محمود بدر.. الفتى الناصري الذي أطاح بحكم الإخوان

السبت 2013/09/21

محمود بدر مؤسس حركة تمرد ليس أكثر من شاب مصري بسيط ولد ونشأ وتعلم في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأصابه ما أصاب كل المصريين كهولا وشبابا من يأس وإحباط وغضب من تفشي الفساد في مفاصل الدولة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية.

بدأ حياته الحزبية والسياسية بالانضمام للحزب العربي الديمقراطي الناصري بمحافظة القليوبية حيث تولى أمانة الحزب، وليس ذلك غريبا فهو ابن الناشط والمحامي الناصري إسماعيل بدر، وقد أخذ منه ميوله القومية الناصرية، وشارك في كافة الفعاليات الاحتجاجية المناهضة لنظام مبارك التي نظمتها حركة كفاية ليصبح عام 2006 عضو الحركة التنسيقية لها.

وعندما أعلن د.محمد البرادعي تأسيس "الجمعية الوطنية للتغيير" في 2010 شارك بجمع التوقيعات المؤيدة للجمعية التي كانت تستهدف العمل على التوصل إلى نظام سياسي يقوم على الديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية، انتهاء بخروجه في ثورة 25 يناير. لكن الأمور بعد مبارك ذهبت للأسوأ، فواصل الخروج مثله مثل كثيرين سعيا لتحقيق أهداف الثورة التي تلخصت في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة.

وتقلّبت أفكاره وفقا لما يجري من أحداث ووقائع ترتبط بالثورة ومطالبها وأهدافها، فهو في النهاية ينتمي إلى الطبقة المتوسطة التي تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بعد أن خربها نظاما السادات ومبارك.

انتقد أداء المجلس العسكري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي، وهاجم حكومات الفريق أحمد شفيق وعصام شرف وكمال الجنزوري، وتظاهر واعتصم رافضا الانكسار والتنازل عن آماله في تحقيق أهدافه من أجل ولادة نظام جديد.

انفتح محمود على تنظيمات الإسلام السياسي خلال الفترة الممتدة من ثورة يناير حتى تولي الرئيس الإخواني محمد مرسي الحكم، ودافع عن حقها في المشاركة في العملية السياسية، ولهذا أيد في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الإخواني المنشق عبد المنعم أبو الفتوح، وفي الجولة الثانية انتخب الرئيس الإخواني محمد مرسي تعاطفا مع الإخوان ونكاية في نظام مبارك باعتبار أن الفريق أحمد شفيق المرشح المنافس كان ينتمي إليه. لكن سرعان ما أفاق بعد أن كشفت جماعة الإخوان ورئيسها عن وجههما القبيح..

كان محمود يتابع السقوط الأخلاقي والإنساني والسياسي والإداري والاقتصادي للرئيس وجماعته وحلفائهما عن قرب كمواطن وطني وثوري وناشط سياسي وصحفي في الصحافة المعارضة، لا يعنيه إلا حاضر مصر ومستقبلها، من أجل هذا واصل استكمال معركة 25 يناير، لم يترك مظاهرة أو اعتصاما إلا وكان مشاركا في أحدهما.

وناله نصيب من القمع الإخواني سواء كان نظاما أو مليشيات، فلم يكن بعيدا في أحداث محمود محمود الثانية التي راح فيه جابر صلاح ـ جيكا ـ وأحداث القصر العيني والاتحادية يوم قتل زميله وصديقه الحسيني أبوضيف بطلق ناري في الرأس من مليشيات الإخوان.

وحسب "محمود" اسم تمرد يعود لفكرة قديمة فكر فيها إثنان من أصدقائه ولم ينجحا، وعند البحث عن أسلوب لمعارضة مرسي ورفض حكمه تم استدعاء هذا الإسم.

يقول محمود: في تلك الأثناء جلسنا خمسة أفراد في منزلي واتفقنا على إطلاق الحركة واتفقنا على صياغة الاستمارة التي انطلقت في شوارع مصر فيما بعد، وصيغتها "لا تقطع طريقا ولا تحاصر مؤسسة ولا تقم باعتصام أو بإضراب" وهي آليات الاحتجاج المتبعة في الفترة الأخيرة.

ولخلق شبكة اتصال قوية اعتمدنا على مجموعة من أصدقائنا وأقاربنا نثق بهم جيدا ووجهنا دعوة إليهم من خلال صفحاتنا على فيسبوك، وفوجئنا بأصدقاء يحضرون الاجتماع من محافظات الشرقية والمنوفية والغربية والبحيرة، وتقريبا حضر الاجتماع الأول نحو 50 شخصا من 7 محافظات.

وكشف "محمود" أن الدعم والتمويل كانا جماهيريين "طلبنا من الجماهير طباعة الاستمارة وتوزيعها على المواطنين ومن ثم تسليمها إلينا، وأول مبلغ تبرع به أعضاء الحركة هو 410 جنيهات، دفعت أنا 50 جنيها وحسن شاهين 60 جنيها ومحمد عبدالعزيز 50 جنيها ومنى سليم 50 جنيها ويحيى القزاز دفع 200 جنيه.

وأول نزول للحملة كان في ميدان التحرير، وعند توقيع 6 آلاف استمارة جمعنا من بعض 110 جنيهات لطباعة نسخ أخرى وعندما شاهد المتظاهرون في التحرير تصوير الاستمارات من خلال التبرعات، طبعوها من تلقاء أنفسهم ووزعوها".

التبرعات التى تقبلتها الحملة ورقية فقط وليست مادية، "أول تبرع جاء من المهندس حمدي الفخراني بتصوير 50 ألف نسخة، وطبع د.عبدالجليل مصطفى 100 ألف نسخة، وأثناء ظهور أعضاء الحملة في أحد البرامج أعلن متصل طباعة 2 مليون نسخة على نفقته، وتبرع ثان بـ 3 ملايين نسخة".

تعاطف شعبي

وأضاف محمود "الرسالة الأهم جاءت للحملة من إحدى السيدات المسنات في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة التي بحثت عنا لساعات وسلمتنا 213 استمارة طبعتها على نفقتها وجمعت عليها التوقيعات، وطالب في المرحلة الثانوية سلمنا 800 استمارة في الأيام الأولى للحملة، وطالب آخر اسمه إسلام اقتطع من مصروفه 5 جنيهات ليطبع استمارات ويجمع عليها التوقيعات، وهذا هو التجلي الأهم للحملة".

انطلقت "تمرد" في أجواء "جمعة غضب الفقراء" 26 أبريل 2013 من ميدان التحرير بالقاهرة، مواكبة للغضب الشعبي المتصاعد على الإرهاب الإخواني وتدهور الظروف المعيشية ونقص المواد التموينية والطاقة، حيث دعا بيان لمختلف القوى السياسية والائتلافات الثورية قبل ذلك بأسبوع لهذه المليونية "إن الجمعة المقبلة ستكون بداية ثورة الشعب ضد استبداد الإخوان، لتحقيق العدالة الاجتماعية، بعد نفاد صبره من الجوع وغلاء الأسعار والظلم والقهر والاستبداد والسلب والنهب والمرض والفقر والجهل، ومن أجل أطفال الشوارع والمشردين والمهمشين، ولانهيار خدمات الدولة" وأكد أن "ثورة الجياع المصرية قادمة.. ثوروا على مرسى والإخوان أو جوعوا.. الشعب يريد إسقاط النظام".

جاءت حركة "تمرد" إذن في الزمان والمكان المناسبين للانطلاق، دم ينزف وكرامة إنسانية تنتهك وفوضى أمنية وتخبط سياسي وغضب يتصاعد في مختلف الأوساط الفقيرة والثرية، لذا فإن أول من تبناها كان المواطنون المصريون العاديون وشباب الثورة الحقيقي الذي رأى ثورته تسرق منه وأحلامه وطموحاته تتكسر بين مؤمرات الجماعة الإخوانية وحلفائها وأحزاب وسياسيين يبحثون عن مصالحهم وأهدافهم الشخصية.

محاولات الاستقطاب

محمود بدر
البالغ من العمر 28 عاما، ولد بشبين القناطر في محافظة القليوبية، وهو ابن المحامي إسماعيل بدر الذي أخذ منه ميوله القومية الناصرية، تخرج في كلية الخدمة الاجتماعية، عمل في جريدة "صوت الأمة" المستقلّة وصحيفة "الدستور"، ثم انتقل إلى جريدة "الصباح"، وما لبث أن استقال منها قبل أن تقفل أبوابها، وعمل أيضا كمراسل لبرنامج الإعلامية هالة سرحان ومعد لبرنامج "العاشرة مساء" مع منى الشاذلي.


وبعد أسبوع من الانطلاق حققت فيه الحركة نجاحا لافتا، فتسابقت جميع الأحزاب والحركات الثورية لاحتضانها وفتح أبوابها كمقرات للحركة، وأعلنت الكثير من الشخصيات العامة والسياسية تأييدها ومساندتها ودعمها، الجميع رأى فيها أملا وخلاصا، طبعت ورقتها لسحب الثقة من محمد مرسي بالملايين على نقفة المصريين نخبة وعامة كل حسب إمكانياته، وجابت كل شوارع مصر وحواريها وأزقتها، لم تترك مكانا إلا دخلته، كانت تستهدف 15 مليون توقيع بنهاية يونيو، فإذا بها تتجاوز 22 مليونا، ويكون يوم الـ 30 ثورة وعرسا لم تشهد مصر مثيلا له في تاريخها.

آمن محمود بأن 30 يونيو هو موعد إسقاط نظام مرسي، وأن الشرعية لا بد أن تعود إلى الشعب عبر تشكيل لجنة استشارية تضم شخصيات عامة ترسم خطة انتقالية لإدارة شؤون البلاد، حيث تكون ظهيراً سياسياً للحملة وتأكيداً على التواصل بين الأجيال والاستعانة بالخبرات السياسية. وحين تعرض مقر الحملة بوسط البلد إلى محاولة اقتحامه وإحراقه.. قال "إن العنف هو وسيلة التيار الديني حين يدرك أن شرعيته انتهت وأن المليونيات التي ينظمها التيار الإسلامى باسم "لا للعنف" هي دعوة صريحة للتهديد بالعنف وهذا ما يجعل حركة تمرد على الطريق الصحيح لإسقاط حكم مرسي".

اتهم محمود بكل الاتهامات من جماعات الإسلام السياسي، اتهم بالعمالة والخيانة والتمويل الأجنبي وإدارة الحملة لحساب جهات أمنية وعسكرية، وناله ومؤيدو الحركة من السب والقذف والتهديد بالقتل والتكفير الشيء الكثير، حيث أفتى أشرف عبدالمنعم أمين المكتب العلمي والدّعوي بالجبهة السلفية بقتلهم "نرى وجوب دفع هؤلاء ولو بقتلهم، صيانة للأرواح والحرمات، ومنعا لزيادة الإجرام والفساد".


الإخوان رفضوا الوساطات


أثناء مهلة الـ48 ساعة ـ وقد انتهت يوم 3 يوليو ـ والتي أمهلها الجيش في بيان للفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع تلقى محمود وزميليه المشاركين معه في تأسيس حركة "تمرد" محمد عبد العزيز وحسن شاهين أول اتصال هاتفي من المؤسسة العسكرية وكان المتحدث عقيدا في هيئة أركان الجيش يطلب منهم الحضور للاجتماع مع وزير الدفاع. وبعد وصولهم جرى اصطحابهم إلى غرفة تضم عددا من كبار ضباط الجيش وشيخ الأزهر وبابا الإسكندرية وقاض كبير وزعماء في المعارضة السياسية.

وسرعان ما دخل بدر في حديث مع الفريق أول عبد الفتاح السيسي قائد الجيش عن خارطة الطريق التي وضعتها القوات المسلحة لعملية انتقال سياسي في مصر ورفض اقتراحه بأن يدعو مرسي لإجراء استفتاء على حكمه.

وقال إن الملايين تتظاهر للمطالبة برحيل الرئيس وليس لإجراء استفتاء على بقائه في السلطة. وأن على الجيش الانحياز إلى رغبة المتظاهرين والدعوة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة فما كان من الفريق أول عبد الفتاح السيسي إلا الاستجابة.

وبالفعل لم يكن يوم وليلة عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي أقل عددا من هؤلاء الذين خرجوا يوم 30 يونيو، وقد اختير محمود ممثلا للحركة و22 مليون مصري وقعوا على ورقتها، ليظهر بـ "تي شيرت" بسيط ضمن ممثلي القوى المدنية والجيش المصري الذين توافقوا على خارطة طريق أنهت الحكم الإخواني، ويلقي كلمة يدعو فيها كل القوى الوطنية والإسلامية للبدء في صفحة جديدة من تاريخ مصر.

وبينما تشن الجماعة الإخوانية وحلفاؤها وأنصارها حربا إرهابية على الإرادة الشعبية المصرية انطلاقا من اعتصاميْ رابعة العدوية والنهضة، لتقع أحداث الحرس الجمهوري والنصب التذكاري وبين السرايات والمنيل، تبنّى "محمود" مسار المصالحة الوطنية، ودعا كل الحركات الشبابية الثورية، وشباب جماعة الإخوان المسلمين، والجماعات الإسلامية لصلاة مشتركة للتراويح في الجامع الأزهر، لافتًا إلى أن تلك الدعوة تأتي بهدف فتح حوار وطني ينهي حالة الانقسام السياسي في البلاد، لكن دعوته لم تلق قبولا.

وبعد قيام الشرطة والجيش بفض الاعتصامين، أعلن "محمود" أن حملة تمرد تقف بجانب الشعب المصري والجيش والشرطة في مواجهة الإرهاب المنظم للجماعة وحلفائها، وأكد أن "من يتحدث أن فض الاعتصام كان بالقوة، عليه أن ينظر إلى المسلحين في رمسيس وحرق مستشفى الهلال الأحمر، وبنك الدم، إن جماعة الإخوان المسلمين كشفت عن وجهها الحقيقي وعملها الإرهابي"، ورأى "اليوم تم إثبات أننا كنا على حق، عندما طالبنا بعزل مرسي وأن الشعب المصري لن يفرض أحد عليه إرادته، وأن خريطة الطريق ستستكمل كما شكلها الشعب".

وعندما بدأ الغرب وأمريكا التدخل في الشأن المصري، انتقد "محمود" تصريحاتهما بأن ما حدث فى مصر انقلاب عسكرى، وقال إن "الجيش حمى الثورة، وهو شريك أساسي فيها، فلو كان الفريق أول عبدالفتاح السيسي ذهب للرئيس السابق، محمد مرسي، وطلب منه امتيازات للجيش، ومصالح شخصية، من أجل حمايته، كان الرئيس سينفذها في الحال، لكنه اختار الطريق الأصعب، وهو مواجهة الإخوان وحلفائهم من الأمريكان، داخل مصر".

15