محمود شاهين: أدب يقول للناس ما يعرفونه لا معنى له

الاثنين 2014/03/17
شاهين: على الفن التشكيلي أن يبقى بعيدا عن هاجس السياحة

عمان- محمود شاهين فنان وروائي وناقد من مواليد القدس 1946، يحمل الجنسية الأردنية، درس الصحافة من خلال دورات إعلامية وصحافية في القاهرة، وهي الدراسة الأكاديمية الوحيدة التي حصل عليها كما يقول، وبالرغم من عدم دراسته الأكاديمية للفن التشكيلي إلا أن أعماله الفنية مقتناة في أكثر من ثمانين بلدا في العالم وبما لا يقل عن سبعة آلاف لوحة.

«العرب» التقت به في منزله بعمان وحاورته في قضايا فنية وثقافية عديدة.أقام محمود شاهين العديد من المعارض الفردية في سوريا وعدد من دول العالم منها ألمانيا وفرنسا.

وهو أديب تحوّل في ظروف صعبة إلى الفن التشكيلي، وله في مجال الكتابة عشرة مؤلفات بين قصة ورواية وشعر عدا بعض المخطوطات التي لم تنشر بعد. وهو يعكف على الكتابة في الفكر والنقد الأدبي والفني إضافة إلى الرسم.


حال صوفية


يقيم شاهين في عمّان منذ عام ونيف بعد أن اضطرّ إلى مغادرة سوريا التي عاش فيها منذ عام 1971، وبالحديث عن بداياته حين كان يعتاش من العمل في مجال الصحافة الفلسطينية ثم العربية، يذكر شاهين أنه بدأ مراسلا صحفيا ومحررا وصولا إلى سكرتير تحرير مما أضاف كثيرا إلى ثقافته ككاتب وكان العمل الصحافي يحتل الحيز الأكبر من حياته خلال ما يزيد عن خمسة وعشرين عاما.

نُشر له العديد من الروايات والمجموعات القصصية إضافة إلى الشعر والنثر وبعدها قرّر التخلي عن العمل الصحفي من أجل إنجاز مشروعه الفكري في الرواية وكتب “الملك لقمان” و”غوايات شيطانية” وسعى إلى نشرهما عبر أكثر من جهة في سوريا وخارجها إلا أن سعيه حينها باء بالفشل؛ ولم تنشرا إلا بعد ثلاثة عشر عاما من كتابتهما.


دمشق القديمة


ولحاجته إلى مصدر رزق قرّر أن يرسم وكان التحدّي كبيرا إلا أنه خلال سبعة أشهر من العام 1995 أنجز 700 لوحة وتوجه إلى المركز الثقافي الروسي بدمشق وأقام أوّل معرض فني له تحت عنوان “المعرض التجريبي الأول لمدرسة الصوفية الحديثة” وكانت السمة المميزة لذاك المعرض غلبة اللون الأزرق على الأعمال، والإيغال في التجريد المطلق لحالة صوفية كان يعيشها شاهين على إثر كتابته للروايتين سابقتي الذكر “الملك لقمان” و”غوايات شيطانية”.

في مقهى النوفرة في دمشق الذي يزوره السياح والعرب، أدفع للمقهى 25 بالمئة من ثمن كل لوحة تباع

“عانيت أول سنتين من تسويق لوحاتي إلى أن تمكنت عام 1998 من إقامة معرض دائم في مقهى النوفرة في دمشق القديمة الذي يزوره السياح الأجانب والعرب، مقابل 25 % من ثمن كل لوحة تُباع أدفعها للمقهى.

وهكذا وخلال 6 سنوات من العرض على جدران ذلك المقهى انتشرت في معظم أنحاء العالم حيث بعت أكثر من 5000 لوحة، بعد ذلك كان لا بدّ من إقامة معرضي الخاص حيث استأجرت محلا في القيمرية أحد أشهر إحياء دمشق القديمة، وخلال فترة وجيزة انتشر في الشارع أكثر من عشرة فنانين ضمن مساحاتهم الخاصة، فكنت بذلك أول من أسس للفن التشكيلي في دمشق القديمة وقبل قدوم مصطفى علي بحوالي ثماني سنوات، وبالتالي فالحديث الذي يتناقله ويتبناه الكثيرون على أن مصطفى علي هو من أسس للفن التشكيلي في دمشق القديمة غير صحيح” هكذا يوصّف شاهين حاله مع الفن التشكيلي.


يوم القيامة


دأب شاهين وما يزال على المطالبة بأن ينبع الفن من أحاسيس الفنان ورؤاه وأن لا ينساق حول فن تجاري يرضي ذائقة السياح وأن يبقى الفن التشكيلي بعيدا عن هاجس السياحة ولا مانع أن يعرض ويباع في مواقع سياحية ليقدّم وجها حضاريا للبلد. فللسياحة الأثر الأهم في شهرة شاهين وانتشار لوحاته في معظم دول العالم، وقد نشرت نبذة عنه في أشهر الكتب السياحية العالمية الصادرة بلغات مختلفة عن شركة لونلي بلانت العالمية، كما كتبت عنه كتب سياحية أخرى وعينت موقع معرضه على خارطة دمشق القديمة.

شاهين يحمل الأنظمة العربية المسؤولية الكاملة عن الحال المترديّة التي وصلت إليها الثقافة العربية في ميادين الفكر

وشاهين الذي خبر القارئ كأديب وخبر المشاهد والمتذوّق كفنان تشكيلي كان لا بدّ من سؤاله عن شكل العلاقة بين المرسل والمتلقي في الحالتين وفيما إذا كانت العلاقة من خلال اللوحة أقل تعقيدا عما هي من خلال الكتاب، وعن هذا يقول: “الرسم وسيلة تعبير مختلفة تتيح شكلا أسهل من العلاقة مع المتلقي حيث يمكن للفنان أن ينطلق بإحساسه وكل الأساليب متاحة من تعبيري وتجريدي، واقعي أو انطباعي، والملفت أن المشاهد في اللوحة قد يرى -وغالبا ما يرى- ما قد لا يراه الرسام وهذا قد لا ينطبق بالمطلق على الأدب”.

وفي السياق ذاته، يذكر الفنان شاهين حادثة كان لها أثر خاص في مسيرته الفنية، ويسردها بالقول: “في أحد معارضي بدمشق القديمة دخل سائح هولندي ووقف مطوّلا أمام إحدى اللوحات وراح يقترب ويبتعد عنها ويصفر ويهز يديه وجسده بحركات دهشة ملفته جدا. وبعد أن اشترى اللوحة سألني عمّا أقصد بهذه اللوحة فرجوته أن يقول لي هو ماذا يرى فيها فأجاب بما لم أتوقعه “يوم القيامة” وأنا لم أكن أفكر بيوم القيامة لا من قريب ولا من بعيد حين رسمت اللوحة بل كنت حينها غاضبا وفي حالة نفسية سيئة جعلتني أعبث بالألوان بانفعال شديد يعبّر عن غضبي”.


حكمة العمر


لمحمود شاهين مقولات فلسفية عديدة بلغت 690 مقولة حسب ما نشر على “النت” في بعض المنتديات، منها ما يتعلق بالأدب والفن بشكل عام ونذكر على سبيل المثال لا الحصر قوله: “حين تتراجع الأمم إلى مستويات متدنية أقرب إلى الانحطاط ولا سيما المعرفي منه تنتج فنا وأدبا على شاكلتها”.

وهنا هو يحمّل وبصريح العبارة الأنظمة العربية المسؤولية الكاملة عن الحال المترديّة التي وصلت إليها الثقافة العربية في ميادين الفكر والآداب والفنون، مع اعترافه بوجود بعض الظواهر الجيّدة ولكنها لا يمكن أن تطبع الحراك الثقافي العربي بالجودة.وحول وظيفة الأدب بالتحديد يقول: “ليس هناك أيّ معنى لأدب يقول للناس ما يعرفونه”.

وخلال الحديث أضاف قوله: “أنا مع الأدب الذي يتكلم عن الواقع لكن يجب أن يتكلم بعمق أكثر ولا بدّ للخيال العربي الذي تعطل لقرون أن يستعيد حيويته، الخيال العربي الذي أغنى الخيال العالمي فأبدع بدوره دونكيشوت والكوميديا الإلهية وفاوســت وغيرها.. لا بدّ له من الصحوة والعودة إلــى سابق عهده المشرق بدلا من إغراق الإنسان في الواقع المرّ والجنوح نحو التأريخ”، من هذا المنظور وتلك الرؤية الخيالية يعكـــف الروائي شاهين على إنجاز مشروعه الأدبي ونقصد هنا الجزء الثالث من ملحمة “الملك لقمان” ملحمة البحث عن الوجود والغاية منه. ولا يسعنا إلا الانّتظار من أجل تبيّن ما سيتمخض عنه خيال الكاتب في الرواية.

15