محمود المسعدي مغامرا ومجددا

الثلاثاء 2014/02/18
مبدع أعاد للغة العربية صفاءها

الأديب التونسي الكبير محمود المسعدي (1911-2005) مفرد بصيغة الجمع، فهو أوّلا المبدع الكبير الذي أعاد للغة العربيّة صفاءها، ونضارتها، وإشراقاتها كما كان حالها في زمن العظماء من أمثال الجاحظ، والمعري، والتوحيدي، والإصفهاني، وعبدالله بن المقفّع، وغيرهم.. وقد فعل ذلك في زمن البلاغة الصّماء التي ازدهرت في عصور الانحطاط المديدة فحنّطت اللّغة العربيّة، وفصلتها عن الواقع، وعن الحياة في سيلانها وتدفّقها فعادت جامدة، وميّتة، عاجزة عن أن تسمّي الأشياء بأسمائها، فعل ذلك في زمن كان فيه الفرنسيّون المحتلّون لبلادنا يجاهرون بعدائهم للّغة العربيّة بهدف فرض لغتهم على التونسييّن و”فرنستهم”. وكانوا يزعمون أن اللغة العربيّة لغة تجاوزها العصر، وبالتالي لن تلبث أن تنقرض مثلما هو حال اللغة اللاتينيّة، واللغات الشرقيّة القديمة.

وكانوا يحرّضون النّخب التونسيّة على تعلّم لغة موليير، والتحدّث، والكتابة بها، داعين نظريّا وفعليّا إلى ضرورة مَحْو اللغة العربيّة الفصيحة، وتعويضها بالدارجة. وقد استجاب البعض من التونسيين لتلك الدعوة، وتحمّسوا لها ليصبحوا بلا ذات، وبلا صفات. غير أن المسعدي الذي كان متضلّعا في اللغة الفرنسيّة وآدابها كره أن يتنكّر للغة الضّاد، وخاض مغامرة تجديدها، فأجاد في ذلك، وأبدع بشكل مثير، ومدهش. ومثل ساندور بيتوفي في المجر، وأوغستينو نيتو في أنغولا، وماتزيني في إيطاليا، وخوزيه مارتي في كوبا، اتّخذ المسعدي من إحياء اللغة العربيّة وسيلة لمواجهة المستعمر الذي كان يعمل على طمسها للقضاء على الهويّة التونسيّة، ومسخها. من هذه الزاوية يمكن اعتبار المسعدي “بطلا وطنيّا” بالمعنى الحقيقي للكلمة. ألم يقل ميلان كونديرا: «الشعوب بإمكانها أن تظلّ حيّة، وقائمة الذّات في ظلّ تغيّرات الأنظمة وتحوّلاتها؛ أمّا أن تُفرَغ أمّة من ثقافتها، أي من ذاكرتها، ومن أصالتها، فإنّ هذا لا يعني شيئا آخر غير الحكم عليها بالإعدام».

وقد ارتبط إحياء اللغة العربيّة عند المسعدي بجعلها قادرة على أن تطرح قضايا وجوديّة عميقة كتلك التي طرحها الروسي دستويفسكي، والألماني شوبنهاور، والفرنسي ألبير كامو. وهذا ما فعله في مؤلّفاته الأساسيّة أي “السدّ”، و”مولد النسيان”، و”حدّث أبو هريرة قال..”. وعن مؤلّفه الأخير هذا، كتب يقول في كتابه “تأصيلا لكيان”: «هو قصّة التجربة الوجوديّة، أو مغامرة الكيان الإنساني. قصّة المسيرة الطويلة التي هي مسيرة الحيّ في سبيل الاضطلاع بمسؤوليّة الوجود الإنساني. لأن الإنسان ليس شيئا معطى مقرّرا، حاصلا من البدء كما في معطيات الحسابيّات، بل هو كائن يتكوّن تدريجيّا، ولا يزال في حال صيرورة مستمرّة، وتكوّن متواصل من أوّل لحظة إلى آخر لحظة».

والوجه الآخر لمحمود المسعدي هو وجه المناضل السياسي والنقابي الذي انخرط منذ فترة الشباب في الحركة الوطنيّة بقيادة الزعيم بورقيبة، وفي الحركة النقابية بقيادة المناضل الكبير فرحات حشاد. فكان بذلك رمزا للمثقف الملتزم بالدفاع عن القضايا الكبيرة التي تواجهها بلاده، رافضا الاستقالة، والعيش في الأبراج العاجيّة. أمّا الوجه الثالث لصاحب “حدّث أبو هريرة قال..” فهو وجه رجل الدولة الذي اضطلع بمسؤوليّات سياسيّة جسيمة في المرحلة التي أعقبت الاستقلال. فقد كان وزيرا للتربية والتعليم في “عهد الثورة التربويّة” التي غيّرت وجه تونس.

14