محمود الجوابرة شرارة الانتفاضة السورية الدامية

الأحد 2015/03/22
الجوابرة شاب من عامة الناس كان أول من سقط في مأساة السنوات الأربع

الكتابةُ عن الشُهداء مُربِكة، فكيفَ لنا أن ننعى واحدا مات على طريقٍ أخطأَنَا الموتُ فيهِ وأصابَهُ هوَ ليكونَ راحلا قبلنا إلى العالم الآخر ولنبقَ نحن نتذكَّر وجودَهُ كما لو أنَّه لم يرحل أبدا، الكتابةُ عن الشهداء فعلُ استلابٍ أمام المجزرة التي بدأت برحيلِهم ولم تنتهِ أبدا وبشكلٍ أكثرَ دقةٍ ووضوح في الحالةِ السوريةِ التي لم يخلُ بيتٌ فيها إلا ومسَّهُ الضرُّ سواءً بشهيدٍ أو مُعتَقَلٍ أو مفقود أو على درب الرحيل في قافلةٍ بدأَت بجنوب سوريا، هناك حيثُ كانت الصيحةُ الأولى على طريقِ الخلاص.

في درعا لم يكن يوم الجمعة الثامن عشر من آذار يوما عاديا فقد سبقَهُ بأيَّام اعتقال أطفال كتبوا على جدران مدرستِهِم عباراتٍ تمسُّ هيبة النظام الحاكم الذي يخاف من الكلمة، فاعتقلَتهُم عناصرُ من جهاز الأمن الذي يرأسهُ الضابط عاطف نجيب قريبُ رأس الهرم في الدولة السورية وهنا كانت المواجهةُ الأولى عقبَ صلاة الجمعة أمام المسجد العمري في درعا البلد، وأمامَهُ تجمَّع شبابٌ من حوران قرَّروا الاتجاه نحو الفرقة الحزبيَّةِ للمُطالبةِ بأبنائهِم الصغار المُعتَقَلين ظُلما، فكانت لهم عناصر الأمن ورئيسَهم بالمرصاد، وقفَ الجنودُ أمامَهم صفَّانِ أحدُهُما جاثيا على ركبتيهِ والآخرُ واقفاً خلفَ الأوَّل بنصف مترٍ أو أقَّل وكلاهُما سدَّد فوهةَ بندقيَّتهُ الروسيَّةَ الصُنع إلى صدور الواقفين على الضفَّةِ المقابلة، صاح شبابُ حوران مُطالبينَ بمُعتَقلِيهِم فأطلقَ العساكرُ الرَّصاص وأردَوا أربعة عشرَ رجلاً، أُصيبَ منهم اثنا عشر شابّا بينما قضى محمود قطيش الجوابرة حسام عبدالمولى عيّاش.

في 18 آذار 2011 كانت الشرارةُ التي أشعلَها الأطفالُ على الجدران وأوقدَتهَا رصاصتان إحداهما اخترقت رقبة محمود الجوابرة والأخرى مزَّقت بطن عيّاش، حيثُ كان الجوابرة أوَّل شهيد يسقُطُ برصاصِ الأمن السوري علنا أمام الجميع منذ مجازر حماة 1982 وانتفاضةِ الأكراد في القامشلي عام 2004.

لم يكن محمود الجوابرة في حياته مهتما بالموقف الإيراني أو حزب الله أو حتى السياسة الروسية والأميركية وأداء الإعلام المحلي الرسمي أو العربي أو العالمي تجاه ما قد يحدث في سوريا، ولكن أخبار تونس ومصر وليبيا واليمن حركت مشاعره وصدق الربيع الذي أخذه معه

القصة الكاملة

وُلِدَ محمود الجوابرة في محافظة درعا وتحديدا في درعا البلد عام 1987 وعاش حياة هادئة حيثُ لم يُكمِل تعليمَهُ المدرسيَّ بعد أن أنهى بعض المراحل منها في مدارس درعا لينطلِقَ إلى الحياة محاولا إثباتَ نفسِهِ في سوق العمل لتقتنِصَهُ قبل ذلكَ رصاصات الأمن.

بدأ اسم الجوابرة يتردَّدُ في كل الأحداث بعد مصرَعِهِ مُباشَرَة في ساحة الجامع العُمَري الخارجية بعد أن اشتعل الرصاص مُنطَلِقا بشكل مُباشر إلى صدور الواقفين الذين ركَضَ مُعظَمُهُم باتِّجاهات مُختَلِفَة، بينما القدَرُ كان بانتظار محمود لينقُلَهُ إلى العالم الآخر، وسرعان ما شبَّ الخبرُ في الأصقاع ليتجمّعَ أكثر من مئة ألف سوري في مقبرة البلد والتي صارَت تُعرَفُ فيما بعد بمقبرةِ الشهداء لتشييع محمود الجوابرة ورفيقَهُ عيَّاش الذي يصغره بعام واحد فقط، وخلال التشييع، الذي تمَّ اغتيال محمود فيه مرَّة ثانية، حضر الأمن السوري بسلاحِهِ وعتادِه الكامل حيثُ وقف المشيِّعون يُراقبون ما قد يحدث وبينما كان يُوارى الشهيدانِ الترابَ انهال الرصاصُ مرَّة جديدة على المُسالمين الذين بدأوا بالهتاف طالبين من الجنود السوريين الذهاب لتحرير الجولان وليس الهجوم على أُناسٍ عُزَّل، هنا في تلك اللحظة سقط ستَّةُ شهداء جُدُد تمَّ تشييعهم في اليوم التالي، حيث سقط شهداء آخرون وهكذا بدأت قافلةُ السوريين تتَّجِهُ نحو السماء فرادى وجماعات.

رحيل الجوابرة فتحَ باب الرحيل على مصراعَيهِ وفتَحَ معَه أيضا باب الاحتجاجات المُنظَّمَةِ التي أخذت منذ ذاك التاريخ شكلا آخر، فارتفع سقفُ المَطالِب وانضمَ غالبيةُ الناسِ إلى الحراك لتبدأ مدنٌ أخرى في مؤازرة درعا، فكانت دوما ثم حمص وتتابعت المدن السوريةُ واحدة تلو أخرى وأخذ الملفُّ السوري بعد تاريخ الثامن عشر من آذار لقَبَ الثورة السورية قبل أن يدخُلَ في انعطافاتِهِ التاريخية اللاحقة.

الشباب والسياسة

لم يكن محمود الجوابرة في حياتِهِ مُهتمَّا بالموقف الإيراني أو حزب الله أو حتى السياسةُ الروسية والأميركية وأداء الإعلام المحلّي الرسمي أو العربي أو العالمي تجاه ما قد يحدُث في سوريا، كل هذا كان بعيدا عن خيالِهِ كما أخبرني عارفوه، فقد تابع مثلَ كل السوريين بترقُّب التغييرَ في تونس ومصر ودخول الملف الليبي في نطاق حسم الناتو، فألهبت هذه الأحداث جذوة في قلبِهِ لتكونَ دماؤُهُ الأولى التي تنسكِبُ في ثورة آذار الجديدة عام 2011.

قتل السوريين المنظم الذي تجري ممارسته بشكل مدروس وممنهج، باتباع كل الوسائل التي من الممكن اتباعها، فتك بشباب آخرين فلاقوا حتفهم على طريقة محمود في مواجهة مع قوات الأمن المسلحة أو في غياهب السجون تحت التعذيب

فتح الجوابرة البابَ برحيلِهِ بعد أن اختارَهُ القدَر ليكون الأوَّل ليلحِقَ به آخرون على عجل وتابعَ السوريون طريقَهُم فكانوا مشاريعَ شهادة مؤجَّلة بعد أن تلقُّوا صدمتهُم في القريب قبل الغريب، نحن هنا أمام حالة من الموت السوري المُنظَّم الذي تتم ممارستَه بشكل مدروس وممنهج، باتِّباع كل الوسائل التي من الممكن اتِّباعُها، فلاقَوا حتفَهُم على طريقةِ محمود مواجهة مع قوات الأمن المسلّحة أو في غياهب السجون تحت التعذيب، وهنا لا بدَّ أن نذكُر الطفل حمزة الخطيب الذي اتهمه الإعلام الرسمي السوري بالاعتداء على نساء الضباط.

حمزة الخطيب أيضا من درعا، كلُّنا شاهدنا صورتَهُ بجسدِهِ المنتَفِخ رغم الثقوب التي أحدَثَتها أعقاب السجائر أو الآلات الحديدية، هذه أيضا صورةٌ أخرى للموت السوريِّ التي نقلَها الإعلام الرسميُّ الذي وصفَ الجوابرة ورفاقَهُ بالإرهابيين ووصفَ حمزة الخطيب بالمُعتدي على النساء، وقبل كل هذا لا بدَّ أن نتذكَر أنَّ هذا الإعلام الذي تعامل مع الموت السوري باستهتار هو نفسهُ وصفَ مظاهرات السوريين بالخروج إلى الشارع لشكر الله عزَّ وجل على نعمة المطر في حي الميدان الدمشقي الشهير.

مواجهةُ الموت السوري الذي بدأ بشاب كانت الحياةُ تنتظر أن تُعطيهِ المزيدَ ولكنَّها أخذت منه كلَّ شيء مرَّة واحدة دون انتظار بعد أن قتلَهُ من كان يَظُنُّهُم أقربين، المالكينَ للسلطة والمال والقوَّة والدعم الخارجي، هذا الموت الذي بدا غريبا في بداياته ما لبث السوريون أن اعتداوا على وجوده. فنذكر في تشييع الجوابرة كان الشهيد يحمل الشهيد ليدفنه شهيد ثالث، وهذه الصورةُ ربَّما هي التي استمرَت منذ الثامن عشر من آذار 2011 حتى اليوم مع دخول الثورة السورية عامها الخامس.

القيمة الرمزية

اكتسبَ محمود الجوابرة قيمتَهُ الكبيرة من رمزيَّةِ مواجهةِ السوري الأعزل للسلاح الحديدي بيد العسكري الذي يقفُ خلفَهُ ضابطٌ يتلقَّى أوامرَهُ من قيادة أحكمت قبضتَها على كلِّ شيء وراحت تشربُ من دماء السوريين، هذه الرمزية التي خبِرَ فيها السوريون قيمةَ تشييعِ الشهيد الذي سقَطَ في حرب لم يتوقَّعوا يوما أن يخوضوها، كانت الصدمةُ الأولى والصرخةُ الأولى بالدارجة السورية قائلين “يا حيف”.

هذا الموت الذي بدا غريبا في بداياته ما لبث السوريون أن اعتادوا على وجوده، فمنذ لحظة تشييع الجوابرة كان الشهيد يحمل الشهيد ليدفنه شهيد ثالث في صورة استمرت منذ الثامن عشر من آذار 2011 حتى اليوم مع دخول الثورة السورية عامها الخامس

هذه الـ”يا حيف” استمر استخدامُها لفترة طويلة بينما تصدَّرَت صورةُ الجوابرة عشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف من الصفحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليتم استبدالُها تباعا بصورٍ أخرى من مسيرة الموت السورية التي جرَّب في خطواتها السوريُّ الموتَ على كل الجبهات، فكان راحلا في ساحات الحرية خلال المظاهرات أو تحت التعذيب في أقبية الموت السورية، هناك في الظلمات، حيث تشملُ عبارة “تحت التعذيب” كل شيء من الحرق والغرق والسلخ والجلد وقلع العيون واستئصال الكبد والرئة وخلع الحنجرة والأظافر والاغتصاب، أو غريقا على أحد السواحل الذي نفَتهُ المواجهاتُ العسكريةُ إليه بعد أن سئمَ الحل عقِبَ تتابعِ المبادرات العربية والدولية الفاشلة مع إصرار النظام وسلاحه العسكري على المُضيِّ قُدُما في الحل الأمني.

حتما لا يعرِف الكثير من السياسيين العالميين المُهتمين بالشأن السوري أو المتابعين له شيئا عن محمود الجوابرة الذي قُتِلَ مع اختمارِ فكرةِ الثورة وانطلاقها إلى كل الشوارع في مختلفِ المدن السورية، ولكن في المُقابِل فإن مئات الآلاف من السوريين يعرفون محمود جيِّدا هو الذي عاش حياتَهُ القصيرةَ في جُلِّها على هامشها ليأخذَ دور البطولةِ مع انطلاقِ الرصاصة الأولى تجاهُ المُسالمين ليكون الضحيَّة الأولى وليحمِل الرقم واحد وليظلَّ البيان الأوَّل في نعي الشهداء السوريين. محمود الجوابرة ابن درعا البلدة التي عاش وماتَ على أرضها ولم يصل إلى منتصف عقدِه الثاني، ما يزال والداه الكبيران إلى فترة قصيرة سابقة يعيشان هناك في حوران بينما صُدِمَ السوريون بنبإ وفاة بعض من أفراد عائلتِهِ غرقا قبالة السواحل الليبية بعد أن ضاقت بهم السُبُلُ، وهذا يضعُنا في مواجهةٍ صادمة أمام فشل التمثيل السياسي للثورة السورية الذي عجزَ عن الوقوف إلى جانب عائلات الشهداء الأوائل الذين رسموا بدمائِهِم خطوات الطريق التي مشاها السوريون فيما بعد وما زالوا يدفعون فاتورتها.

محمود قطيش الجوابرة شاب سوري خرج في المظاهرات الأولى وكان قدَرُهُ أن يكون الأول في الرحيل، بعد أن صاحَ “الموت ولا المذلِّة” كسائر الثائرين، فكان الموتُ حليفا لا يخون. في ذكرى الانتفاضة في عامها الخامس لا بدَّ أن نتذكَر أولئك الراحلين فداء للحريَّة، فهم الشعلة التي ستبقى رغم كل الانعطافات المُرعِبَة التي أصابت الملف السوري وثورة شعبه اليتيمة.

8