محمود سعد إعلامي مصري يحافظ على شعبيته بالسباحة ضدّ التيار

إعلامي مصري يفتش عن المهمّشين ويخاصم السياسة مخاطبا جمهوره على يوتيوب.
الثلاثاء 2020/09/08
كاريزما غير مصطنعة

بعد أعوام الغرائب أو ما يُطلق عليه بزمن ثورات الربيع العربي، تغيّرت مشاهد، وصعدت جدران كراهية، وتبدلت صور أبطال بخونة، وتحول مَن كُنا نراهم مُخبرين إلى ثوار ومُخلصين. ووسط هذه العواصف، ظل الإعلامي المصري محمود سعد، قابضا على الجمر، لم يضع مساحيق سياسية أو يغيّر جلده، كما فعل البعض، وعندما وجد أن المجال ضاق به انزوى، وعاد ثانية بشكل مختلف.

ما حدث في مصر كان كفيلا بقلب كافة التصورات، وتبديد الكثير من الثوابت، والبحث عن خيط رفيع يمكن أن يُفرّق لنا بين الحقيقة والوهم. ففي زمن تشابك المصالح، صار من الصعب تصديق إعلامي ما أو تفضيل كاتب معين، أو الثقة بصاحب رأي، فخيوط المصالح تتصل، وتتلاعب السياسة بالإعلام، يتشابكان معا ولا تكاد تجد مرفأ يقين، ولا يُغادرك التشكك في كل ما حولك.

شهدت الفضائيات المصرية فاسدين تحولوا إلى ثوار، وموالين حملوا رايات المعارضة، ونجوما أفلتوا، ووجوها نبتت من الفراغ، وجرفت السياسة كُل حامل ميكروفون، وصار الهجر حلا وسطا للمشاهدين اللامستقطبين والمنتصرين للعقل، أو الباحثين عن الموضوعية. قليلون مَن أدركوا المشهد، واستوعبوه مبكرا، وسارعوا للخروج من حلبة الصراع والاعتصام بالناس. وقليلون من فهموا أن السياسة طاحونة تدور بالمواقف، وتلوّن الوجوه وتُبدل الأحكام، فخاصموها وتجنبوا الكذب لإرضاء السلطة أو خصومها.

راهن سعد على شعبية سابقة صاغها بسمته الإنساني الجذاب وببساطته البادية التي كاد يخسرها في هوجة تقلبات متسارعة، لكنه تعافي سريعا وقاطع “ساس” و”يسوس” و”سائس” وكل خيط ممتد إلى السياسة.

في ظل تضييق إعلامي لا يُنكر، ربما تحت وطأة سوء استغلال خصوم الحكومات للإعلام في التحريض المضاد، لا يزال سعد مقبولا كإعلامي في الشارع المصري، ولا يزال صاحب الـ66 عاما، والابتسامة العفوية، والبراءة المُطلة من وجه هادئ القسمات حائزا لشعبية تُدلل عليها تعليقات تتابع قناته التي أطلقها على يوتيوب تحررا من كل شيء.

رهان على الجمال

ذكاء سعد الفطري يرسم اتجاهه في الإعلام
ذكاء سعد الفطري يرسم اتجاهه في الإعلام

يستلقي سعد، على حشائش الفن والثقافة والإبداع، يتحدث عن المشاهد الحضارية، وعن الناس الطيّبة، والفنانين المحبوبين، والزمن المُبهج والمُنقضي بصخبه وضجيجه وغرائبه، ويُراهن على وعي الناس وذوقهم وإحساسهم بالأصالة والقيم والجمال، مُترنما بنصرة القيم الحضارية والابتعاد عن الإثارة والحرص على صياغة قصص نجاح وعرض نماذج مثالية.

على يوتيوب فضاء أوسع، لا قيود، لا ضفاف، لا إشارات مرور، لا اتصالات مفاجئة، لا ضيوف مرفوضة أو مفروضة، ولا جمهور مستأجرا مهمته التصفيق لكل شيء، وإنما هناك تفاعل حقيقي، وحيوي يجعل فتاة في المغرب تُخبره بأن حديثه عن ذكرياته مع الفنانين الكبار يحفز الناس على استعادة محبة الفن واحترام أهله، ويدفع شابا عراقيا إلى أن يدعوه ويُلح عليه لزيارة بلده بعد أن سمع ما حكاه عن رحلته في التسعينات إلى النجف وكربلاء.

ذكاء سعد الفطري جعله يسطّر اتجاه طريقه مبكرا، فهو ليس عمرو أديب السائر إلى يمين السلطة مفسرا ومروجا تصوراتها، ولا هو أحمد موسى المُبرر لكل سياسة، ولا وائل الإبراشي الباحث عن القضايا المثيرة، ولا إبراهيم عيسى المواجه بشراسة لتيار الانغلاق الديني.

يُدرك الإعلامي الشعبوي أن الناس ضجت من السياسة، والرهان عليها له مخاطره، ويعي أن ممارسة النقد البناء أمر قد يُساء تفسيره في ظل تربص القوى المعادية، والصراعات الدولية، والحرب ضد التطرف

والإرهاب. يعرف أن الزمن تغير، والظروف تبدلت، والجمهور ذاته اختلف، لذا فإن المتابع لحلقاته سواء المبثوثة عبر يوتيوب، أو حتى في برنامجه الأسبوعي “باب الخلق” على قناة النهار يلحظ تركيزا شديدا على الثقافة والتاريخ وجمال

الأمكنة ونُبل الناس، وبعض مظاهر الأصالة الباقية في المجتمع، وحكايات النجاح الحقيقية لمُهمّشين لا يعرفهم أحد. قاد سعد يوما جمهوره في رحلة غير معتادة إلى متحف أم كلثوم، وشارع المُعز، والحديقة الآسيوية، وشريحة كبيرة من الفقراء والبسطاء الطيبين بحنوهم وصبرهم، منهم مثلا عجوز في التسعين من عمره لا يزال يسن السكاكين في حي شعبي، وسيدة تعمل منذ نصف قرن في إعداد الشاي لعمال مصنع نسيج، وجامع ورق يرتبه ويبيعه بالكيلوغرام.

اعتاد أن يصحب المشاهدين نحو طبيب الغلابة الدكتور محمد عبدالغفار مشالي ليُقدم حكايته للناس، كعنوان لزمن ولّى وتجديد لقيم جميلة نادرة، يدرك كثيرون أنها لن تعود.

تجربة متخبطة

الإعلامي الشعبوي يُدرك أن الناس ضجت من السياسة
الإعلامي الشعبوي يُدرك أن الناس ضجت من السياسة

الحكمة الاجتماعية والمهنية التي اكتسبها هي نتاج تجربة قاسية، كادت تودي بجماهيريته عندما انجرف يوما خلف الشارع بعد تظاهرات الـ25 من يناير 2011، فوقف متخبطا بعض الوقت، ساند الإخوان تارة، وساند جماعة الـ6 من أبريل تارة أخرى، ووصل به الحال أن منح صوته في الانتخابات الرئاسية لمرشح الإخوان خوفا من فوز الفريق أحمد شفيق، الذي اعتبره تكرارا للنظام السابق.

ورغم أن تحقّق سعد تم في ظل نظام الرئيس الراحل حسني مبارك وما منحه للإعلام والصحافة من مساحة تعبير جعلته يكتسب شعبية من خلال برنامج أكثر حرية يعرض في التلفزيون الرسمي، إلا أنه تصور أن اكتساب المزيد من الشعبية يتطلب براءة تامة من نظامه، فقدم استقالته تحت ذريعة رفضه استقبال أحمد شفيق في برنامج حواري.

وقتها كشف إعلاميون زملاء أنه استقال بسبب خفض أجره، إذ كان يحصل على تسعة ملايين جنيه وقتها كأجر سنوي، وخفض الأجر إلى مليون جنيه فقط، ما يعادل مئتي ألف دولار وقتها. وقف سعد مع جماعة الإخوان، ثُم أدرك بعد فترة أنه خُدع، فهاجمها، لكن يبدو أن تبدل المواقف
وتغيرها السريع أثر كثيرا على حضوره، وربما تسبب تنقله بين أكثر من فضائية، بينها فضائية دينية يمتلكها الداعية خالد الجندي في التأثير على شعبيته، فأعاد حساباته وفكر بعمق في صورته وجماهيريته.

أدرك، مثلما قال في ما بعد، أن المتحدثين باسم الدين في الغالب تجار يتكسّبون بما يقولون، والبُعد عن تجارتهم مغنم، وهناك جماهير كبيرة حاشدة، بخلاف النُخبة المعروفة التي تتحدث في السياسة وتتابع المشاهير، هم الناس البسطاء الذين يمثلون سر نجاح أي موهوب في الإعلام أو الفن. بعد وعكة صحية ألمّت به قرر أن ينحاز للمُجتمعات التحتية، ويساير المُهمشين، ويتجنب قضايا الساعة، والشأن العام، وأحوال السياسة، حتى في قناته الخاصة التي وضع لها أطرا تنأى به عن ذلك.

سر نجاح سعد، كما يشير أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري سابقا، في قدرته على اجتذاب الجمهور، فهو يعلم أن لديه كاريزما غير مصطنعة حباه الله بها، وعليه استخدامها في حشد المزيد من المتابعين.

كادت تلك الكاريزما تدفعه خلف الشارع الثائر يوما ما، فتُفقده الجمهور العام الذي يهتم بلقمة العيش أولا وأخيرا، ويرى في المظاهرات والاضطرابات وقف حال، لكنه انتبه عندما كسا الشيب رأسه، واكتشف أن نصف المناضلين يتاجرون بنضالهم، والنصف الآخر عيون عليهم.

يعتبر خصوم الإعلامي بساطته ورقّته ثيمة مصطنعة يحرص عليها، وتتسق مع بعض موهبته في التمثيل والتي اكتسبها نتيجة احتكاكه ومعايشته لأهل الفن لفترة طويلة. يقولون أيضا إن شخصية الرجل مُزدحمة بالتناقضات، إذ يبدو بسيطا وقريبا من البسطاء والطبقات الدنيا، في الوقت الذي يعيش فيه حياة رغدة ومترفة، كما أنه يتحدث عن الغلابة والمهمّشين، بينما هو معروف بالضغط الشديد على إدارات الفضائيات التي يعمل بها لزيادة أجره.

ينتقد هؤلاء في الرجل سرعة تخليه عن أناس ساندوه بعد تغير الأحوال، في إشارة إلى أنس الفقي وزير الإعلام الأسبق، الذي منحه فرصة الظهور مبكرا في برنامج بالتلفزيون الرسمي، ثُم انقلب عليه فور سقوط نظام مبارك.

ويشيرون إلى أن الرجل لم تكن له مواقف شهيرة حاسمة في عالم الصحافة، ولا أحد يتذكر له مقالا أو تحقيقا صحافيا لافتا خلال مسيرته في مجال الكتابة. وتحلو لبعض خصومه الإشارة المتكررة إلى عمله في الصحافة بالواسطة، وليس سعيا وراء شغف مهنة البحث عن المتاعب.

مهما كانت درجة مقاربة انتقادات خصومه من الحقيقة، فالثابت أنه يحافظ على سمته الأساسية في عدم الانجراف وراء معارك مع كتاب أو إعلاميين آخرين، ويبدو غير مكترث بما يقال ويردد، حسبما أكد أكثر من مرة.

مشوار مع الفن

مسيرته اعلامية طويلة
مسيرته اعلامية طويلة

ولد سعد في العام 1954، في أسرة ثرية نوعا ما، وذاق مرارة انفصال والديه صغيرا، لتُربيه والدته التي كانت تعمل في مجلة روزاليوسف، وفور تخرجه من قسم التاريخ بكلية الآداب، جامعة القاهرة، ألحقته للعمل بمجلة “صباح الخير” في الصفحة الفنية وعمره 23 عاما. لم تمض سنوات قليلة حتى ترأس سعد القسم الفني بالمجلة، ونجح خلال سنوات عمله في السبعينات والثمانينات في إقامة علاقات صداقة ومودة مع معظم الفنانين والفنانات النجوم، وشارك الرجل في أدوار ثانوية في بعض الأفلام مثل فيلم “الرجل الثالث” مع أحمد زكي وليلى علوي، وإخراج علي بدرخان، وفي مسلسل “الباطنية” بطولة صلاح السعدني وغادة عبدالرازق، وإخراج محمد النقلي في العام ذاته، كما شارك في فيلم “إسكندرية ـ نيويورك” للمخرج يوسف شاهين، وفيلم “أمير البحار” بطولة محمد هنيدي، وياسر جلال، وإخراج وائل حسان.

في مجال الصحافة عمل محمود سعد مديرا لمكتب جريدة “الوطن” الكويتية بالقاهرة، كما ترأس مكتب مجلة “لها” بالقاهرة، قبل أن يترأس تحرير مجلة “الكواكب” الفنية. في بداية الألفية، أخذ مشواره الإعلامي كمذيع ومحاور حيث التحق بقناة “إم بي سي” ليقدم برنامجا أسبوعيا فنيا، قبل أن ينتقل إلى التلفزيون المصري في برنامج جديد حقق نجاحا واسعا، هو برنامج “البيت بيتك”، كما قدم على مدى عشرين عاما عددا من البرامج الشهيرة الأخرى مثل “كلام على ورق”، “حلم وكداب”، “مباشر على إم بي سي”، “زائر الليل”، “مصر النهاردة”، “في الميدان”، “آخر النهار”، وأخيرا “باب الخلق”.

مكنته الخبرات الطويلة من تكوين شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية أسهمت في زيادة وعيه بالناس وطقوسهم، وهو ما جعله يستقر على هذا الجانب في الآونة الأخيرة، والذي أعاد اكتشافه، لأن بساطته بدت شبيهة بمن يتحدث ويلتقي بهم ويعرض تجاربهم على الشاشة.

يظل محمود سعد بأبعاده الاجتماعية والفنية والسياسية، حالة تعكس الأجواء العامة في مصر، التي تحتاج إلى ديناميكية كي يحيا فيها الإعلامي بشكل هادئ ويستطيع التكيف مع الأوضاع المتقلبة بدلا من أن يصاب بالإحباط.

13