محمود الورفلي قائد عسكري تحت المجهر يظهر تناقضات الأوضاع الليبية

 الورفلي، ودون إدراك منه، يفتح الباب لصراع مفتوح داخل مكونات الجيش الليبي التي هي بحاجة، أشدّ ما تكون، للوحدة والتراص أكثر.
الأحد 2018/02/25
لمن الولاء للسلفية الجهادية أم للجيش؟

ربما كانت رسالته التي لم يفهمها الليبيون قبل غيرهم أن من يضرب ليبيا يجب أن يُضرب بأيادٍ ليبية وفي المكان عينه. صوره التي يقول معلقون إنه هو من يتولى نشرها بنفسه، يتناقلها الليبيون كل يوم بتعليقاتهم المتفاوتة وأسلوبهم المدافع عن قوات الجيش. فيما تأخذ حمية من السراب الواهم المنتسبين لشق الإسلاميين والمدافعين عن العناصر الإرهابية التي ارتكنت إلى أسلوب التفجير بعد تضييق الخناق عليها في أكثر من رقعة جغرافية بفضل قوات الجيش. آخرها تفجير بسيارة مفخخة جدّ الأربعاء الماضي، وراح ضحيته ثلاثة عناصر في نقطة تفتيش بمنطقة الجفرة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى العاصمة طرابلس.

تناقض المرجعية الدينية والانتماء يوازيه تناقض في الخطة الموكولة لقائد عسكري مهاب ميدانيا. رغم أنه من النادر العثور على شخصية تجمع متناقضين يصعب أن يستويا في الأدبيات العسكرية وتوجهات القيادة العامة للجيش. غير أن محمود الورفلي استطاع الجمع بين الاثنين، شعاره في ذلك ضرب الخصوم وتصفيتهم. لكنه ودون إدراك منه فتح الباب لصراع مفتوح داخل مكونات الجيش الليبي التي هي، أشدّ ما تكون، في حاجة للوحدة والتراص أكثر، فيما يقول مقربون منه إن فرط غيرته على وطنه ربما كان الدافع وراء عمليات التصفية للإرهابيين التي يقوم بها.

أسئلة عصية على الفهم

آمر الدوريات في كتيبة “الصاعقة”، التشكيل العسكري الأقوى في صفوف الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر
آمر الدوريات في كتيبة "الصاعقة"، التشكيل العسكري الأقوى في صفوف الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر

الورفلي آمر الدوريات في كتيبة “الصاعقة”، التشكيل العسكري الأقوى في صفوف الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، والتابع لمجلس النواب الليبي، تجاوز الأربعين ببضع سنوات، متخرج من الكلية العسكرية الليبية وحاصل على رتبة نقيب في العام 2009 وتمت ترقيته في العام 2017 إلى رتبة رائد، ينتمي إلى تيار “سلفي” مدخلي يقاتل الكثير من المنتسبين إليه إلى جانب قوات الجيش الليبي. الورفلي يواجه اتهامات من محكمة الجنايات الدولية بتهمة القتل الخارج عن القانون وضلوعه في ارتكاب جرائم حرب.

يقف الورفلي في دائرة الضوء هذه الأيام في ظل مشهد ليبي مأزوم بانقسام سياسي وعسكري حادّ على خلفية الاتهامات المتجددة والموجهة إليه. فيما يقول مناصروه إنه يمثل اليد الضاربة لقوات الجيش الليبي ضد الإسلاميين المتشددين والخصوم الضالين لطريق العودة إلى صف الدولة والانصهار في نسيجها الاجتماعي.

آخر المشاهد التي أعادت الورفلي إلى الواجهة سجلت إثر تفجير إرهابي مزدوج استهدف مسجد بيعة الرضوان في مدينة بنغازي وخلف أكثر من 30 قتيلا والعشرات من الجرحى. بعدها ظهر الورفلي في مشهد صدم الليبيين والرأي العام العربي والعالمي يظهره وهو يقوم بتصفية 10 أسرى في نفس مكان التفجير.

يقول البعض إنه عندما يتعلق الأمر بالوطن والتضحية في سبيله والذود عنه وتنقيته من المتربصين به، تلغى كل المحاذير جانبا، وتصبح لغة الزناد الأداة الوحيدة للتعامل مع المنشقين والخارجين عن الصفوف.

هكذا بدا المشهد، وهكذا ارتسمت ملامحه في عيون المنتسبين للقيادة العسكرية في الجيش الليبي قبل غيرهم، فيما الصورة القاتمة التي تمت من خلالها عمليات التصفية واستنكرها المجتمع الدولي وطالب على إثرها بتسليم الورفلي، مسألة تتفهمها القيادة العسكرية وتعمل على محوها بعد إعلانها عن تسليم الورفلي للقيادة العامة للجيش التي تتولى التحقيق معه.

أسئلة عصيّة على الفهم تضع الرجل في دائرة الاتهام أكثر من أن تبرّئه مما نسب إليه من أعمال ترقى إلى مستوى الوحشية، حتى ولو كان هؤلاء من الخصوم الخارجين عن القانون والأعراف.

المهاب ميدانيا مطلوب جنائيا

[ منتقدو المشير حفتر يرون أنه أتاح المجال لأتباع تيار المداخلة ومكنهم من السيطرة على المنابر والمساجد وكوّن لهم هيئة للفتوى بعد أن شرعن وجودهم المسلح ضمن كتيبة ينتمي إليها الورفلي
منتقدو المشير حفتر يرون أنه أتاح المجال لأتباع تيار المداخلة ومكنهم من السيطرة على المنابر والمساجد وكوّن لهم هيئة للفتوى بعد أن شرعن وجودهم المسلح ضمن كتيبة ينتمي إليها الورفلي

الخبراء والمحللون يجمعون على أن العنف لا يجب ألا يقابل بعنف مضادّ خصوصا وأنه صادر عن قيادة عسكرية في الجيش. وفي هكذا مستوى يقول وزير العدل الليبي السابق صلاح المرغني “أعتقد أننا أمام حالة من الإرهاب والإرهاب المضاد، تذهب ضحيته مدينة بنغازي وأهلها، ولكي تنجح مقاومة الإرهاب لا بدّ من الالتزام بالشرعية على بطئها وترنحها”.

صورة الرجل العسكري المهاب ميدانيا والواقف على الدوام ندّا لكل نفس مرتهنة لتنظيمات الإسلام السياسي وأدوات التخريب في ليبيا، الورفلي نفسه من أسهم في إضفاء ضبابية عليها ليخرجها إلى الرأي العام على هذا النحو.

إعدامات وعمليات تصفية تكرر منسوبها، دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى التفاعل والتدخل والتسريع في إصدار أمر باعتقال الورفلي. المحكمة قالت في تقريرها إن الورفلي

متهم بارتكاب إعدامات تصنف كجريمة حرب خلال سبع وقائع شملت 33 سجينا في يونيو ويوليو عام 2017 في بنغازي ومناطق قريبة منها.

 اتهامات الجنائية الدولية ردّت عليها القيادة العامة للجيش الليبي بإعلان إيقاف الورفلي وإحالته إلى التحقيق. وقال حينها الناطق الرسمي باسم قوات الجيش الليبي العميد أحمد المسماري إن الإيقاف كان بأمر من القائد العام المشير خليفة حفتر. المسماري توجه مباشرة إلى الجنايات الدولية بالقول “نحيطكم علما بأن المتهم في دعواكم القضائية الرائد محمود مصطفى الورفلي يخضع الآن للتحقيق أمام المدعي العام العسكري، في ذات القضايا المنسوبة له وهو رهن التوقيف منذ تاريخ التكليف الصادر بالتحقيق من السيد القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية”.

العسكري بملامح قبلية 

وفي ظل أخبار غير مؤكدة حول إطلاق سراح الورفلي من عدمه، فإن المؤكد أن الرجل خلق حالة من التوتر بين قوات “الصاعقة” وحفتر تطورت حدته في المدة الأخيرة لتأخذ منعرج التمرّد، تمرّدٌ وإن بدا ظاهريا معلوم الأسباب لجهة الدور الوازن الذي يمثله هذا القيادي في صلب القوات المكونة للجيش الليبي، لكنه يطرح أسئلة حارقة حول الآلية التي سيتعامل بها حفتر مع هكذا مواقف متصاعدة في وقت تحتاج فيه ليبيا لتوحيد صفوف قواتها العسكرية، خصوصا وأن الرهان على الاستحقاق الانتخابي يضع الجميع على دائرة المحك وأولهم حفتر الذي يتصدر دائرة الكواليس المعلنة رغم تلميحه في أكثر من مرة إلى إعلان نيته الترشح.

برز نجم الورفلي كقائد عسكري ناجع من خلال كتيبة “التوحيد” السلفية مع انطلاق عملية الكرامة التي أطلقها المشير خليفة حفتر في منتصف مايو من نفس العام، قبل أن يتسلم مهام قيادية في القوات الخاصة “الصاعقة”، والتي كانت تستهدف حينها تطهير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية التي ظلت لأكثر من ثلاث سنوات تسيطر على المدينة وتنفذ عمليات اغتيال واسعة لعسكريين ومدنيين ومثقفين وصحافيين ونشطاء في المجتمع المدني.

الورفلي يرى منتقدوه أنه ينفذ عمليات تصفية مسنودا بخلفيات دينية واضحة من خلال سرده للتبريرات الفقهية والعقائدية بشكل يرتقي إلى ما يشبه “طقوسا” تمسرح المشهد قبل كل عملية قتل وإعدام لمن يسميهم بـ”الخوارج”.

 فيما يقول متابعون للرجل إن الوحشية التي تعكسها تلك المقاطع المسربة واستسهال قتل الخصوم العسكريين والسياسيين والتنكيل بهم ينمّان عن العقلية المركبة لهذا القيادي الذي يخوض معاركه الخاصة تحت راية قوات حفتر، بعقيدة تشرعن الفتك بكل الخصوم وحزم عسكري يجعله مهابا حتى من أقرب حلفائه.

لصورة القاتمة المنتشرة اليوم عن الجيش والتي تمت من خلالها عمليات التصفية واستنكرها المجتمع الدولي فطالب على إثرها بتسليم الورفلي
الصورة القاتمة المنتشرة اليوم عن الجيش والتي تمت من خلالها عمليات التصفية واستنكرها المجتمع الدولي فطالب على إثرها بتسليم الورفلي

 في ديسمبر عام 2015 أوكلت للورفلي أولى المهمات القيادية من قبل آمر القوات الخاصة ونيس بوخمادة، حيث كلف بإمرة دوريات الصاعقة لتأمين المناطق الداخلية في بنغازي. وكلف بعدها آمرا لمحاور الصاعقة وقيادة إحدى القواطع التي تحاصر مقاتلي شورى بنغازي في منطقة قنفودة. وقد استهدف بحادث تفجير عندما كان برفقة مدير مديرية أمن بنغازي صلاح هويدي ضمن رتل عسكري كان متوجها إلى غرب المدينة لكنه نجا منه بأعجوبة.

 القوات الخاصة كثيرا ما تبرر أعمال الورفلي الانتقامية ضد خصومه بأنها ردات فعل مشروعة، إذ يعلق القيادي الميداني في قوات الصاعقة وليد العقوري على فيديو ظهر فيه الورفلي وهو يعدم بالرصاص شبانا في حي سكني قائلا “نعم الفيديو، صحيح وليس مفبركا ومن ظهر به هو محمود الورفلي.. الواقعة حدثت في بنغازي قبل يومين مباشرة عقب تحرير منطقة العمارات 12 من قبل الجيش، ومن قتل هم ثلاثة من تنظيم أنصار الشريعة”، موضحا أن الإعدام جاء انتقاما لمقتل اثنين من مرافقيه قتلوا في محاولة اغتيال تعرض لها في بنغازي.

فيما اعتبر المتحدث باسم الصاعقة ميلود الزوي الأعمال التي يقوم بها الورفلي مبررة شرعا، وحجته في ذلك آية قرآنية صريحة استشهد بها بقوله “من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”. وزعم الزوي أن الورفلي قام بذلك “عندما شاهد زملاءه يُقتلون على أيدي مقاتلي مجلس الشورى، وقطعت أوصالهم وعلقت على الأشجار والأسطح، ولم تتناول وسائل الإعلام هذه الجرائم”.

لسنا مع الورفلي أو ضده وجميع عمليات التصفية التي تتم على طريقة “داعش” وثبت ضلوع هذا القائد العسكري في ارتكابها مدانة، لكن ما يلفت الانتباه الطريقة التي خرجت بها للرأي العام طالما أنها لا تخرج عن دائرة الأعمال الموكولة للقيادة العامة بتتبع هؤلاء وتحييدهم دون التشهير بهم إعلاميا.

حسابات حفتر

يعد الورفلي من أبرز قادة تيار “المداخلة” في صفوف قوات حفتر. وكثيرا ما يفصح الرائد عن انتمائه لهذا التيار من خلال تلاوته لنصوص من كتب ومصادر مستوحاة منه. والتيار المدخلي واحد من أعتى التيارات الدينية في ليبيا وأكثرها انتشارا. وتقول بعض المصادر إن هذا التيار لعب أدوارا مهمة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي وكان له دور حاسم في عدد من الصراعات التي دارت في ليبيا منذ منتصف العام 2014 حيث أربك الحسابات في الشرق الليبي.

ومعلوم أن ماهية أي تيار عادة ما تتحدد بطبيعة العناصر المنتسبة إليه من حيث مرجعياتها الفكرية والمذهبية ورؤيتها السياسية، لكن حسب ما تقر به المصادر المطلعة، فإن “المداخلة” هم عمليا تيار متحكم فيه بل هم عمليا نتاج واقعي لإكراهات فكرية ودينية وإقليمية. وتضيف هذه المراجع أن التيار المدخلي في ليبيا يتكوّن أساسا من بعض العناصر التي ترفض ظاهريا الاشتغال بالسياسة ولا توجد بين عناصر هذا التيار ارتباطات تنظيمية ظاهرة للعيان كما لا توجد له زعامة موحدة، بل هناك العديد من الزعامات المتنوعة يتقارب بعضها ويجتمع حول بعض المسائل وأحيانا يحصل بينها فراق واختلاف كبير وقد يصل حد القطيعة، فيما الخيط الجامع بينها يكمن في تشابه المنهج في التعامل مع المخالف ومحاولة احتكار التسمّي بالسنة والسلفية.

من هذا المنطلق كان تركيز حفتر قبل خوضه لمعركته العسكرية في شرق ليبيا على استقطاب العديد من عناصر القوة في هذا التيار. وهنا برز دور القبائل التي تحمل أسماء كبيرة لبعض المنتسبين إليها ومنهم الورفلي التي عوّل عليها حفتر في دحر الإسلاميين المتشددين، وذلك لعدة عوامل أولها ولاؤها المطلق للدولة وثانيها دراية حفتر الواسعة للدور القبلي المترابط والمؤثر في شرق ليبيا.

لكن منتقدي حفتر يرون أنه أتاح المجال لأتباع هذا التيار ومكنهم من السيطرة على المنابر والمساجد وكوّن لهم هيئة للفتوى بعد أن شرعن وجودهم المسلح ضمن كتيبة اشتهرت باسم “كتيبة التوحيد” في بنغازي. فيما ترى تحليلات أخرى تسهب في التنديد بأعمال هذا التيار أنه رغم حداثة ظهوره وعدم تمكنه من حمل السلاح حتى وقت قريب، فإن قادته وكتائبه، وبينهم الورفلي، لم يظهروا إلى العلن، لكنهم يبدون القوة الأكبر تأثيرا في مجريات الأحداث.

الورفلي يعكس صراعا داخليا لشخصية تأبى الخروج من دائرة المغامرة والاستسلام والركون لواقع متشظ تحكمه نعرات الإسلاميين المنفلتة والمعطلة لسير الدولة الطبيعي.

زاده الموغل في الانتقام يظهره بمظهر الجاني رغم سجله كقائد عسكري ميداني تدرّب على حمل السلاح، لكن تدريبه على توجيه رصاصاته لم يكن كافيا على ما يبدو.

8