي إلى الحماسة من جديد، ثم عزلة الشاعر، ثم الزمن الاستعراضي الطويل ونبوية الكتابة الشعرية من أجل ألق اللغة وليس بهدف التواصل مع الجمهور.

هذا المناخ عاشه ولد عبدي، فكان كما كتب عنه النقاد “صوتاً إبداعيا ونقديا نشازا في ساحة أدبية نمطية تأسست منذ سنوات، فانتظم حالها مع استثناءات محدودة على قدر كبير من الزبونية، وتحكمت فيها لوبيات تتاجر في أغلبها بالإبداع، ولا ترى للنقد طريقا نبيلا أو هدفا ساميا أو غاية إنسانية. وتتصارع في هذه الساحة مجموعات مغلقة على نفسها تتقاسم بينها الأدوار الهزيلة، وتتصارع على فتات التملق وغسيل بيع الكلام احترازا من أن نقول الإبداع″.

هكذا شعر ولد عبدي وسط مليون شاعر، اشتهرت بهم، مجازاً، بلاده موريتانيا، بأن صحراءه ازدادت اتساعاً، فقرّر الرحيل إلى البعيد للبحث في خياراته الإنسانية والشعرية.

يندر أن يجد ناقد في الشعر إطارا مدنيا للحياة. ولكن ولد عبدي فعل هذا ومال في كتابه ومدرسته النقدية إلى الحداثة لتكون خلاصا ومخرجا للمجتمع


غريب على الخليج


لا شكّ أن ولد عبدي، كان يتمثّل صدى صوت السياب، في رحلته إلى ضفاف الخليج، في قصيدته الشهيرة “غريب على الخليج” والتي قال فيها: “جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج/ ويهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج/ أعلى من العبّاب يهدر رغوه ومن الضجيج/ صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق/ كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون/ الريح تصرخ بي عراق/ والموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق”. لكن محمد ولد عبدي، لم يجد ما وجده السياب من اغتراب في الخليج، فاندمج مع الحياة الثقافية وشخوصها، واستوطن في قلوب أصدقائه، كما استوطنت الإمارات في وجدانه، فلم يعد غريباً بين أهله الجدد، بدءاً من العام 1991 وحتى رحيله عن الحياة.


ما بعد المليون شاعر


هذه الكلمات هي عنوان كتاب محمد ولد عبدي النقدي الذي صدر في العام 2000، والذي يقرأ فيه خارطة الشعر الموريتاني، لكن من بوابة الـ”ما بعد” وكأنه يطالب مواطنيه بالتحرّك قدماً في تطوير الحركة الشعرية الواسعة في موريتانيا، ابتداءً من العام 1946 ووصولاً إلى نهايات التسعينات، حيث اعتمد البنيوية في تناول التجارب الشعرية ومسار الكتابة وتطورها، فقسّم ولد عبدي الشعر الموريتاني المعاصر إلى أربعة أطر تمثلت في الاتّجاه الكلاسيكي، الاتجاه التسجيلي الشاهد، الاتجاه الاسترجاعي المستشهد، وأخيراً الاتجاه الاستشرافي الحداثي، مع عدم اعترافه بالمقولة التي يردّدها المشرق العربي عن موريتانيا “بلاد المليون شاعر”.

وكان لافتاً استخدامه للحركة الشعرية كوسيلة إنسانية، لا سيما في طبقة شعراء الحركة الوطنية الديمقراطية “الذين عرفوا باسم الكادحين، الذين سجلت أشعارهم مواقف سياسية أخرجت الشعر الموريتاني من تقليدية الطرح إلى ثقافة جديدة عملت على إبراز التناقضات القائمة، ولتسجيل شهادات حيّة عن واقع ضاغط غابت فيه الحقوق المدنية وساد الظلم والفقر والقهر والاضطهاد، وفي الوقت نفسه إنها بمثابة دعوة إلى الوحدة الوطنية لمختلف الشرائح المجتمعية والإثنيات العرقية”.

من شعر محمد ولد عبدي
ومتى تفارق جلدها الأوراقُ

تنسحق الحروفُ؟

متى تفتش عن صداك

فلا ترى إلاَّك يعلكك الوقوف

متى

وأين رؤاك في زمن الكسوف؟

طالع مطالع حلمك الشتوي

أينك؟

أين طالع كفّك الشعري؟

***

بشرنقة الفخر والدهر في خيمة العنكبوت

فئات

جهات

قبائل شتى

وحلة كل النعوت

يصرفها القائد العبقري

ويعصمها الله من حلة الحاضرين

سنون عجاف

وأيام نحس.

من النادر أن يجد ناقد في الشعر، إطاراً مدنياً للحياة. ولكن ولد عبدي، فعل هذا، ومال في كتابه ومدرسته النقدية إلى الحداثة، لتكون خلاصاً ومخرجاً للمجتمع، تحدث عن جيله ورفاقه، من شعراء الثمانينات والتسعينات، حين شهدت موريتانيا تحوّلات سياسية متلاحقة أثّرت على المجتمع والثقافة بعامة، كان من أهمها دخول المجتمع الموريتاني مرحلة تحديث عنيفة، أدّت إلى ظهور تشكيلات اجتماعية جديدة مشوهة الخلقة، عكستها الحياة الحزبية وازدياد أعداد المهاجرين من الأرياف والبوادي إلى المدن، وكذلك “تصاعد العصبيات العرقية والقبلية، وانتشار ظواهر العطالة، وتأخر تطوّر العملية التعليمية، الأمر الذي انعكس على طبيعة الكتابة الشعرية لدى جيله، لتظهر سمات اليأس والحزن والضياع، ليخلص إلى أن تحقق الحداثة هو المخرج المجتمعي والشعري في الوقت ذاته، لا سيما أنه يصف حداثة المشرق بأنها كانت “حداثة ناقصة عرجاء اقتصرت في الغالب على المضامين، ولم تطل بنى النصوص وتقنياتها الفنية. لأن حداثة المضامين تظلّ حداثة ناقصة معطلة ما لم تسامتها حداثة الشكل”.


المدقق اللغوي الطموح


بدأ ولد عبدي حياته المهنية كمدقق لغوي في العام 1980 في الوكالة الموريتانية للصحافة، وعمل في الوكالة ذاتها صحفياً ثم مترجماً عن الفرنسية في إحدى الشركات الاقتصادية الموريتانية السنغالية، ثم مرّ بمحطة هامة في حياته، حين التحق بجامعة محمد الخامس لمتابعة دراساته العليا، بعد تخرّجه من نواكشوط، في الثمانينات، ليحصل على الماجستير والدكتوراه من المغرب، وأثبت في عمله كباحث في التخطيط الثقافي في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، أن التنمية بالثقافة أمرٌ ممكن، استناداً إلى الأصالة والتحديث معاً، فجمع في عمله بين التخطيط المستقبلي ورئاسة قسم المخطوطات في اللجنة العليا للتراث والتاريخ في دولة الإمارات لتسع سنوات متواصلة، وكان عضواً في اللجنة العليا المشرفة على البرنامج الشعري الثقافي الكبير “أمير الشعراء” الذي تنتجه وتشرف عليه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. وفي الإشراف على إدارة الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب.

ترجم شعر ولد عبدي إلى اللغات الفرنسية والإنكليزية والبولندية والألمانية، وحصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي عن كتابه النقدي سالف الذكر “ما بعد المليون شاعر”. يقول عن سفره الطويل عن موريتانيا ونشاطه الكثيف خارجها بأن هناك ما كان يحدث من: “سياقات تلك المرحلة وإكراهاتها وطنيا التي اتّسمت بتصنيم السلطة والتهافت عليها، وتشيِّؤ القيم وامتهانها، وسقوطِ القناعات الأيديولوجية وتكشّفِ أقنعةِ ذويها، مما دفعني مُجبرا إلى الهجرة، اتقاءً للسُّقوط في وَحَل ذلك الواقع النَّكِد المتدني، الذي تمرغ فيه الساسةُ والمثقفون دون حياء، وتهافت فيه الشعراءُ والكتابُ على القصر الرمادي متأبطين المجازَ عساهم به يقتاتون، دونما شعور منهم جميعا بأنهم همْ من خلق من السلطة طاغوتا وهم من رفعوا أعلامَ قبائلهم وجهاتِهم وفئاتِهم عاليةً على سارية العلم الوطني، فأجهزوا على ما تَبقَّى من وطنٍ هشاشتُه في المنشأ بادية، فهل لي وقد حملتُ هذا الوعيَ ألا أتحملَ تبعات تبنيه؟ ذاك ما كان”.


تراث ولد عبدي


كان الشعر محور اهتمام ولد عبدي، وفيه ألف اثني عشر كتاباً، ما بين ديوان وكراس نقدي، فكان “كتاب الرّحيل وتليه الفصوص” و”الأرض السائبة”، و”برك الكلام”، وكذلك “مقاربات نقدية في نصوص إماراتية” و” فتنة الأثر: على خطى ابن بطوطة في الأناضول” ـ من سلسة أدب الرحلة، و”جدلية الشرق والغرب في الشعر العربي المعاصر” وتحقيق كتاب “عمدة الأديب في معرفة القريض والنسيب” لأبي عبدالله الكمليلي.

سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر بأبوظبي يقول عن ولد عبدي إنه عمل لسنوات معه وقاسمه حب الشعر واللغة العربية والنقد ويصفه بأنه "علم من أعلام الأدب الرصين"

في تأبينه قال سلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر بأبوظبي إنه عمل لسنوات مع ولد عبدي وقاسمه حب الشعر واللغة العربية والنقد وكان حريصا على الإخلاص في أداء مهامه ومسؤوليتها بكل اقتدار وكفاءة، ووصفه بأنه “علم من أعلام الأدب الرصين”، وأضاف العميمي أن أكاديمية الشعر ستطبع له ديواناً جديدا خلال الأيام القليلة القادمة بالاتفاق مع عائلته.

وقال رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات حبيب الصايغ: “إن منجزه يؤكد على احترام الأنموذج الذي يقدمه الراحل وأمثاله للثقافة العربية عامة، وثقافة دولة الإمارات خصوصاً، حيث الدلالة تشير بقوة إلى القدوة والأسوة الحسنة، كما إلى الفعل الذي ينحو نحو الإيجابية والتفرد، وجناحاه الدرس العميق والخلق الشفيف، فمن خلال دراساته النقدية الباهرة، تعرف شعراء وأدباء الإمارات إلى أنفسهم، كما لو كان يمنحهم، معاً وكلاً منهم على حدة، دروبهم الجديدة وأعمارهم الجديدة”.

وكان وفاء شعراء موريتانيا لابن بلادهم كبيراً، فأعلنوا الحداد، وعلقوا أنشطتهم الثقافية، وأعلن اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين عن إلغاء كل مظاهر الاحتفال الفنية خلال المهرجان السنوي للأدب الموريتاني، بما في ذلك الفقرات الغنائية والموسيقية.

استطاع محمد ولد عبدي أن يشقّ اختلافه عن شعراء موريتانيا، وكذلك لم يقع في تقليد المدارس المشرقية في الشعر، لكنه لم يفلت من الفيتوري، شبيه رحلته بين البلاد، فكانت لغته تصعد مع تنفّس الفيتوري في قصائده، ومع لغة الأسئلة والتنقل ما بين المجرد والمشهدي، فكان وكأنه يكمل ما لم يتابعه الفيتوري من تطوير في طينة هذا النمط من الكتابة الشعرية.

9