محمود الخطيب "الحريف" الذي لا يزال يأسر قلوب الملايين

الخميس 2017/11/30
محمود الخطيب هل يسجل هدفه الأخير اليوم ويصبح رئيسا للأهلي

القاهرة - الموهبة الكروية الفذة والمهارة العالية والذكاء الفطري هي المكونات الأساسية لأسطورة الكرة المصرية، فضلا عن القبول الجماهيري الذي يتمتع به، فقد كانت الشعبية الطاغية التي يحظى بها نتاجًا طبيعيًا لتلك الشخصية المميزة.

وعندما يُذكر الرقم 10 على قمصان لاعبي كرة القدم في مصر فإن ذاكرة عشاق الكرة تتجه إلى لاعب واحد فقط هو اللاعب السابق الذي أطلقوا عليه لقب "الحرّيف".

محمود الخطيب الذي يراه المصريون أفضل موهبة أنجبتها مصر على الإطلاق في الملاعب الخضراء إلى درجة أن القميص الذي يحمل هذا الرقم صار عبئا على كل من ارتداه من بعده لأنه بات على صاحبه أن يجيد مهارات المراوغة وتسجيل الأهداف كما كان “بيبو” يفعل.

تقاليد النادي الأهلي

عودة الخطيب مؤخراً وتقدّمه للترشح لمنصب رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي المصري تمثل لدى محبيه عودة الفارس في السير الشعبية القديمة، إذ يعتبرونه حامل لواء الإنقاذ لناديهم الذي دخل في أزمات عديدة تحت قيادة المجلس الحالي، وإيقاف ما يسمّونه خروجًا على تقاليد الأهلي في بعض التصرفات، ومنها ظهور رئيس النادي مرات عديدة على شاشات الفضائيات.

الخطيب يخوض في هذا اليوم معركة انتخابية ساخنة للفوز بمقعد رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي، وستكون المنافسة حامية الوطيس أمام رئيس النادي الحالي محمود طاهر. إذ يقود الخطيب مهمة عودة الحرس القديم إلى أحد أكبر أندية أفريقيا والوطن العربي باعتباره أحد أبرز عناصر المجلس السابق عندما تولّى منصب النائب في مجلس صديقه المقرّب حسن حمدي.

يعتبر هذا المجلس السابق الذي ابتعد عن النادي منذ انتخابات 2014 امتدادًا لمجلس الراحل صالح سليم أبرز من تولى منصب رئيس النادي، وهو مختلف في الإدارة والتخطيط والصرامة في تطبيق مبادئ الأهلي عن المجلس الحالي، وبالتالي كان طبيعيا أن يتولّى ابن من أبنائه، وهو “بيبو” عودة دولة الإدارة الصارمة مجددا.

عاد الخطيب وفي قائمته مجموعة وقع عليها الاختيار لاستكمال المسيرة فيما بعد، وهي مجموعة تربّى أفرادها وتدرّبوا وهم شباب على فكر إداري بعينه.

نجاح “بيبو” في انتخابات الأهلي، فيما لو نجح، سوف يعدّ أفضل تكريم لمشوار رجل عاش في خدمة ناديه لاعبا ثم إداريا ثم عضوا في مجلس الإدارة ثم نائبا للرئيس.

عودة الخطيب مؤخرا، وتقدمه للترشح لمنصب رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي المصري تمثل لدى محبيه عودة الفارس في السير الشعبية القديمة، إذ يعتبرونه حامل لواء الإنقاذ لناديهم الذي دخل في أزمات عديدة تحت قيادة المجلس الحالي

سيد المهارات العالية

كانت الموهبة أولى مراحل ارتباط محمود الخطيب بالجماهير، حتى أن البعض منهم مازال حتى الآن تستهويه استعادة لقطات فيديو للأهداف التي أحرزها إبّان مسيرته الكروية عبر موقع “يوتيوب”.

ثم تجد هذه الجماهير تترحم على تلك الأيام وتلك الموهبة، وكيف لا وقد كان الرجل أحد اللاعبين القلائل الذين أجادوا إحراز الأهداف في الشباك بكافة أشكالها وبمهارة فائقة؛ بكعب القدم تارة وبالرأس تارة أخرى، ودائما كان السحر مصاحبًا للتسجيل، إضافة إلى حسن أخلاقه داخل الملعب حيث لم يره أحد أبدًا يتشاجر مع أيّ لاعب من المنافسين.

حتى الذين لم يعاصروا الخطيب لاعبا وقعوا في غرام موهبته من كثرة الحديث عنه والثناء على مهاراته وأهدافه المؤثرة، وهذا ما صنع له القبول الجماهيري وزاد من تأثيره عند الناس، وعزز ذلك شخصيته الرصينة وابتسامته العريضة في وجوه محبيه، وتمتّع الرجل بدرجة ذكاء عالية، فهو لم يفكّر إطلاقا في دخول أيّ مهاترات أو معارك خاسرة، ولم يترك نفسه تنهج سبيل إطلاق التصريحات هنا أو هناك، ويعرف جيدا متى يظهر ومتى يختفي ومتى يتواجد في البرامج التلفزيونية بما يليق باسمه.

رصيد جماهيري هائل

هذا الذكاء كثيرًا ما يظهر في الكلمات المحسوبة بمنتهى الدقة التي تخرج من بين شفتيه، وعلى سبيل المثال وفي إحدى ندواته الانتخابية مؤخرًا وقف “بيبو” بين مؤيديه يتحدث من دون مكبّر صوت وفقا لتعليمات إدارة النادي، وعندما طلب منه أحد الحضور استخدام مكبر الصوت لعدم استطاعتهم سماع ما يقوله رد عليه قائلا “التعليمات قالت مفيش ميكروفون يبقى مفيش ميكروفون”، فتلقى الحضور كلماته بتصفيق حاد.

إدارة الأهلي تعي جيدا حجم الخطيب وقيمته، فقد استغلت شعبيته في إتمام الصفقات الصعبة، لعلمها أن أي لاعب أو رئيس ناد يسعد برؤية “بيبو” أو بتلقي مكالمة هاتفية منه.

استغلال الشعبية الطاغية هو في حدّ ذاته عين الذكاء، وهو ما فعله الخطيب عندما وضع اسمه على أكاديمية لتعليم كرة القدم للصغار، وأدّى تواجده يومًا كل أسبوع وسط الأطفال إلى ارتفاع عدد المشتركين بها، ليس لتعلّم فنون الكرة فحسب لكن من أجل رؤية هذا النجم الشهير والتقاط الصور التذكارية معه، سواء من الصغار أو حتى من أولياء أمورهم.

كان لاسم محمود الخطيب تأثير كبير في إتمام تعاقد الأهلي مع الكثير من اللاعبين المميزين، وعلى رأسهم النجم الموهوب محمد أبوتريكة الذي انضمّ إلى الأهلي في موسم 2003-2004 قادما من نادي الترسانة، إذ عندما تطلبت الصفقة تدخل الخطيب كانت بضع دقائق فقط أمضاها مع أبوتريكة على ناصية أحد الشوارع كافية للحصول على توقيع اللاعب دون أيّ شروط، وبعدها ملأ أبوتريكة خزانة النادي بالبطولات المحلية والدولية، وقال أبوتريكة عن ذلك “أول ما شفت كابتن الخطيب، وقّعت العقد على بياض”.

إدارة الأهلي آنذاك كانت تعي جيدا حجم الخطيب وقيمته واستغلت شعبيته في إتمام الصفقات الصعبة، لعلمها أن أيّ لاعب أو رئيس ناد يسعد برؤية “بيبو” أو بتلقّي مكالمة هاتفية منه، وقد تبدّى ذكاء الرجل في مواقف كثيرة ما أدّى إلى زيادة رصيد العشق له في قلوب الجماهير، سواء جماهير الأهلي أو الأندية الأخرى، بل وحتى جماهير الزمالك، الغريم التقليدي للأهلي، تحبّ الخطيب.

موقف آخر يحسب للخطيب وهو أنه وفي عام 1996 عندما تولّى منصب مدير الكرة بمنتخب مصر مع فاروق جعفر كمدير فني لم يفلح النجمان الكبيران في الارتقاء بمستوى منتخب الفراعنة، وهنا، وبسرعة، فضّل الخطيب الابتعاد وترك المهمة، ولم ينس امتلاك قلوب المصريين عندما أعاد ما تقاضاه من راتب طوال مدة عمله إلى خزينة المنتخب.

ومؤخرا حرص “بيبو” على التواجد في عزاء أحد أقدم مشجعي النادي الأهلي وهو المواطن البسيط “عم حسين”، وهذه الخطوة لم يقم بها أو يلتفت إليها أيّ لاعب آخر حاليّ أو سابق، وإن كان البعض قد رآها مجرّد جزء من الدعاية الانتخابية.

دخل إلى "نادي المئة" بإحراز 108 أهداف في 199 مباراة

ابن حارات عين شمس

كل هذا كان كافيا لإرباك حسابات منافسي الخطيب فور إعلان خوضه انتخابات النادي الأهلي وهو نفس الإرباك الذي كان يحدث عندما كان “بيبو” لاعبا يصول ويجول داخل المستطيل الأخضر، وكان لاعبو الفرق الأخرى، خصوصا من المدافعين، يرتاحون لإصابة “بيبو”، لكن الرعب لا يلبث أن يدبّ في قلوبهم فور إعلان اسمه في قائمة الفريق، فقد كان قاسيا على المدافعين وحراس المرمى، ولمسة واحدة من قدمه تكفي لإحراج أيّ منهم أمام الآلاف من الجماهير.

مثلما امتلك الخطيب فكرا إداريا ناجحًا فإنه يمتلك كذلك تاريخا كبيرا في الملاعب يصعب تكراره، وهو حاليا يستعد لحصاد ما زرع لأن جماهير النادي الأهلي ترى أنه حان الوقت لتولّيه رئاسة النادي الأهلي والاستفادة من خبراته ورؤيته الإدارية ولكي يكون قدوة لنجوم الفريق خلال المرحلة المقبلة.

يعرف الكثيرون لقب “بيبو” لكنهم لا يعلمون أن هذا اللقب جاء على نفس وزن اسم زميله لاعب الأهلي السابق، عبدالعزيز عبدالشافي “زيزو”، واختير هذا اللقب تيسيرا على اللاعبين للنداء عليه في الملعب منذ قدومه إلى الأهلي وهو في الخامسة عشرة من عمره.

قبل ذلك عاش الخطيب مع أسرته في حي عين شمس بالقاهرة، الذي جاء إليه قادما من إحدى قرى مركز السنبلاوين، أحد مراكز محافظة الدقهلية في دلتا مصر، فهناك ولد “بيبو” في عام 1954 وفي شوارع عين شمس كانت بداياته مع كرة القدم التي لعبها بإتقان وبراعة، كما تألق في دوري المدارس وذاع صيته، وهو ما أهّله للانضمام إلى نادي النصر القاهري ثم منه إلى الأهلي.

انتقاله إلى الأهلي شهد عقبة لم تكن متوقعة كادت تحرمه من تحقيق حلمه، فقد رفض مسؤولو نادي النصر الاستغناء عنه، وظل “بيبو” يتدرّب في الأهلي لمدة عام كامل إلى أن تمّت الموافقة على الانتقال في النهاية.

المفارقة أنّ أول مباراة رسمية لعبها الخطيب مع الأهلي كانت أمام ناديه القديم “النصر”، لكنه بعد ذلك ثبّت أقدامه مع الفريق الجديد عندما شارك مع الأهلي في الفوز على شباب نادي الزمالك بنتيجة (7-1)، وسجل وحده ثلاثة أهداف، ثم صعد إلى الفريق الأول ليلعب أولى مبارياته الرسمية أمام نادي البلاستيك، وفي نفس المباراة سجل أول أهدافه مع الفريق الأول.

بطاقة إنذار واحدة

استمر في التألق وإحراز الأهداف حتى دخل إلى “نادي المئة” بإحراز 108 أهداف في مسابقة الدوري في 199 مباراة خلال 17 سنة، وعاصر في تلك المدة العديد من المدربين، لكن أكثرهم تأثيرا عليه كان المدرب المجري هيديكوتي، الذي ترك بصمة واضحة مع الفريق وانتقل به إلى فكر جديد، حتى أن “بيبو” قال عنه “استفدت كثيرا مع المدرب المجري هيديكوتي الذي عايشته لنحو 7 سنوات، فقد كان يأخذني إلى الملعب وحدي ويدربني على أشياء كثيرة”.

"بيبو" يعد أحد اللاعبين القلائل الذين أجادوا إحراز الأهداف في الشباك بكافة أشكالها وبمهارة فائقة؛ بكعب القدم تارة، وبالرأس تارة أخرى، ودائما كان السحر مصاحبا للتسجيل، إضافة إلى حسن أخلاقه داخل الملعب حيث لم يره أحد أبدا يتشاجر مع أي لاعب من المنافسين.

حصل الخطيب على العديد من الألقاب ومنها لقب أحسن لاعب ولقب أحسن هداف ولقب أحسن أخلاق رياضية، فلم يشهر الحكام في وجهه إلا إنذارًا واحدًا فقط طوال وجوده في الملاعب، وهو أيضا اللاعب المصري الوحيد الذي حصل على الكرة الذهبية عام 1983 وهي الجائزة التي تمنحها مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية لأحسن لاعب في قارة أفريقيا.

تخطى طوال مشواره الكروي الـ500 هدف في الدوري المحلي وقطاعات الناشئين والبطولات الأفريقية، وحصد مع الأهلي 15 بطولة محلية و5 بطولات أفريقية، ونال لقب هداف المنتخب المصري طوال عقد كامل، وأحرز معه بطولة الأمم الأفريقية عام 1986، كما ساهم في وصـول منتخب الفراعنة لدورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلس عام 1984.

أحرز الخطيب أهدافًا كثيرة رائعة، لكنّ هناك هدفا منها لم تنسه جماهير الأهلي حتى هذه اللحظة، وهو الهدف الذي يحظى لدى الخطيب بمكانة خاصة، وقد قال عنه “هذا أحب الأهداف إلى قلبي لأنه الهدف الذي منح الأهلي لقب بطولة دوري الأبطال”، وكان ذلك الهدف في مرمى فريق “أشانتي كوتوكو” بطل غانا، بتسديدة صاروخية بالقدم اليسرى من خارج منطقة الجزاء.

ما أنجزه الخطيب جعل اعتزاله مسألة صعبة للغاية على قلوب الجماهير، ونزل خبر ابتعاده عن الملاعب كالصاعقة على عشاقه، وفي مباراة الاعتزال عام 1987 جاءت اللحظة التي لم يكن يتمناها ملايين المصريين وامتلأت مدرجات استاد القاهرة بأكثر من 120 ألف متفرّج، وبعد دقائق من الشوط الأول أعلن الحكم توقف المباراة ومغادرة “بيبو” أرض الملعب، ووقف اللاعب على منصة صغيرة لإلقاء كلمة شكر فيها الجماهير.

كانت الأجواء مشحونة بالعواطف وشهدت المباراة أول أغنية يتم تأليفها من أجل لاعب كرة قدم، وفور أن أمسك “بيبو” بالميكروفون تعالت هتافات الجماهير قائلة “لا يا بيبو لا.. لا يا بيبو لا”، وقتها لم يسعفه لسانه إلا بنطق كلمته الشهيرة “ألف شكر.. ألف شكر”.

بهذه الكلمات أنهى الخطيب مشواره الكروي ووقتها ابتعد عدد كبير من الجماهير عن مشاهدة مباريات فريق الأهلي، واعتبروا أن المباريات في غياب مهارات “بيبو” تفتقد حلاوتها، والآن ها هو ينتظر أن يمسك “الميكروفون” من جديد ليعيد كلمته الشهيرة “ألف شكر” على مسامع أعضاء الجمعية العمومية للنادي إذا كتب له التوفيق في الانتخابات. فهل سيقولها هذه المرة من على مقعد الرئاسة بعد أن ينجح في إحراز هدفه الأخير فيصبح رئيسًا لمجلس إدارة النادي؟

21