محمود درويش يحقق حلم الفرنسي أنطونان أرتو

"كرتوغرافيا المنفى" نقاد يدرسون مراحل ولادة الشاعر.
الأحد 2021/05/16
باريس هي المكان الحقيقي لولادة درويش

تعدّدت منافي محمود درويش، وكان لها الأثر الكبير في شعره، خاصة إقامته الباريسية التي يرى الكثير من النقاد أنها ساهمت في تغيير شعره جذريا وفي انفتاحه أكثر على العالمية التي رسخت مكانته شاعرا عربيا وكونيا. فكيف يرى من عاشروا الشاعر منافيه، بمناسبة صدور كتاب “كرتوغرافيا المنفى” بالفرنسية، والذي ضم شهادات لثلة من النقاد والشعراء والمترجمين، عربا وأجانب.

اقترنت حياة محمود درويش بالمنافي منذ طفولته. ولد في قرية البروة بالجليل، وهُجّر طفلا هو وعائلته أول مرة إلى لبنان عقب النكبة، ولما عادت الأسرة كانت القرية قد أصبحت إسرائيلية، ما أجبر أفرادها على الإقامة في دير الأسد، كغرباء عن أرض كانت أرضهم. وهو ما لخّصه درويش لاحقا في قوله “لستم من هنا، قيل لهم هناك/ لستم من هنا، قيل لهم هنا”.

منذ تلك اللحظة كانت حياة الشاعر سلسلة من المنافي، القاهرة، عمّان، بيروت، تونس، باريس… ومدن أخرى أقام فيها ردحا من الزمن. وقد تجلى ذلك الترحال في شعره لا محالة، ولكن صلته بأرض المنبت، بزيتونها ورملها وبحرها وسمائها وطيورها هي الحاضرة على الدوام، حتى وهو يتنقل من منفى إلى آخر.

الفردي والجمعي

في كتاب صدر مؤخرا عن آكت سود بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يتناول بعض النقاد والشعراء والمترجمين ممن كانت لهم علاقة بدرويش أو بنصوصه، أبرز ما اتسمت به تجربته، ويسلطون الضوء على مقاربته الشعرية، ونظرته إلى النقد، وتأثره بشعراء عرب وأجانب، وقاموسه الشعري، وحرصه على الإيقاع، حيث تسبق الموسيقى في ذهنه توهج القصيد لحظة المكاشفة الشعرية.

حمل الكتاب عنوان “كرتوغرافيا المنفى” وعنوانا فرعيّا “قراءات في آثار محمود دوريش”، وهو عبارة عن دراسات تولى جمعها وتقديمها الشاعر والمترجم والأكاديمي العراقي المقيم في باريس كاظم جهاد، تركزت حول خصائص شعر درويش ومضامينه.

في الكتاب يلاحظ الناقد حسن خضر أن درويش جمع صوتين، الفردي والجمعي، واستطاع أن يوحّدهما في اللحظة والمكان المناسبين، وكانت قدرته على تطوير وتطهير التناغم بين الصوتين بجهد متواصل حتى الرمق الأخير هي التي أحلته في موقع الشاعر الوطني لشعبه. وبما أن الخاص والعام كانا مجتمعين في فلسطين، البلد الذي مثل لسنين طويلة قضية النضالات العربية، فقد تحول هذا الشاعر أيضا إلى شاعر حركات التحرر العربية.

وذكّر خضر بأن هجرة درويش إلى القاهرة في مطلع السبعينات مثّلت حدثا هاما بالنسبة إليه، لكونها مركز إشعاع الوطن العربي والعالم الثالث في ذلك الوقت، فقد حمل معه رمزية استغلتها وسائل الإعلام المصرية فساهمت بذلك في شهرته وانتشار أشعاره، فضلا عن مشاطرته مكتبا في الأهرام يضم كاتبين كبيرين هما نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، حتى أنه يتساءل لاحقا “كيف نجوت والحال أني كنت فتيا (دون الثلاثين) ولم أمرض بنفسي” (أي لم يركبني الغرور).

شعر درويش لا يستمد مشروعيته من القضية الفلسطينية، وإن التحم بها حدّ الانصهار، بل من قيمته ولغته

ويفسر خضر ذلك بأن درويش أخذ قضية الشعر مأخذ الجدّ، واعتبر أنه حرفة ومشروع حياة، منذ أن دعا النقادَ العرب إلى النظر إلى شعره بموضوعية، ودراسته كرافد من روافد الشعر العربي بتراثه وتاريخه، بعيدا عن الاعتبارات السياسية والتعاطف مع القضية الفلسطينية.  فالشعر لديه كان أشبه بزيت سحري غمس فيه مصباح حياته وعلى ضوئه رأى ما رأى.

أمّا الشاعر والناقد والمترجم الإسباني ميغيل كاسادو فقد تحدث عن أشعار درويش التي شاهدها مسجلة، وقرأها مترجمة إلى اللغتين الإسبانية أو الفرنسية، لأنه لا يتقن العربية، فلاحظ أن ما يرسخ في الذهن لأول وهلة التقاء الإيقاع والقوّة والكآبة في شعره.

وأكّد أن شعر درويش لا يستمد مشروعيته من القضية الفلسطينية، وإن التحم بها حدّ الانصهار، بل من قيمته ولغته المقترحة، في نوع من الغنائية الملحمية بعبارة اليوناني يانيس ريتسوس. وكمثال على ذلك يتوقف كاسادو عند “أثر الفراشة” آخر ديوان نشره درويش في حياته، حيث لاحظ تجلي الوحدة كشكل للحرية والهزيمة في الآن نفسه، وهي تيمة حاضرة في كامل آثار درويش، خاصة في اللحظات الحرجة، كما في ديوانه “ذاكرة للنسيان”، ولكنها في مجموعته الأخيرة تنداح كمناخ عام، يستدعي أصلُه الوجودي تأمّلا عميقا.

صبحي حديدي، من جهته، نظر إلى شعر درويش من زاوية أخرى، هي حضور الذات، فبين أن ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيدا” هو سيرة ذاتية للشاعر منذ طفولته حتى زمن كتابة هذا الديوان، الذي تتبدى فيه كتابة التاريخ والسردية وتوبوغرافيا المكان، كمجموعة علامات جسدية وروحية تؤثث ذلك الفضاء، فهي أشبه بأركيولوجيا شعرية لأطوار الجسد والروح والوعي بهما، وكذلك قدر المكان ونزاعات الكائن وتوتر العالم والوجود.

ويتساءل حديدي عن سرّ اختيار السردية الذاتية واستراتيجياتها التعبيرية في مشروع درويش، فيذكر أن ذلك يساهم في جدلية معقدة شعرية وثقافية وفكرية وجمالية لا تنفصل عن بداياتها. وكأن الشاعر اضطر إلى تفسير علاقته بالماضي، فعاد إلى طبقات أعمق من تاريخه الشخصي وتاريخ فلسطين، نحو أبيه الذي علمه كتاب الأرض من ألفه إلى يائه، وجاب معه جغرافيا بلاد كنعان.

ويستخلص أن درويش يذكرنا بحلم الفرنسي أنطونان أرتو بـ”شعر فيما وراء الشعر”، حيث يرسم الشاعر طريقا فريدا يسمح له بأن يكون “داخل” بدل “أمام” الاستدعاء الغريزي لمكونات مقاربة الواقع دون التماثل تماما مع صورة الأنا، لاسيما في طورها الطفولي، ودون كبح جنوح الجذور إلى الحفر في الأعماق.

القناع والروافد

الكتاب يتناول بعض النقاد والشعراء والمترجمين ممن كانت لهم علاقة بدرويش أو بنصوصه، ملامح تجربته

توقّف الناقد إلياس صنبر عند علاقة درويش بولادة القصيدة، والمعروف عنه أنه لا يني يشتغل على معنى الشعر واللغة، ولكنه كان مهووسا بالإيقاع، بالموسيقى، حيث اعتاد أن يردّد الإيقاع كما يردد المرء موسيقى، دون كلمات، قبل أن يتدفق القول الشعري في هذا البحر أو ذاك، مثل أغنية. ألم يقل هو نفسه ” يَخْتَارُني الإيقاعُ/ يَشْرَقُ بي”. ومن ثَمّ يتساءل صنبر، بوصفه مترجم درويش، كيف للغةٍ أن تغنّي داخل أخرى.

أمّا الباحثة أوريليا هرتزل، المتخصصة في العلوم الدينية، فقد خصصت دراستها لـ”ذاكرة للنسيان” التي كتبت في بيروت زمن الحصار وبيّنت مدى حضور الأناجيل، إنجيل متّى بخاصة، في نص درويش، هذا النص الذي ولد من تاريخ قديم، يستعيد تاريخ الجليل ويربطه بطفولة مهمشة، وشعب معذّب، على نحو يجمع بين المقدس والمدنس في ذاكرة الشاعر وخياله، وكأن الشاعر في هذا النص المتشظي يحاول تجميع أجزاء تاريخه الخاص.

ولئن تناولت إيفانغيليا ستيد، أستاذة الأدب المقارن، تيمة الرّمل كشكل من أشكال التشتت عادة ما يقترن بزمن سرمدي، لتؤكد سعي الشاعر إلى إعادة بناء ما تحطّم وتثبيته في اللغة، فإنّ سنان أنطون أبرز علاقة درويش بالمتن العربي القديم، لا من حيث قاموسه فقط، بل من حيث بناء القصيدة أيضا، في ديوان “لا تعتذر عمّا فعلت”، ففي رأيه أن درويش أعطى لمفردة الترحال والرحيل معاني جديدة لا محالة، غير أن بنية قصيدته تبدأ باستهلال، يذكر بالبكاء على الأطلال وذكر الدّيار المهجورة، وحضور الأنا كتعبير عمّا يعيشه الشاعر إزاء ذلك الفقد.

أما كاظم جهاد فركّز على قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر، بما فيه شعر درويش، حيث يتمثل الشاعر علما من الأعلام السابقين، شاعرا كان أم فيلسوفا أم رسولا، ليجعله معبّرا عن ذاته هو، في زمن غير زمنه المنقضي، فلا يستنسخه بل يعيد بعثه في صورة جديدة. ووجه الجدّة في شعر درويش أنه لا يستحضر الشخصية الرمز بل يستحضر معها قاموسها، ليصوغهما معا في ثوب جديد، وبأشكال متنوعة.

كل المساهمين كانت لهم علاقة بدرويش بشكل أو بآخر، في منافيه المتعددة، وقد آثر أغلبهم الحديث عنه من خلال نصوصه وتجذرها في مدونة الشعر العربي الكلاسيكي. ولعل فاروق مردم بيك هو الذي توسّع أكثر في الحديث عن منافي درويش، لاسيما باريس.

الولادة الباريسية

درويش.. سحر الشعر في القضية الفلسطينية
درويش.. سحر الشعر في القضية الفلسطينية

 يذكر مردم بيك أن درويش غالبا ما صرح في حواراته أنه ولد على مراحل، وأن باريس هي مكان مولده الحقيقي؛ ففي باريس، التي لم يكن يحسن لغة أهلها ولا يريد الاندماج في مجتمعها، وجد أفضل وقت للقراءة والكتابة والتأمل في مصير بلاده ووضع العالم، بعيدا عن الهموم السياسية الراهنة. وفي باريس كتب أغلب قصائده قبل أن ينهيها في عمّان ورام الله، وراج اسمه بعد ترجمة بعض أعماله إلى الفرنسية.

من 1983 إلى 1995، مع بعض الفواصل الطويلة التي قضاها في تونس، تونس التي ظل يزورها بانتظام حتى وفاته عام 2008، كان منفاه الباريسي أكثر خصوبة من سواه، وكان الإقبال على دواوينه المترجمة (21 في الجملة) واسعا، حيث فاقت مبيعاتُها مبيعاتِ أغلب الشعراء المعاصرين بمن فيهم الفرنسيون.

كما كان وجوده في باريس طيلة عشر سنوات فرصة لارتياد المسارح والفضاءات الثقافية حيث ألقى قصائده في أكثر من مكان، من بوردو وتولوز إلى أورليان ولوهافر وآرل وإيكس أن بروفانس. خلال تلك الفترة كان الشعر شغله الشاغل وغايته المنشودة التي يسعى للوصول إلى جوهرها، في أنطولوجيات من شتى أنحاء العالم، كان يقرأها بالعربية أو بالإنجليزية أو بالعبرية. وكان الإنشاد، أو الغناء، أو الجرْس الموسيقي، هو أول ما يشدّه، وذلك ما دفعه إلى التعلق بالتفعيلة والولع بالمعجميّات، حيث كان يقرأ كل يوم فقرات من “لسان العرب” لابن منظور، ثم يختبر أصحابه عن أصل هذه الكلمة أو تلك مما ورد في مدونته.

درويش جمع صوتين، الفردي والجمعي، واستطاع أن يوحّدهما في اللحظة والمكان المناسبين عبر التطوير والتطهير والتناغم

ورغم أن باريس حاضرة في شعره، منذ “سرير الغريبة”، فإنه ظل بعيدا عن الأوساط الثقافية الباريسية والحلقات السياسية، ولم يسع، بخلاف شعراء عرب آخرين، إلى ربط علاقة مع الشعراء الفرنسيين الذين صادفهم، وقد فسر ذلك بجهله اللغة الفرنسية، تلك اللغة التي عبّر لاحقا عن ندمه على عدم تعلّمها. ولئن قرأ لأهمّ الشعراء الفرنسيين أمثال إيلوار وأراغون وروني شار وسان جون بيرس وبونفوا، فإنه كان أميَل إلى معاصريهم من شعراء اللغتين الإسبانية والإنجليزية.

ويذكر مردم بيك مساندة درويش بعث “مجلة الدراسات الفلسطينية” التي تصدر عن مينوي بالفرنسية، قبل أن تتوطّد العلاقة بينهما في آكت سود، وخاصة سلسلة سندباد التي يشرف عليها حتى الآن. ومما يذكره عن درويش أنه دعي مرة لإلقاء قصائده في مسرح الأوديون بباريس. كان سعيدا بوجوده أمام عدد كبير من عشاق شعره، عربا وفرنسيين وأجانب، والعلم الفلسطيني يرفرف جنب علم فرنسا وعلم الاتحاد الأوروبي. في تلك الأمسية قرأ من بين ما قرأ قصيد “جدارية”، ولما بلغ مقطعها الأخير انعقد لسانه واغرورقت عيناه بالدموع، وهو ينشد في ما يشبه كلمة الوداع:

هذا البحرُ لي/ هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي / واسمي/ وإن أخطأتُ لفظَ اسمي على التابوت لي/ أمّا أنا، وقد امتلأتُ بكُلِّ أسباب الرّحيل/ فلستُ لي/ أنا لستُ لي / أنا لستُ لي.

12