محمود السيد صاحب مونادا دمشق التي أيقظت النصوص

السبت 2015/05/30
محمود السيد شاعر بصري عاش ذاته مشكلا المشهد السوري الناقص

أراد الشاعر السوري محمود السيد (1935-2010) لذاته الشعرية أن تقف على الحواف القاسية في كل المحطات التي عاشها، فالضيق الذي أحاق به كواحد من جيل الانكسارات العميقة في التاريخ السوري والعربي عموماً لم يدفعه نحو التمترس وراء القول الشعري القابل للتسويق بأدوات المتاح، بل مضى به إلى الحفر في الذات لاكتشاف مكامن القوة فيها وبؤر الضعف أيضاً، إذ لا يمكن للشاعر الرائي أن يواجه العالم دون أن تقسو روحه، الذات الرهيفة هنا لا تساعد على المواجهة، وفي الطريق إلى القسوة يمكن للمسعى أن يفشل ويمكن له أن يوصل الشاعر إلى عتبات قوة النص بوصفه حاملا لخطاب يتناسب مع حاجات المرحلة.

تراجيديا الأسطوري والديني

تمثل هذه الذات لمنحنيات التراجيديا الإنسانية لدى محمود السيد يتماس مع الأسطوري والديني، فهو يبدأ منذ المحاولات الشعرية الأولى المعروفة عنه، فنقرأ حواره مع يهوذا “يا ظل يهوذا. يا قبله/يا لاعق جرح الإنسان/لن تصلب في ذاتي شعله/تبهر… تفضح رمز القتلة” (مجلة الأديب، مارس، 1962).

معايشة الرؤيوية، ستدفع بتلك الذات إلى أن تنفض عنها كل التمثلات السابقة، فالخطاب الرؤيوي الملتصق بالحراك السياسي، سيفرغ النص من ألق الذات، ويحوله إلى تكرار أدبي لما هو سياسي، وعليه سيجد الشاعر عالمه في الكلمة/الذات، وفي اللوحة/الحياة. وهكذا نقرأ في كتابه الأول “مركب الرغوة” الصادر في العام 1967 وتحت عنوان “اعتراف”: “فوق بابي بومة، حرباء/‏أفعى وكناري..‏/ لوحةٌ خُطّ عليها:‏ كل عاري أنني من دون عار‏”.

ورغم الطاقة الكبيرة والرغبة بالتجديد الشعري في ديوانه “مزامير ديك الجن” الصادر في العام 1978، إلا أن السيد كان قد نشر على صفحات مجلة (المعرفة) في العام 1973 الأقنومين الأولين من كتابه الأشهر “مونادا دمشق” الذي صدر كاملاً في العام 1978، وليشكل هذا الكتاب انعطافة خلاقة في مسار الكتابة الشعرية النثرية لدى جيل شعري كامل، تعاطى مع نص محمود السيد على أنه إلهام يعيد للذات البشرية الاعتبار (كلمة “Monad”، وتعني الوحدة أو الجوهر الفرد، بحسب فلسفة الألماني ليبنتز).

بعد أن استغرقتها نصوص السائد الغارقة باليومي، والأسطوري، ففي فسحات هذه القصيدة تموج الروح البشرية بانسجام كامل مع الكلمات، لتذهب إلى أقصى دفقات الطاقة التي يعطيها الحب للإنسان بين ضفتي المرأة والرجل “أيتها الأنثى يا ذاتاً في ذاتي، أنا البحر (وربان الغرائز) أطلبك فكوني.. مونادا: “لأكن الملوحة وطعم التربة على لسان الشتاء، ولتكن أنت سيدي الذي أتلوح بسيفه، وأنضج تحت إبطه. أنت وحدك ابحث. عما يستيقظ بي، جواباً بحيرات المرأة. هل المرأة كسفينة إلا لك؟! أيها المونادا الرجل”.

بعد انهيار مجلة "ألف" يعتزل محمود السيد العالم في منزله، ليعيش كائنا ليليا لا يرى الخراب الذي لم تطقه روحه، ليغادر الحياة في العام 2010 بعد عقد كامل من هذا المنفى الذاتي في الوطن

السيد الصحفي

عاش محمود السيد طفولته في مدينة مصياف، ودرس الإعدادية في مدينة اللاذقية ثم انتقل إلى دمشق ليحصل فيها على الثانوية وليلتحق بعدها بكلية الحقوق في جامعتها عام 1956، ولكنه سيذهب بعد عامين ليؤدي الخدمة الإلزامية.

وفي العام 1960 بدأ عمله في الصحافة في جريدة الوحدة الدمشقية، حينها يفصل السيد من عمله إثر وقوع الانفصال بين سوريا ومصر في العام التالي، ولكنه سيتابع العمل الصحفي من خلال مجلة “ليلى” في عهد الانفصال، ومع استيلاء البعثيين على السلطة في سوريا ومصادرتهم للحياة الصحفية الخاصة، سيلتحق السيد بجريدة الثورة التي سيخوض فيها الكثير من التجارب التي أوصلته لأن يصبح رئيسا لتحريرها لمدة عام كامل سيبادر بعده إلى تقديم استقالته من المنصب، وليعمل فيها محررا ومخرجا صحفيا.

في العام 1976 أشرف محمود السيد فنيا على “ملحق الثورة الثقافي” الذي استمر لمدة سنتين، وكان من كتّابه كبار مثقفي سوريا والعالم العربي، وفي الوقت نفسه قام فيها بتدريس طلاب الصحافة في جامعة دمشق مادة الإخراج الصحفي.

وفي العام 1989 قدم استقالته من عمله، ولكنه سرعان ما عاد إلى الحياة العملية من بوابة العمل مع جيل الكتاب السوريين الشباب في مجلة “ألف” التي أصدرها الناشر سحبان السواح، وترأس السيد تحريرها في العام 1990 واستمرت لمدة سنتين قبل أن تطوى صفحتها بسبب عدم توفر الدعم المالي لها.

وبين أوراق هذه المجلة وضع محمود السيد جزءاً كبيراً من إصداراته اللاحقة ككتابي “تتويج العشب: القصيد الثاني من كتاب “التتويج”. و”سهر الورد –تجليات السهروردي في الورد والدم”. اللذين صدرا في العام 1998. وكذلك بعضاً من مشروعه الشعري الذي حمل عنوان ” لا: قصائد مضادة للشعر” ومنذ العام 2000 الذي أصدر فيه “كتاب العشق – إشراقية العشق الجنوبي”.

اعتزل محمود السيد العالم في منزله، مبقياً روحه بعيدة عن المناخ العام الذي كانت تعيشه سوريا، وهي تنتقل من يد ديكتاتور إلى يد آخر، وبعد عقد كامل من هذا المنفى الذاتي في الوطن غادر السيد الحياة في العام 2010. تاركاً وراءه عدداً من المخطوطات الشعرية التي لم يتح للقارئ أن يطلع عليها.

اللوحة الحياة

“أيّها القيوم في اللغة،

الخارج على سلطة الكلام، وسلطة الموت.

هل أشهد على حضورك؟

ومن يشهد على حضور الآخر، النسغ على الشجرة أم الشجرة على النسغ؟

وهل للقاتل أن يفصل بين النسغ والشجرة؟”.

معايشة الرؤيوية، تدفع بمحمود السيد إلى أن ينفض عنه كل التمثلات السابقة، فالخطاب الرؤيوي الملتصق بالحراك السياسي يفرغ النص من ألق الذات ويحوله إلى تكرار أدبي لما هو سياسي حينها سيجد الشاعر عالمه في الكلمة وحدها

ربما يلخص هذا المقتبس من كتاب “سهر الورد – تجليات السهروردي في الورد والدم” حيزاً كبيراً من المعادلة التي اجتهد محمود السيد للعمل في إطارها، فالتلاصق بين الذات والحياة، سيسعى لأن يعيد إنتاجه في عمله على الكلمة واللوحة.

وعبر تجربتين عمليتين وإبداعيتين في آنٍ معاً قدم السيد إرثاً بصرياً هاماً، اتسق مع مسعاه لأن يخرج باللغة الشعرية نحو تصور مختلف عن السائد، فالأولى وهي تجربته البصرية الثرية حين كان مشرفاً فنياً وعضواً في هيئة تحرير ملحق الثورة الثقافي.

والثانية هي تجربته في مجلة ألف للكتابة الجديدة، وإذا كان للشاعر أن يجمل صنيعه في صياغة الصورة الشعرية المبنية على مجازاته، وعلى فيضه الداخلي، بالتوازي مع عمل الفنان الذي يقوم بإخراج النص وفق صورة بصرية في الكتاب أو الجريدة أو المجلة، فإن محمود السيد وقد جمع في تجربته الحالين معاً، يبدو نموذجاً مختلفاً لشخصية الشاعر ولشخصية المخرج الفني، فهو الشاعر في رؤيته للتكوين الفني الذي يجب أن تقوم عليه الصفحة المتروسة بنتاج الشعر والقصة والمقالة والخبر، وهو المخرج الفني لنصه الشعري الذي بدا تكوينياً لا بد من أن تتداخل كلماته مع مشهدية بصرية مختلفة كي تؤكد مجازاته ومعانيه..

السيد لم يأت إلى تجربة الملحق الثقافي من حالةٍ حِرَفيةٍ مكتفيةٍ بمهارات التشكيل والقدرة على التلاعب بالكتل المكونة للصفحة كالعناوين والصور وبلوكات الكلام، بل إنه سبق إشرافه الفني على الملحق بتجربة صحفية وأدبية كانت قد كرسته كصاحب مشروع ووجهة نظر سياسية، ورؤية فنية تشكيلية، ونبرة جارحة في كتاباته الشعرية.

دور المشرف الفني الذي قام به محمود السيد ضمن مساحات الملحق كان يتضح للقارئ منذ تلمسه للاختلاف المنشور على الصفحة الأولى، والذي كان ينهض ببعثرة مدروسة للكتل تكرس تحطيم مبدأ التراص والتوازي الذي تقوم عليه الصفحة الأولى للجريدة ذاتها، فهنا يمكن للصفحة أن تكون مائلة وغير مستوية رغم أنها تبقى صفحة متوازنة من حيث تأثيرها على القارئ الذي يدرك أن ما يراه هنا ليس فوضى للشكل بقدر ما هو هوية بصرية للمنبر الثقافي، فعلى عكس الصفحات التقليدية في الجريدة اليومية (السياسة – المحليات – الاقتصاد – المجتمع) والتي غالباً ما تأخذ الشكل التقليدي في الإخراج المتفق عليه، يجب أن تخرج الصفحات الثقافية وكذلك الفنية عن هذه التقليدية، لتضفي وعبر الشكل قدرتها على إغواء القارئ وتمكنها من جذبه إلى المادة المبنية على الإبداع.

ولعل القفزات العالية التي تم تحقيقها في عالم الإخراج الصحفي والتي استندت على تطور أجهزة الحاسوب والتي لم تحدث إلا في منتصف الثمانينات وما بعدها، توضح قدرة محمود السيد على جعل الخيال الفني ممكناً عبر العمل يدوياً على تشكيل الصفحة عبر الخروج من النسقية وربط النص المصفوف بالأحرف الرصاصية مع “الموتيف” المرسوم بالحبر الصيني وتثبيت الصورة باللاصق الشفاف والذي غالباً ما كنا نشاهد خياله على صفحات الملحق المطبوعة.

العمل على التخليق البصري في تلك المرحلة وبأدوات تقنية بسيطة كان يتوازى مع عمل التخليق البصري في سينما وتلفزة ذلك الزمان أي قبل أكثر من ثلاثين عاماً ولعل قيمة ما تمت صناعته في ذلك الوقت في كل تلك الأنواع الفنية لا تتأتى من قدرة المخرجين على التعامل مع أدواتهم الحرفية بقدر قدرتهم على تكوين المشهدية المختلفة عبر هذه الأدوات محدودة الإمكانيات بالمقارنة مع ما فجرته الثورة الرقمية من مهارات عبر البرمجيات الخاصة بعالم الصورة.

مجلة "ألف" حرية الكشف

ومن موقع المبدع صاحب الرؤية الملهمة للجيل الجديد الذي يبحث عن تفجير متن النص جاء محمود السيد رئيساً لتحرير مجلة “ألف لحرية الكشف في الإنسان والكتابة”، ولعل مطالعة صفحات أعداد المجلة الاثنين والعشرين توضح وبجلاء ملمس رؤيته الشخصية وروحه فيها، فقد قامت المجلة تحت لواء التغيير في نمطية الكتابة السائدة متعللة باسمها “ألف” المستوحى من نص النفّري الشهير.

مجلة “ألف” بدت مختبراً تجريبياً على مستوى النص وعلى مستوى التشكيل أكثر منها مطبوعة مختومة ومقفلة، فكل شيء فيها كان يتغير من عددٍ إلى آخر، ووحده لوغو المجلة كان ثابتاً في شكله وليس في موقعه

وقد وضح للقارئ الذي تداول بين يديه العدد الأول لهذه المطبوعة أنه أمام نمط جديد من الإصدارات الأدبية، فبينما لم يكن ثمة في سوريا سوى المطبوعات الصادرة عن وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب العرب، والتي كانت قد رسّخت لنفسها هويات بصرية مستقرة غير جذابة، جاءت “ألف” لتشتغل ضمن مساحة الفراغ الكبيرة، وليجد كتّابها الشباب في التشكيل الفني الذي اشتغل عليه السيد مع عددٍ من الفنانين من أصحاب الرؤى المغايرة، مساندة هامة لنصوصهم التي كانت تبحث عمّن يضعها في موضع التداول للوصول إلى القارئ.

بدت “ألف” مختبراً تجريبياً على مستوى النص وعلى مستوى التشكيل أكثر منها مطبوعة مختومة ومقفلة، فكل شيء فيها كان يتغير من عددٍ إلى آخر، ووحده لوغو المجلة كان ثابتاً في شكله وليس في موقعه، وإذا كان لنا أن نبحث عن محمود السيد في هذا المختبر فإننا لا بد سنعثر عليه ضمن هذا المبنى الإجمالي للتجربة حيث يمكن للفوضى البصرية المصنوعة كفعل إبداعي أن تثبت خطاب المجلة الذاهب باتجاه صفحات ما بعد حداثية يمكن لكل العناصر المختلفة أن تتجاور فيها، وأن يتم تخليق التنوع من روح هذا الاختلاف.

في الوقت ذاته تجعلنا قراءة النص الذي نشره السيد في المجلة “سهر الورد، أو تجليات السهروردي في الورد والدم” نشتبك مع رغبته في إنتاج نص بصري أكثر منه لغويا، فالنص ينسدل أمام القارئ وفق متنِ وهامش وحين يتم النظر إلى الصفحتين المقابلتين، يصبح لدى القارئ متن واحد بهامشين وبما يحسس القارئ الذي يدخل تجربة الشاعر للمرة الأولى أنه يدخل معه في متاهة بسيطة الشكل ولكنها هائلة التكوين من حيث ترتيب الجمل والكلمات والحروف.

كل شيء في ذلك التكوين له وظيفته وله دعوته وانطباعه لدى القارئ حتى أن النص/المتن يتحول ذات لحظة إلى نهر تهدر فيه تداعيات الجسد والروح في قاع غنوصي يحاول مجاراة فيوضات الشخصية ـ السهروردي التي وقّدت فكرته.

تجربة محمود السيد في هذين المختبرين الإبداعيين، وهي تجربة تقترن فيها الكينونة الشعرية مع المهارة الحرفية مع الرؤية التشكيلية، تستحق في الحقيقة أن تدرس تقنياً ومن قبل مختصين وحرفيين وضمن مساحة أوسع، وهي في المحصلة تكتسب قيمتها من ارتباطها بزمانها وتاريخ صناعتها، وإذا كان لشيء ما أن يخرج خارج إطار التزمين فإنه بالتأكيد شعرية السيد التي تمزج بين الكلمة والصورة كملمح أساسي من ملامح الحداثة الشعرية.

14