محمـد سعد نجم يصارع للتحرر من شخصية "اللمبي" التي استولت عليه

السبت 2017/09/30
محمـد سعد ابن الشارع المخلص

القاهرة- عرف بشخصية “اللمبي” الهزلية التي تعبر عن نمط مصري ينتشر في المناطق العشوائية، وحقق نجاحا لافتا، لكنه ظل حبيس تلك الشخصية لأكثر من 15 عاما حتى عاد المخرج ذاته شريف عرفة الذي وضعه في قالب الكوميديا ليعيد ولادته الفنية من جديد في فيلم الكنز مفاجئا جمهوره بأداء راق ما يؤكد أن موهبة الفنان تتحدد بقدرتها على الخروج من القوالب النمطية.

تمثل المسيرة الفنية للمثل الكوميدي المصري محمد سعد عبرة لأيّ فنان يصرّ على أن يضع نفسه في قالب فني واحد دون تغيير، ويراهن على شخصية معيّنة لتحقيق نجاحاته، ولا يسعى لتطوير نفسه ليوسع من جماهيريته، ما يلبث أن يجد نفسه خارج دائرة المنافسة تمامًا.

وقبل نحو 15 عامًا، كان الوسط السينمائي متوقفًا عند موهبة كوميدية جديدة اسمها محمد سعد، بعدما حقق فيلم “اللمبي” إيرادات مرتفعة جدا في تاريخ السينما المصرية، لدرجة أن الشباب كانوا يتحدثون بلغته غير المألوفة، ويطلقون على أنفسهم اسم “اللمبي”، حتى أدرك بالخطأ أن هذه الشخصية أصبحت مفتاح النجاح الفني لسنوات قادمة بالنسبة إليه.

استطاع سعد أن يصنع لنفسه تاريخًا فنيًا مصبوغًا بالكوميديا، حقق خلاله نجاحات نسبية لاقت استحسان البعض، ومع تمسكه بنفس القالب الفني دفع الأكثرية للانقلاب عليه، سواء الإعلام أو النقاد أو حتى بعض زملاء المهنة، متهمين إياه بالفشل ونفاذ الرصيد الفني، لأنه يرفض أن يخرج من هذا القالب ليبحث عن آخر ذي نمط فني مبتكر.

منذ بداية مسيرته الفنية، التي بدأت قبل 34 عامًا، ما بين أعمال سينمائية ودرامية، عرف عنه شغفه بتقديم أدوار بشخصية هزلية حاول من خلالها أن يعبّر عن نمط الشارع المصري العشوائي، لكن مع تكرارها توارى تأثيرها وأصبحت مملة بالنسبة إلى جمهوره.

العثور على الكنز

أخيرا قرر سعد أن يخرج من إطار التمثيل الكوميدي ليفاجئ جماهيره بدور جديد لشخصية قوية وصارمة تسمّى “بشير الكومي” في فيلم طرح مؤخرا باسم “الكنز” ليكشف عن موهبته الحقيقية.

أثبت سعد كم يمتلك من الموهبة ما يؤهله لمنافسة فنانين كُثُر على الساحة الفنية المصرية والعربية، وتبقى مشكلته أنه لا يقوم بتوظيفها بشكل جيد، وقالب فني متطور يتواءم مع متطلبات احتياجات الجيل الجديد من السينما، وهو ما سبقه إليه كثيرون من أبناء جيله بدأوا مثله لكنهم أعادوا تصحيح مسارهم سريعًا.

تمكن قراءة النجاح الأخير لسعد بعد فترة سقوط طويلة، أنه راهن على الممثل الموجود بداخله وأوقف مرحلة التباكي على نجمه الذي خفت، ويحاول تغيير مساره الفني بعد سنوات طويلة من النقد اللاذع الذي تعرّض له، أن يخرج جانبًا مضيئًا كان مخفيّا في مكنون شخصيته ليعيد اكتشاف نفسه أمام الجمهور مرة أخرى، ما ساعده على أن يحقق ثاني أعلى إيرادات في عيد الأضحى، وجمع فيلمه “الكنز”، نحو 15 مليون جنيه (حوالي 900 ألف دولار)، وما زال يعرض في دور السينما.

الطريق إلى إيلات

الصدفة تجعل المخرج شريف عرفة الذي اختار محمد سعد لشخصية "اللمبي" منذ 15 عاما هو المخرج نفسه لفيلم "الكنز" والذي أخرج سعد من قالبه

ولد محمد سعد (49 عامًا) بحي السيدة زينب الشعبي في القاهرة، وبدأت ملامح موهبته الفنية تتشكل منذ الصغر، من خلال مسارح مدارس القاهرة، حتى التحق بمعهد الفنون المسرحية قسم تمثيل وإخراج، وعقب تخرجه مباشرة، ظهر بدور صغير في مسلسل “ما زال النيل يجري”، ودور آخر بمسلسل “أيام المنيرة”.

توالى بعدها ظهوره في عدة أدوار صغيرة ببعض الأعمال السينمائية، حتى اختير لفريق عمل فيلم “الطريق إلى إيلات” عام 1993، مجسدا دور بطل من جنود مصر المشاركين في تفجير المدمرة إيلات، وترك خلال هذا الفيلم بصمة جيدة عند المخرجين والمشاهدين، لتعقبه مشاركته في فيلم “الجنتل” عام 1997، حتى اختير ضمن فريق عمل مسلسل “مين اللي ما يحبش فاطمة” مع الفنان أحمد عبدالعزيز، ومنه بدأ الجمهور معرفته على نطاق واسع.

كانت انطلاقته الحقيقية مع شخصية “اللمبي” التي قدمها لأول مرة في فيلم “الناظر” مع الفنان الراحل علاء ولي الدين، ثم انتقل بها وقام بأول بطولة مطلقة له في فيلم “اللمبي” عام 2002.

وربما لا يدرك كثير ممن تعرضوا لـ”اللمبي” بالنقد اللاذع، لكونه اعتاد الشخصية الكوميدية الهزلية ووصفوه بأنه ممثل ضئيل الموهبة، أنه يمتلك قدرًا عاليًا من الثقافة والمعرفة والشغف بالشعر وكتابة التاريخ، فضلا عن مهاراته في التحليل والإقناع وقراءة الواقع السياسي، حسبما ظهر في كثير من حواراته الصحافية والتلفزيونية.

قدم سعد دون أن يقصد رسالة مجتمعية بأنه مهما كان نجاح شخصية هزلية وساخرة لا يجب أن يتخطاها الفنان، لأن ذلك سوف تترتب عنه خسائر فادحة وقتل مواهب مدفونة داخل شخصية الفنان.

ويضاف إلى ذلك أن السير على نمط فني واحد دون تغيير أو تطوير يثير الملل والضيق عند الجمهور، لدرجة أنه عندما يفشل ويخرج من المنافسة لا يتعاطف معه كثيرون لغياب الرصيد الفني الذي من خلاله يدافعون عنه ويشكلون حائط صد منيع ضد استهدافه والنيل منه، لأنه أول من استهدف نفسه ونال منها من خلال إصراره على قالب فني واحد لا يتغير.

لا يختلف النقاد على موهبة سعد الفنية القابلة للتطوير بما يؤهله لأن يكون “نجم شباك”. ولكنه أعطى لمنتقديه فرصة الطعن في موهبته عندما قابل النقد بنوع من السخرية التي أصبحت سمة من صفاته من كثرة تقديم الأعمال الهزلية الساخرة، ما جعل هناك حاجزا بينه وبين تلقي النقد بنوع من النصيحة للتغير إلى الأفضل.

ويرى أن الهجوم عليه نوع من الحرب النفسية لأجل إسقاطه لصالح فنانين آخرين، فهو الذي نظر إلى الهجوم الصحافي والإعلامي على أدواره الفنية ذات القالب الواحد “مؤامرة”، وتعامل مع كتابات النقاد الفنيين والسينمائيين باعتبارها “حربا نفسية.” وبسبب هذه النظرة المتدنية آثر الاستمرار على نفس النهج الفني دون تغيير يذكر في الشخصية وطريقة الكلام والإسقاطات الكلامية والعبارات الكوميدية.

محمد سعد يمتلك قدرا عاليا من الثقافة والمعرفة والشغف بالشعر وكتابة التاريخ، فضلا عن مهاراته في التحليل والإقناع وقراءة الواقع السياسي

منذ أصبح أكثر الممثلين المصريين شعبية من خلال تكرار دور “اللمبي” وهو يتمسك بنفس الشخصية التي قدمها لأول مرة في فيلم “الناظر” مع المخرج شريف عرفة، ثم قدّم أدوارًا عديدة لم يغير فيها من نفسه واعتمد في كل مرة على شخصية تدور جميعها في فلك واحد كوميدي ساخر لا يحمل رسالة أو هدفا سوى الإضحاك.

وكرر سعد في أفلام منها “اللي بالي بالك” و”عوكل” و”بوحة” و”تتح” و”بوشكاش” و”كتكوت” و”اللمبي 8 جيجا” و”تك تك بوم” و”فيفا أطاطا” شخصية لا تعتمد في أدائها سوى على كوميديا إطلاق النكات وحركات الجسد.

من شدة التكرار أصبحت جمل سعد محفوظة عند الجمهور، وفي كل مرة كان يبرر بأنه عاشق لشخصية “اللمبي” بتغييراتها البسيطة لأن رواد السينما عرفوه من خلالها، حتى جاءت الصدمة التي لم يتوقعها طوال تاريخه الفني، وتحديدًا منتصف العام الماضي، عندما رفعت السينمات المصرية فيلمه “تحت الترابيزة” من دور العرض لعزوف الجمهور بشكل شبه كامل عن مشاهدته.

عقدة اللمبي

تسبب السقوط المدوي في أن يصاب سعد بحالة نفسية سيئة استدعت أن يبتعد فيها عن الجميع ويعيش في خلوة مع أسرته لفترة استمرت عدة أشهر، وما تبع ذلك من فشل برنامجه الهزلي الذي قدمه منتصف العام الماضي على فضائية “إم بي سي” وحمل اسم “وش السعد” واستحضر فيه أيضًا شخصية “اللمبي”.

يلخّص النقاد مشكلة سعد في أنه لم يع مبكرًا مدى ضرورة التغيير من نفسه ليظل محتفظا بشعبيته التي حققها مع بزوغ نجمه في فيلم “اللمبي” حتى أصبح أسيرًا لهذه الشخصية خلال أكثر من 10 أعمال سينمائية، وفي نفس الوقت لم يدرك أن الجمهور الذي صنع نجوميته سوف ينفد صبره من كثرة التكرار.

وربما رأى أن نجاحات الفنان الشاب محمد رمضان نتجت عن تكرار شخصية الشبيح “البلطجي” الذي يتحدّى القانون في أكثرية أعماله السينمائية وأراد أن يتعامل بنفس المبدأ، لكنه لم يدرك أن محمد رمضان كان يعبّر من خلال أفلامه عن “حالة مصرية نتجت عن واقع فعليّ سيطرت عليه لغة العنف وتحدي القانون عقب ثورة 25 يناير 2011، وحتى رمضان نفسه بدأ يتجه إلى التغيير في أنماط الشخصيات التي يقدمها والتفت مبكرا للعيب الذي انتبه إليه متأخرا سعد وهو التكرار الممل.

على النقيض لم تكن الشخصية الهزلية والساخرة التي أصبح سعد أسيرًا لها حالة مصرية مثل حالة محمد رمضان، فهي استثنائية في حياة فئة من المصريين، لكن وحتى إن كان رمضان نجح في أعماله برغم تكرار نفس الشخصية تقريبًا، فإنه تعرّض هو الآخر لهجوم شرس لنفس السبب، وكاد يخسر الكثير مثلما خسر محمد سعد، لولا أنه أعاد ترتيب أوراقه مؤخرًا.

حصار المخرجين

نجاح سعد في تحرير نفسه من شخصية العشوائي يضعه أمام تحد مضاعف لدخول مرحلة إعادة تصحيح مساره الفني

أمام غموض مبررات محمد سعد أمام جمهوره على التمسك بسياسة التكرار أصبح مضطرًا أن يفصح عن السبب مؤخرًا عقب نجاح فيلمه الأخير عندما قال إن السبب في ذلك هو المخرجون الذين لم يساعدوه على اكتشاف مواهبه الفنية باختياره لأعمال فنية متشابهة تقريبًا مع بعضها ولأنه لا يحب الابتعاد عن الفن فقد كان يستجيب.

يقول سعد عقب النجاح الكبير لفيلم الكنز “تأخرت كثيرًا كي أغيّر من جلدي الفني حتى جاءت الفرصة في موعدها رغم انتظاري لها منذ سنوات طويلة، وعلى الجميع أن يتأكد من صراحتي.. فمسألة تأخرها لم تكن بإرادتي لأنني كنت أنتظر الفرصة لقدومها، وبمجرد أن استشعرت وجودها لم أتردد للحظة في اقتناصها”.

لكن سعد يتميز بكونه رغم كمّ الهجوم الذي تعرّض له خلال أعماله الفنية الماضية لم يتبرأ منها أو ينتقد نفسه بسببها أو يبدي ندمًا على تقديمها، بقدر ما يتباهى بها ويرى أنها من صنعت له جماهيرية عند الناس حتى لو كانت محدودة. ويبرر ذلك بأن الفنان الذي يندم على عمل قدمه سوف يخسر الجمهور الذي استمتع بهذا العمل الفني حتى لو كان بضع عشرات، فضلا عن أن ذلك يعزز فشل الفنان وعدم ثقته في نفسه.

ويقر بأنه يبحث عن شخصية فنية جديدة لم يقدمها من قبل إلى الجمهور، ما يعكس الاعتراف الضمني بأنه أدرك كمّ أخطأ في حق نفسه وجمهوره عندما تمسّك بشخصية كوميدية ساخرة في أكثر من عمل فني.

الصدفة جعلت المخرج شريف عرفة الذي اختار محمد سعد لشخصية “اللمبي” منذ 15 عاما هو المخرج نفسه لفيلم الكنز والذي أخرج سعد من قالبه ليقدمه في شخصية جديدة كرئيس للبوليس السياسي إبان حقبة حكم الملك فاروق ليعيد الولادة الفنية لسعد من جديد.

ويقرّ سعد بأنه كان يفتقد المخرج السينمائي الذي يساعده على اكتشاف موهبته الحقيقية ما جعله يشعر بأنه تعرّض لخيانة كبيرة خلال أعماله الفنية السابقة لم يحدد أطرافها، لكن كلامه جاء في إطار استغلال شغفه بالفن والاستمرارية في الظهور، لوضعه في خانة الهزلية الساخرة التي أبعدت عنه جمهوره.

نجاح سعد في تحرير نفسه من الأسر في شخصية “اللمبي” جعله أمام تحدٍّ مضاعف والدخول في مرحلة إعادة تصحيح مساره الفني والثبات على النجاح الأخير بعدما ضل الطريق لسنوات حتى تلقفه مخرج سينمائي عرف قيمته التمثيلية، وهو ما يصعّب مهمته في التمسك بما حققه من مكتسبات، خاصة إذا راوده الحنين مجددًا لشخصية “اللمبي” التي كادت تقضي على مستقبله الفني إلى الأبد.

ويحمّل بعض النقاد هذه الشخصية العشوائية “اللمبي” مسؤولية زيادة مساحة التسطيح في المجتمع، ففي الوقت الذي ذاع صيتها لم تتم مواجهتها بشخصيات جادة تعكس عمق المجتمع المصري، وبدا “اللمبي” كأنه تمثيل حي لكل شخص بسيط ومتواضع في القدرات.

14