محمود شيخاني ملون سوري من زمن كورونا

تجربة شيخاني بالأبيض والأسود للتعبير عن أزمة كورونا ترشّحه ليكون واحدا من بين أفضل الملوّنين، حتى وإن ضحّى بالألوان جميعها.
السبت 2020/05/16
عندما تختفي الألوان ويتشح العمل الفني بالسواد

يواجه محمود شيخاني تجربة الحجر في زمن كورونا، داخل مرسمه الضيق بمدينة برلين في ألمانيا، بعد أقل من خمس سنوات واجه خلالها تجربة الحصار بمدينة حمص في سوريا، وهي تجربة انتهت بخسارته كامل مجموعة أعماله، وينكب اليوم على العمل بعد أن قرّر اختزال ألوانه على الأبيض والأسود، ليفرض نفسه ملونا مبهرا.

أربع سنوات من الاقتتال لم تكن كافية لتجبره على الهجرة، رغم أنها أبعدته عن الرسم لأسباب أقوى منه، كان عليه أن يختار بين تأمين متطلبات الأسرة، المكونة من خمسة أفراد، أو التفرّغ للعمل الفني.

قبل 15 عاما من ذلك التاريخ تخرج ابن مدينة حمص، محمود شيخاني، من كلية الفنون الجميلة في دمشق، ضمن دفعة يشار إليها بالدفعة الذهبية، ورغم أنه لم يتفرّغ للعمل الفني وعمل في التدريس، إلّا أنه واظب على الرسم، لم يكن مهتما ببيع ما ينتجه من لوحات، كل لوحة كانت بمثابة طفل له يحرص على العناية به، ويتفقّده من حين إلى آخر.

عام 2015 تاريخ لن يُمحى من ذاكرته، ليس لأنه قرّر مثل عشرات الآلاف من السوريين مغادرة البلد، بل لأنه فقد مجموعته الفنية المدللة، بعد أن تعرّضت للسرقة والتلف. كان محمود شيخاني على موعد مع القدر، المعبر الوحيد للهجرة عبر تركيا، حيث أمضى سبعة أشهر في انتظار فرصة للتوجه إلى دولة أوروبية.

المأساة لم تمنع محمود من رؤية الجانب الإيجابي، وهو ممتن لقرار أوروبي سمح لمهاجرين بعبور الحدود دون أن يتعرّضوا للاعتقال والمطاردة؛ كلفته الرحلة 1400 يورو وتسعة أيام قضاها متنقلا بالحافلة مرة، وبالقطار مرة أخرى، إلى أن حط الرحال في ألمانيا، كان عليه أن يمضي فترة من الوقت في معسكرات جماعية تضم مهاجرين من جنسيات مختلفة.

تأمل
زمن كورونا

لم يكن الأمر بكل هذا السوء، اقتنع المشرفون على مجمع المهاجرين بتأمين لوحات وألوان للفنان السوري، بعد أن عرفوا أنه فنان محترف؛ ما حرم منه في بلده بسب العنف والاقتتال، حصل عليه لاجئا في ألمانيا، وعاد لممارسة الشيء الوحيد الذي يحبه.

حصل على كل ما أراده، أو هكذا اعتقد على الأقل، الآن لديه مسكن وانضمت إليه أسرته؛ ليجد نفسه محبوسا في غرفة ضيقة لا تزيد أبعادها عن مترين ومترين ونصف. لم تمنعه الظروف الجديدة من الاستمرار في الرسم، وانضم إلى دورة خاصة تنظمها كلية الفنون الجميلة في برلين استمرت لمدة 8 أشهر.

كل شيء كان مخالفا لتوقعاته، بيكاسو الذي كان يرى فيه مثالا للحداثة هو عند الألمان فنان تقليدي، هنا ينظرون إلى الفن نظرة مختلفة، ما يقوله الفنان والطريقة التي يسوّق فيها عمله أكثر أهمية من العمل الفني نفسه.

كان عليه أن يبدّل كل قناعاته، وكان ذلك صعبا، كما أكّد لي. في النهاية حدث التبدّل، وبدأت رحلته مع الفن من جديد، لم يتخلّ عن إرثه السابق بل أعاد اختراعه وتقديمه من جديد.

محمود شيخاني.. ملون من عصر الكبار، تنازل عن جميع الألوان ليرسم بالأبيض والأسود وباء لا يرحم أربك البشرية
محمود شيخاني.. ملون من عصر الكبار، تنازل عن جميع الألوان ليرسم بالأبيض والأسود وباء لا يرحم أربك البشرية

كانت لمحمود شيخاني تجربة عابرة مع التقنيات الرقمية خلال وجوده في حمص وقبل الأزمة السورية، حيث نظم معارض نفذت اللوحات المعروضة فيها باستخدام الكمبيوتر، طبعت نسخ محدودة ومرقّمة وموقّعة، وكانت التجربة ناجحة رغم مآخذ عبّر عنها البعض، رأوا في استعمال الكمبيوتر استسهالا، وتهربا.

شيخاني يرى في هذا الحكم تسرّعا، بل هو دلالة على أن أصحابه يرون في عملية الإنتاج الفني صنوا للمهارة، بينما الفن في جوهره موقف من الحياة.

ضيق المكان، وكلفة مواد الرسم المرتفعة، إلى جانب الخبرات المكتسبة من الاحتكاك بالجو الفني في ألمانيا، دفعت شيخاني ليخوض تجربة جديدة، وإن كانت جذورها ممتدة إلى حمص.

لماذا على الفنان أن يخسر الوقت والمال في التجريب، لماذا لا يستعين بالكمبيوتر؟ لم يتردّد لحظة واحدة، أليست الحاجة كما يقال أم الاختراع؟

إن كان الدافع في البداية، توفير الوقت والمال، فإنه تحوّل بمرور الوقت إلى هدف قائم بحد ذاته، هدف قرّب شيخاني من التجربة الغربية في الفن، القائمة على التجريب وتقديم عمل يحمل خصوصية تمنحه التفرّد والتميز.

العمل الذي يقدّمه محمود اليوم مرّ بعدة مراحل، في كل مرحلة كان يولد فيها من جديد، تعديل هنا وإضافة هناك، خاصة في التوزيع اللوني، وما إن يستقر في النهاية على اللون والشكل النهائي، حتى يُباشر في تنفيذه على اللوحة.

الاكتشاف الجديد الذي يحسب لشيخاني، هو التأكيد على قيمة العمل الفني عندما يتحوّل إلى أبيض وأسود، قد تكون النتيجة أحيانا مخيبة للآمال، ولكنها كثيرا ما تكون مدهشة.

يبدو أن للقدر حكاية مع محمود شيخاني، بعد أربع سنوات من حصار فرضه الاقتتال الحاصل في بلده ها هو يواجه حصارا آخر في ألمانيا، حصار فرضه عليه تفشي فايروس كورونا، ومثله مثل فنانين آخرين وجد نفسه محروما من الرعاية، ومن مكان يعرض فيه أعماله.

تأمل
تأمل

كان عليه أن يستسلم للأمر الواقع وينتظر رفع الحصار الذي قد يطول وقد يقصر، ولكن تجربة الماضي القريب علّمته أنه عليه أن يرفض الهزيمة، ويُقاوم المشاعر السلبية، ورغم الظرف الصعب انكب من جديد على العمل، هذه المرة مسلحا بتجربته الجديدة التي وظف فيها التقنيات الرقمية، وتجربته أيضا في رؤية الموضوع مختزلا بالأبيض والأسود.

كورونا أسوأ الكوارث التي حلت بالإنسانية منذ مئة عام، العالم بعده لن يعود إلى ما كان عليه سابقا، والفن ليس استثناء في ذلك.

في وسط الحيرة، جاءته رسالة من فنانة أردنية، صديقة افتراضية، تعرّف عليها من خلال الفيسبوك، تطلب منه الانضمام إلى مجموعة تنشط على الإنترنت، أطلق عليها اسم “مجموعة شارك”، لم يتردّد في قبول الانضمام، شاكرا للأردنية، هيلدا حياري، دعوتها.

الآن لا خيار له سوى متابعة العمل والتجريب، وكانت الحلول واضحة أمامه، العالم كله تحوّل إلى عالم افتراضي، أصبح الذكاء الاصطناعي سائدا فيه، وحجم الكارثة التي حلّت بالبشر أفضل ما يعبّر عنها من الألوان هو الأبيض والأسود.

أفضل الملوّنين من اقتصرت ألوانه على لون أو اثنين. هل نشكّ في قدرة رامبرانت على التلوين، وهو الملقب بملك الإضاءة؟ تجربة محمود شيخاني بالأبيض والأسود للتعبير عن أزمة كورونا ترشّحه ليكون واحدا من بين أفضل الملوّنين، حتى وإن ضحّى بالألوان جميعها.

15