محمد يونس المنفي قائد ليبي شاب يجمع البُعد القبلي مع الرؤية السياسية

رئيس المجلس الرئاسي الجديد يسعى عبر زيارته إلى مدن الشرق واجتماعاته بشيوخ القبائل وبالقيادات العسكرية إلى حشد التأييد لمشروعه المتمثل في المصالحة الشاملة.
الخميس 2021/02/18
إرث ناصع من التصوف والزهد

بكثير من التفاؤل بمستقبل بلاده، وعد رئيس المجلس الرئاسي الجديد في ليبيا محمد يونس المنفي، مواطنيه ببشائر خير قادمة، مؤكدا أنّ من ضمن الأهداف الأساسية التي يتطلع للقيام بها، المصالحة الوطنية، ولمّ الشمل وجمع كلمة الليبيين، وتوحيد المؤسسة العسكرية استكمالًا لمباحثات لجنة (5 + 5) ومساعي البعثة الأممية، ومشيرا إلى أن المجلس الرئاسي الجديد سيقوم بتوحيد جميع مؤسسات الدولة ما سينعكس بالإيجاب على المستوى المعيشي للمواطن.

هالة رمزية

المنفي يعتبر من الوجوه الشابة في الساحة الليبية، حيث لا يتجاوز عمره 45 عاما،  فهو من مواليد عام 1976 بمدينة طبرق، وينتسب الى عشيرة الصائب من قبيلة المنفّة، إحدى أبرز قبائل المنطقة الشرقية، ومنها ينحدر البطل التاريخي وأسد الصحراء عمر المختار.

والده هو أستاذ الإعلام بجامعة قاريونس في بنغازي الراحل يونس بشير المنفي الحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة عين شمس المصرية، والذي كان تولى مناصب قيادة مهمة في إقليم برقة خلال عهد النظام السابق من بينها تعيينه أمين اللجنة الشعبية العامة لطبرق، أما جده أحمد بشير بوحويش فكان الرفيق الدائم للإمام محمد المهدي السنوسي الذي خلف والده في تزعم الدعوة السنوسية وعمره لا يتجاوز 12 عاما وقادها في الفترة من بين 1859 و1902 لتصل على يديه إلى ذروة قوتها وانتشارها، وهو والد أمير برقة الذي كان وراء توحيد ليبيا وحكمها من 1951 إلى 1969، والإمام هو من تولى تغيير اسم العشيرة من “الخائب” إلى “الصائب” تفاؤلا بصواب رأي مرافقه بوحويش وسداد رأيه.

الإعلان عن فوز المنفي رافقته إشاعات تتحدث عن انتمائه لجماعة الإخوان رغم أنها كانت تدعم بوضوح تام قائمة عقيلة صالح وفتحي باشاغا، وهو ما تم تفنيده جملة وتفصيلا
الإعلان عن فوز المنفي رافقته إشاعات تتحدث عن انتمائه لجماعة الإخوان رغم أنها كانت تدعم بوضوح تام قائمة عقيلة صالح وفتحي باشاغا، وهو ما تم تفنيده جملة وتفصيلا

ومن أبناء أحمد بشير بوحويش، رحب بوحويش وهو مقاوم وفقيه وشاعر شعبي زج به الإيطاليون في سجن العقيلة الذي شهد في الفترة ما بين العامين 1928 و1931 حشد ما لا يقل عن 10 آلاف معتقل، قتل منهم الآلاف، ومن هناك صوّر الحادثة والظروف المحيطة ومعاناة المعتقلين في قصيدته الخالدة “ما بـي مرض غير دار العقيـلة، وحبس القبيلة، وبعد الجبا من بـلاد الوصيـلة” والتي راجت بشكل واسع وجاراها عدد من الشعراء، ونشرت في أكثر من كتاب مثل ديوان الشعر الشعبي الصادر عن جامعة قاريونس سنة 1977 وكتاب الباحث محمد سعيد القشاط “صدى الجهاد في الأدب الشعبي” وكتاب “أغنيات من بلادي” للشاعر الراحل عبدالسلام قادربوه، وتمت ترجمتها إلى لغات عدة. كما أن للمنفي أعماما معروفين منهم الراحلان رضوان أحمد بشير ورجل الأعمال بشير أحمد بشير، وأما عمه الأكبر فهو عطايا أحمد بشير الذي يعد علماً من أعلام النفط في ليبيا وطبرق.

من خلال تلك المعطيات يمكن التوقف عند الهالة الرمزية التي تتمتع بها أسرة بوحويش في إقليم برقة حيث توصف بالصلاح وطلب العلم والشجاعة والفراسة إضافة إلى إرث ناصع من التصوف والزهد.

درس المنفي في طبرق وبنغازي قبل أن ينتقل إلى فرنسا، حيث كان من القيادات النشطة في رابطة الطلاب الليبيين الدراسين. وحصل من هناك على شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية، قبل أن يعود إلى ليبيا عام 2011.

وفي أول انتخابات عرفتها البلاد بعد الإطاحة بالعقيد الراحل معمر القذافي، ترشح عن دائرة طبرق الأولى، وفاز بعدد أصوات بلغ 3171 صوتاً، ليحصل على مقعد في المؤتمر الوطني العام وينضم لاحقاً إلى كتلة الوفاء، وإلى لجنة إعداد قانون العزل السياسي، ويرأس لجنة المرافق والإسكان.  وبعد اتفاق الصخيرات انضم المنفي إلى مجلس الدولة الاستشاري بطرابلس، ورُشّح لرئاسة المجلس الرئاسي، في إطار جهود البحث عن حل سياسي التي كانت تبذل آنذاك.

ثم كلفته حكومة الوفاق للمجلس الرئاسي بطرابلس بمهمة سفير في أثينا، لكن وبعد الإعلان عن توقيع مذكرتي التفاهم بين فايز السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أواخر نوفمبر 2019 قالت حكومة اليونان إنها قررت طرد السفير الليبي تعبيراً عن غضبها على الاتفاق غير الشرعي الذي أبرمته ليبيا وتركيا.

عندما فتحت بعثة الأمم للدعم في ليبيا باب الترشح للمناصب التنفيذية الكبرى في البلاد، تقدم المنفي إلى المنافسة على المجلس الرئاسي، وعرض على أعضاء ملتقى الحوار السياسي المنعقد في جنيف من الأول إلى الخامس من فبراير العام الماضي رؤيته لعدد من القضايا والملفات المطروحة ، حيث أكد أن عملية السلام في ليبيا تحتاج إلى إجراءات أكثر من وقف إطلاق النار، وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج العمل وفق رؤية سياسية ودبلوماسية واجتماعية، مضيفاً قوله “مستعدون للقبول بنتائج الانتخابات أيًّا كانت”

وعن حالة حقوق الإنسان في البلاد، يقول المنفي إن هذا الملف هو أهم الملفات وأخطرها، كونه يهدد الدولة والمواطن والعملية الديمقراطية برمّتها، لذلك، حسبما يقول، لا بد من إيقاف حالة الانتهاكات التي يتعرض لها الإنسان في ليبيا بشكل كبير. والحل يجب أن يكون على عدة مستويات؛ المجلس الرئاسي، والحكومة والمؤسسات التشريعية والقضاء والرأي العام، وهنا أيضًا دور للشباب والمرأة والإعلام، ويجب أن تُسخّر كل هذه القوى لإنهاء هذه الحالة.

أما الوضع العسكري، ومسارات توحيد المؤسسات، فيرى المنفي أن مسار لجنة (5 + 5) حقق خطوات مهمة جدًّا، وهو يعد بالعمل على دعم هذا المسار مع الجهات ذات الاختصاص، موضحاً أنه من الضروري أن تكون المؤسسة العسكرية “تحت سلطة مدنية وأن تكون منحازة للوطن”.

الانحياز للوطن

المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني يرغب من خلال زيارته للمنفي، في الفندق الذي كان يقيم فيه بعد أقل من ساعة من وصوله إلى بنغازي، بالإعراب عن دعم القوات المسلحة لعملية السلام وسعي الجيش للحفاظ على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة
المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني يرغب من خلال زيارته للمنفي، في الفندق الذي كان يقيم فيه بعد أقل من ساعة من وصوله إلى بنغازي، بالإعراب عن دعم القوات المسلحة لعملية السلام وسعي الجيش للحفاظ على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة

في اليوم الخامس والختامي للملتقى، صوّت أعضاء الحوار السياسي الليبي أثناء الجولة الثانية من الانتخابات لصالح قائمة المنفي التي تضم إلى جانبه كلا من موسى الكوني وعبدالله حسين اللافي، والمترشح حينها لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة.

وتغلبت قائمة المنفي – الدبيبة في الجولة الثانية من التصويت على القائمة الأخرى التي حصلت على 34 صوتا، والتي تضم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا كمرشحين لمنصبي رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الوزراء.

وما إن تم الإعلان عند فوز المنفي حتى راجت إشاعات تتحدث عن انتمائه لجماعة الإخوان رغم أنها كانت تدعم بوضوح تام قائمة عقيلة صالح وفتحي باشاغا، وهو ما تم تفنيده جملة وتفصيلا، فقد أكد شقيقه سامي المنفي، أن الرئيس الجديد للمجلس الرئاسي ليس منتميا لأيّ تيار أو تنظيم، وتربّى في بيت وعائلة لا تعرف سوى الوطن واعتباراته، ومصالحه، فهو من قبيلة المنفّة قبيلة المجاهد الكبير عمر المختار، ونجل يونس بشير المنفي محافظ طبرق في عهد القذافي، نافيا كما نفى الشيخ السنوسي الحليق، نائب رئيس المجلس الأعلى للقبائل الليبية، أن يكون للمنفي أيّ صلة بالإخوان، وأضاف أن “المنفي من الشباب المعروفين لدينا في ليبيا، وهو من أبناء الأشراف والمرابطين، ومن أكبر القبائل الشرقية التي ينحدر منها الشيخ عمر المختار، شيخ المجاهدين، وهي قبيلته غنية عن التعريف ونحن عائلة واحدة”، موضحًا أن لا علاقة له بالإخوان مطلقا.

دعم الجيش

المنفي يرى أن عملية السلام في ليبيا تحتاج إلى إجراءات أكثر من وقف إطلاق النار، فقد أكّد مبكراً أن المرحلة المقبلة تحتاج العمل وفق رؤية سياسية ودبلوماسية واجتماعية
المنفي يرى أن عملية السلام في ليبيا تحتاج إلى إجراءات أكثر من وقف إطلاق النار، فقد أكّد مبكراً أن المرحلة المقبلة تحتاج العمل وفق رؤية سياسية ودبلوماسية واجتماعية

بعد ساعات من تأكيد نبأ فوزه تلقى رئيس المجلس الرئاسي الجديد في ليبيا العديد من الاتصالات من زعماء الدول وقادتها، وكان أولها من الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، الذي لم يكن المنفي بحاجة إلى مترجم ليتحادث معه، حيث أنه يتحدث الفرنسية بطلاقة، وهو يعتبر أول زعيم ليبي يتقن لغة موليير إلى جانب اللغة الإنجليزية.

وفي الـ11 من فبراير الجاري، وصل المنفي إلى بنغازي لتكون أولى محطاته جولة واسعة في أرجاء ليبيا، وباعتبار المجلس الرئاسي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، واحتراما للتراتبية العسكرية، زاره المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني في الفندق الذي كان يقيم فيه بعد أٍقل من ساعة من وصوله إليه، ليعرب له عن “دعم القوات المسلحة لعملية السلام وسعي الجيش للحفاظ على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطات ودعم المجلس الرئاسي الجديد وحكومة الوحدة الوطنية التي أنتجها الحوار السياسي لتوحيد المؤسسات والوصول بالبلاد إلى الانتخابات المنتظرة في ديسمبر القادم”.

وتتمثل صلاحيات المجلس الرئيسي في القيام بمهام القائد الأعلى للجيش الليبي، والتعيين في المستويات القيادية به وفق التشريعات النافذة، وإعلان حالة الطوارئ وقرار الحرب والسلم بعد موافقة مجلس النواب، واعتماد ممثلي الدول والهيئات الأجنبية لدى دولة ليبيا، وتعيين السفراء وممثلي دولة ليبيا لدى المنظمات الدولية وإعفائهم بناء على اقتراح من رئيس الحكومة وفق الاتفاق السياسي الليبي والتشريعات الليبية النافذة، والتصديق على البعثات الدبلوماسية الجديدة.

الأهداف الأساسية التي يتطلع المنفي لتحقيقها تركّز على المصالحة الوطنية، ولمّ الشمل وجمع كلمة الليبيين، وتوحيد المؤسسة العسكرية استكمالًا لمباحثات لجنة (5 + 5) ومساعي البعثة الأممية

وخلال مشاورات تشكيل الحكومة، يسمّي رئيس الحكومة وزيري الدفاع والخارجية مع وجوب التشاور مع المجلس الرئاسي مجتمعا، على أن يلتزم رئيس الحكومة بإحالة التشكيلة الوزارية كاملة إلى مجلس النواب. كما يتولّى إطلاق مسار المصالحة الوطنية، وتشكيل مفوضية وطنية عليا للمصالحة لتنفيذ المهام الواردة بالمادتين 2 و6 من خارطة الطريق ، ويقوم بشكل حصري بتعيين أو إقالة شاغلي مناصب رئيس جهاز المخابرات العامة ما لم يعترض مجلس النواب على التعيين؛ ورئيس وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للمصالحة؛ وباقي رؤساء الأجهزة التابعة لرئاسة الدولة وفق التشريعات النافذة.

انتقل المنفي إلى عدد من مدن الشرق أيضاً من بينها البيضاء وطبرق والقبة، واجتمع بشيوخ القبائل وأعيانها وبالقيادات العسكرية والأكاديميين وناشطي المجتمع المدني، لحشد التأييد لمشروعه الذي يتمثل بالأساس في توحيد المؤسسات وإعلان المصالحة الشاملة، على أن يواصل جولته في إقليمي طرابلس وفزان لإعادة جسر الثقة بين الشعب والسلطات الحاكمة.

12