محمود درويش وتجربة باريس

في السنوات الأخيرة من حياته، كان محمود درويش يشير في جل الحوارات التي أجريت معه إلى أن تجربة باريس كانت الأكثر غناء وعمقا من كل تجاربه السابقة.
الثلاثاء 2018/08/28
محمود درويس طوّر تجربته الشعرية ليصل بها إلى المستوى العالمي

مرت الآن عشر سنوات على رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. ويمكن القول إن تجربته الشعرية عكست بامتياز مختلف أطوار حياته منذ سنوات المراهقة حين شرع في التصدي للغزو الوحشي لوطنه وحتى تلك الأيام القاسية التي شعر فيها بأن رحيله بات وشيكا، مرورا بسنوات القاهرة، وبيروت، وتونس، وغيرها من المدن والبلدان التي أقام فيها.

وفي كل مرحلة كان محمود درويش يزداد تطورا وتعمّقا في تجربته الشعرية، مُتجنبا تكرار ما كان قد فعله من قبل. وفي السنوات الأخيرة من حياته، كان يشير في جل الحوارات التي أجريت معه إلى أن تجربة باريس كانت الأكثر غناء وعمقا من كل تجاربه السابقة.

وكان صاحب “لماذا تركت الحصان وحيدا” قد أقام في العاصمة الفرنسية خلال التسعينات من القرن الماضي. ولعله كتب فيها أفضل دواوينه، وفيها راجع تجربته الشعرية ليفتحها على الأفق العالمي بعيدا عن الشعارات، وعن “الضجيج الثوري” الذي وسم دواوينه الأولى، ودواوين مرحلة بيروت.

في جل المراحل التي سبقت مرحلة باريس، كان محمود درويش يجد نفسه مُنْجَذبا إلى العالم الخارجي وأحداثه. وتحت تأثير كل هذا يكتب أشعاره. أما في باريس فقد خَفَتَ ضجيج العالم الخارجي، بل لعله انتفى تماما ليجد محمود درويش نفسه منصرفا إلى عالمه الداخلي، لتكون ذاته هي التي تقوده إلى الشعر، وبوحي من تفاعلاتها مع العالم الخارجي يستوحي قصائده.

وقد التقيت بمحمود درويش في مدينة الأنوار أكثر من مرة. وعن زياراتي له كتبت، مُستعرضا ما طرحه من أفكار حول الشعر، وحول السياسة التي أصبح يضيق بها في آخر حياته فما عاد يطيق الخوض فيها أبدا. فإن فعل ذلك فبتحفظ كبير. وأذكر أنه قال لي إن باريس أتاحت له إعادة النظر في مفهومه للشعر، وفصلته عن تلك الفترة التي كان النقاد يصفونه فيها بـ”شاعر القضية”.

وقد يكونون على حق في ذلك إذ أن جلّ القصائد التي كتبها في بيروت على سبيل المثال لا الحصر، كانت صدى لأحداث سياسية ونضالية، ولمأساة تل الزعتر، وحصار بيروت خلال الغزو الإسرائيلي للبنان. أما في باريس فقد عاد محمود درويش إلى طفولته ليرسم صورة لبلاده من خلال ذاته المهاجرة من مكان إلى آخر. وانطلاقا من “لماذا تركت الحصان وحيدا”، انشغل محمود درويش مثل كل شاعر أصيل بصياغة تجربته الشعرية الجديدة ذات البعد الإنساني والعالمي مدركا أن الشاعر الذي يتشبّثُ بقضية أو بموضوع واحد لن يتيح لأعماله الصمود أمام الزمن.

ومن المؤكد أن محمود درويش أحسّ منذ سنوات المراهقة عندما كان يرمي الجنود الإسرائيليين بالحجارة بأن الشعر سيكون وسيلته الأساسية للمقاومة. لذلك ترك الأراضي المحتلة مبكّرا لا عن جبن، وإنما لأنه أيقن أن المواجهة اليومية والعنيفة مع قوات الاحتلال سوف تعيق نضجه الشعري، وستحوله إلى شاعر يقتصر على ردّ الفعل على المحتل بقصائد شبيهة بتلك التي اشتهر بها في بداياته مثل “سجّل أنا عربي”.

وهكذا مضى محمود درويش إلى المنافي محوّلا وطنه إلى “حقيبة سفر”. وبعيدا عن فلسطين الجريحة والمُهانة، طوّر تجربته الشعرية ليصل بها إلى المستوى العالمي. وبذلك تمكن من أن ينقذ الشعر من لغط السياسة، ومن صخب الأيديولوجيات بمختلف أشكالها وألوانها مثلما فعل الشيلي بابلو نيرودا، والتركي ناظم حكمت، والإسباني رافائيل ألبرتي.

14