محمد يونس: الإمارات راهنت على تجديد وتطوير الخطاب الديني

تفرض الأحداث المتسارعة في الدول العربية والإسلامية، وما يتبعها من تشابك مع الآخر إعادة النظر في المرجعيات التأسيسية للفعل وللمواقف وللقناعات. وهذه الحاجة ليست وليدة اللحظة المشبعة برفض الآخر، إنما تعود إلى عقود نبّه فيها العديد من قادة الرأي والعلماء والسياسيين إلى الواقع الراهن. واختصر هؤلاء ذلك في المناداة “بتغيير الخطاب الديني”، وسارعت بعض الدول إلى تحويل الدعوات النظرية إلى تطبيق عملي ومؤسَّسي على النحو الذي تجسده التجربة الإماراتية اليوم.
الجمعة 2017/06/16
رهان رسمي على تجديد الخطاب الديني

تجربة مهمة على المستويين المحلي والعربي، أفرد لها الكاتب والباحث المصري محمد يونس مؤلفا خاصا بعنوان “تجديد الخطاب الديني في دولة الإمارات المتحدة” صدر عن دار هماليل بأبوظبي مطلع العام الجاري. ركَّز فيه على المسائل الجوهرية التي تُفَصّل التجربة الإماراتية في أربعة فصول. تناول الأول مفهوم الخطاب الديني ومنطلقاته، ومؤسساته، وتطرق الثاني إلى تطور وسائل الخطاب الديني، وشرح الثالث قضايا الخطاب الديني، وأبرز الرابع دور جامع الشيخ زايد في تحقيق التسامح وتعزيز قيم التعايش المشترك.

يوضح الكاتب أن “ما يعنيه بالتجديد يتعلق بالخطاب والفكر الإسلامي.. فنحن هنا لا نتناول النص الديني، وإنما نناقش تجديد الخطاب الإسلامي، وهو أمر مطروح منذ سنوات، حيث تم تنظيم العديد من الندوات والمؤتمرات في العالم الإسلامي، منذ مطلع الألفية الجديدة…” وقد شهدت كل من القاهرة وبيروت في العام 2003 مؤتمرات دعت إلى تصحيح الخطاب الديني للمسلمين.

يرى يونس، انطلاقا من تجربته كتابة وبحثا ومتابعة للخطاب الديني في العالم العربي، وتداخله مع الخطاب الإعلامي “أن الإمارات عملت على تجديد الخطاب الديني من خلال تطوير الوسائل التي يقدم من خلالها هذا الخطاب”، ورصد مظاهر ذلك التطوير في ما يلي:

* أولا تطوير خطبة الجمعة من خلال توحيد الخطب في جميع مساجد الدولة، والبث الإذاعي والتلفزيوني الموحد لها، وإشراك الجمهور في اختيار عناوين الخطب وموضوعاتها، وإنشاء وحدة مخصصة لخطبة الجمعة بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية.

* ثانيا تطوير المطبوعات الدينية بما يعزز الثقافة الإسلامية الوسطية داخل المجتمع، من خلال إصدار مطبوعات تتناول تفسير القرآن وعلم التجويد، وترجمة معاني القرآن إلى العديد من اللغات، وتجميع خطب الجمعة ودروس المساجد وإصدارها في كتب مرجعية، فضلا عن إصدار عدد من الكتب في علوم الحديث والسيرة النبوية، والفقه الإسلامي.

محمد يونس: الجميع لديهم الحق في المطالبة بتجديد الخطاب الديني، أما المؤهلون لذلك فهم علماء الدين المتخصصون

* ثالثا إنشاء مركز للإفتاء بهدف تطوير طرق الإفتاء، وتمّ استخدام أحدث الوسائل التقنية لتيسير وصل الجماهير بالمركز والحصول على إجابات لتساؤلاتهم عبر الهاتف المجاني والرسائل النصية، والموقع الإلكتروني، والحضور المباشر لمقر الهيئة.

* رابعا تطوير المساجد من خلال ثلاثة جوانب متكاملة وهي الجانب المعرفي لتعزيز الدور الثقافي للمسجد عبر الدروس المنتظمة به وإمداده بالمصاحف والكتب الدينية، والجانب الإنشائي من خلال التوسع في بناء المساجد وتشجيع المسلمين على المساهمة في ذلك، والجانب التقني من خلال تزويد المساجد بتقنيتي الآذان الموحد، والشاشات الإلكترونية.

* خامسا التوسع في تعليم تلاوة القرآن الكريم، والتشجيع على حفظه، وتكريم حفظته من خلال تطوير مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وتنظيم دورات لتحفيظه داخل المراكز والمساجد وتنظيم مسابقات محلية وعالمية في حفظه، ورصد جوائز قيمة للفائزين.

* سادسا تنظيم دورات لحَمَلَة الخطاب الديني من خلال تنظيم ورش عمل منتظمة للأئمة والدُّعاة والوُعَّاظ بالدولة وإيفاد وُعَّاظ للحصول على الدراسات العليا في العلوم الشرعية.الإمارات شريك فاعل في طرح تجديد الخطاب الديني، الأمر الذي يجعل موقفها الراهن ليس نابعاً من تداعيات العمليات الإرهابية واتساع مساحة العنف منذ انطلاق ما يُسمَّى بثورات الربيع العربي، وإنما مستندا على قيم الوسطية والاعتدال والتسامح التي تميز بها خطابها الديني طبقا لقواعد الدستور التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وأيضا تكفل حرية العبادة للجميع حيث تقر “بحرية القيام بشعائر الدين طبقا للعادات المرعيَّة المصانة، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب العامة”.

ويرى الكاتب أن التسامح الذي يميز الخطاب الديني في الإمارات يظهر بوضوح في الدولة حيث تعيش أكثر من 200 جنسية، ومع ذلك لا يوجد أي شكل من أشكال التمييز تجاه أي من هذه الجنسيات، وهي تكفل حرية العبادة للجميع وفقا للمادة الـ32 من الدستور، ويشهد بذلك عدد من قيادات الأديان الأخرى الذين سجلوا شهادات تؤكد التسامح الذي يسود دولة الإمارات.

وتعزيزا لهذا التوجه تضمَّنت خطة الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الاستراتيجية “نشر فكر الاعتدال والوسطية والتسامح وبث روح الألفة والتعارف بين الناس من منطلقات الثوابت الإسلامية الثابتة، وتوجهات القيادة الحكيمة”. وسجَّلَتْ ذلك في كتاب أصدرته الهيئة بعنوان “التسامح من ملامح الوسطية في الإسلام”، استعرضت فيه أسس ومنطلقات دعوة الإسلام إلى التسامح في القرآن الكريم والسنة النبوية، وذكرت أن مجالات التسامح مع غير المسلمين عديدة، منها ما يتعلق بالعقائد، ومنها ما يتعلق بالجوانب الإنسانية والاجتماعية، ومنها ما يتعلق بالعدل في المعاملة. وأَوْصَتْ الهيئة في ختام الكتاب بإبراز نصوص التسامح الإسلامي، والمواقف التاريخية التي توضح ذلك، وتضمينها خطب الجمعة ودروس المساجد، وعَقْد ندوات بين الأئمة والدعاة لتدارس قضايا التسامح، وعقد مؤتمرات في ما بين علماء المسلمين ورجال الدين لدى الطوائف الأخرى وتعريف غير المسلمين بهذه المبادئ الإسلامية، وتبادل الزيارات واحترام الأعراف في المناسبات لكل الطوائف.

ينتهي الكاتب إلى القول بأن الخطاب الديني، الذي تنتهجه الإمارات يقوم على أربعة محاور، هي منهجية الاعتدال والوسطية فكرا وممارسة، وتعزيز ثقافة التسامح الديني في المجتمع، والتنوع في تناول التراث الفقهي والفكري والحضاري، واستخدام الوسائل الحديثة وتسخيرها لخدمة الخطاب الديني. ويشدد يونس على أن “تجديد الخطاب الديني مسألة عامة تخص جميع المسلمين، العرب وغير العرب، وأنه يتجاوز الحدود الجغرافية، ولكن نظرا لكون الدول الإسلامية منتشرة في بقاع عديدة، ولكل دولة مؤسسات دينية يُناط بها تقديم الخطاب الديني فإن آليات التجديد تحتاج إلى خطط تقوم بها تلك المؤسسات”.

بحسب المؤلف الخطاب الإسلامي “أقرب ما يكون إلى رؤى وفكر واجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان، لأنه يحمل فهما متعددا ومتنوعا، وننبه إلى أن ما نعنيه بالتجديد يتعلق بالخطاب والفكر الإسلامي، وهنا يُحْسَن بنا التمييز بين النص الإسلامي من ناحية، والفكر والخطاب الإسلامي من ناحية أخرى، فالنص وهو القرآن الكريم والسنة النبوية، يتسم بالثبات، غير أن ثبات النص لا يعني أن قراءته ثابتة، وإنما هي متجددة، فعطاء القرآن وفهمه واستيعابه يتجدد في كل عصر، وعلى سبيل المثال: لم تتوقف الأمة عند تفسير القرآن الكريم الذي توصل إليه الجيل الأول من المسلمين وفق معطيات عصرهم، وإنما ظهرت تفسيرات أخرى، كالتفسير الدلالي، والتفسير الموضوعي، والتفسير العلمي للقرآن الكريم”.ويشير يونس إلى “أننا لا نتناول النص وإنما نناقش تجديد الخطاب الإسلامي، نظرا لحاجة الأمة إلى خطاب إسلامي ينطلق من ثوابت الدين وأسسه وأصوله ويعبر عن روح العصر الذي نعيشه.. ونحن هنا بصدد 3 مستويات، الأول النص الديني (القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية) وهما مصدرا الدين الإسلامي، والثاني الفكر الإسلامي الذي يتناول اجتهادات علماء المسلمين، والثالث الخطاب الإسلامي، والمقصود به طرق نقل الفكر الإسلامي إلى الجمهور، ومن ثم فإن التقديس الذي ينصرف إلى المستوى الأول لا ينطبق على المستويين الثاني والثالث.

ويرى الباحث أن الجميع لديهم الحق في المطالبة بتجديد الخطاب الديني، أما المؤهلون لذلك فهم علماء الدين الذين درسوا علوم الدين في الكليات أو المعاهد المعروفة مثل الأزهر والزيتونة، كما يمكنهم الاستعانة بعلماء متخصصين في الإعلام وعلم النفس والاجتماع في صياغة آليات تجديد الخطاب الديني.

ويطالب يونس باستخدام الوسائل التقنية الحديثة وتسخيرها لخدمة الخطاب الديني، وعن شرعية ذلك وفاعليته يقول “هناك الكثير من الوافدين المسلمين على الإمارات ممن لا يجيدون العربية”.

12