محمود عباس وصفقة المصالحة بين فتح وحماس

الأربعاء 2014/05/14

بالنسبة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس تبدو الخطوة نحو المصالحة بين فتح وحماس إما خطأ تكتيكيا أو خطوة استراتيجية محسوبة. والسؤال الأساس في ما يخص الصفقة التي أعلن عنها في 22 أبريل هو الآتي: هل الرئيس عباس بصدد لعب لعبة تكتيكية أو لعبة استراتيجية؟

إذا نظرنا إليها من الناحية التكتيكية، لا تتعدى الصفقة أن تكون أحد المؤشرات التي يحاول عباس إرسالها إلى الأميركيين والإسرائيليين ليثبت أن لديه خيارات. فإذا لم يعرضوا خطة يراها من وجهة نظره جدية للتفاوض حول حل معقول يقضي بقيام دولتين، وقتها يمكنه:

أ. حل السلطة الفلسطينية و”تسليم المفاتيح” للأمم المتحدة أو إسرائيل (مثلما لمح إلى ذلك مؤخرا مسؤولون فلسطينيون) وبذلك يلقي عبء الاحتلال على كاهل إسرائيل في محاولة لوضع الإسرائيليين وجها لوجه، مع مدى تأثير التخلي عن حل الدولتين على آمال “الدولة اليهودية”.

ب. السعي إلى تدعيم موقع فلسطين كدولة على الساحة الدولية (ومن ذلك قيامه في الأول من أبريل بإمضاء طلبات لخمس عشرة معاهدة دولية).

ج. إتمام صفقة المصالحة بين فتح وحماس ومن ثم تحسين صورته في أعين الفلسطينيين، إلى جانب بعث إشارة إلى الأميركيين والإسرائيليين (بشكل أوسع) مفادها أن قواعد اللعبة قد تغيرت.

وإذا كان عباس يلعب لعبة استراتيجية فهذا يعني أنه أدرك ألا أمل في نجاح وزير الخارجية الأميركية جون كيري في إقناع الرئيس الإسرائيلي بنيامين ناتنياهو أو حثه على إمضاء “شيء” شبيه بحل الدولتين، وهو ما يستجيب للطلبات الفلسطينية الأساسية. ربما وصل إلى الاستنتاج بأن الطريقة الوحيدة للإبقاء على القضية الفلسطينية حية هو تجاوز العداوة المتجذرة بين فتح وحماس وتقوية الموقف الفلسطيني في أية مفاوضات قد تجرى في المستقبل (ولو كانت بعيدة)، وفي الوقت نفسه الرجاء في تحسين موروثه الخاص، على الأقل في أعين الفلسطينيين.

وبالطبع مثلما هو الشأن مع كل محاولة سابقة للمصالحة الفلسطينية ستتوقف الكثير من الأمور على ما يكتب بأحرف صغيرة عند صياغة الصفقة بين حماس وفتح، خاصة وأن السجل التاريخي لهذا المسار يشير إلى وجود نقطة استفهام كبيرة حول ما إذا كانت مثل هذه الصفقة ستدوم، وإن دامت فإلى متى؟. وفيما لا يوجد أمل كبير في أن ترضخ حماس رسميا للشروط التي وضعها الرباعي على إثر فوز حماس في انتخابات 2006 (الشروط: نبذ العنف، الاعتراف بإسرائيل، وقبول الاتفاقيات السابقة) هناك طرائق متعددة لتكوين حكومة فلسطينية جديدة وصياغة برنامجها بشكل يرضي على الأقل الأوروبيين (ومن ثم ضمان مواصلة تمويل الاتحاد الأوروبي للسلطة الفلسطينية) والأميركيين، إن لم نقل الإسرائيليين، ولو كان ذلك مجرد تصور. وبالتأكيد يرسل عباس إشارة إلى أنه يعتبر ذلك دائرة يمكن تحويلها إلى مربع.

هناك أيضا ضبابية حول الأسباب التي جعلت حماس تجدد اهتمامها بأجندة المصالحة. يمكن القول إن وضع حماس المنهك في المنطقة حاليا، وخاصة بعد رحيل حكومة الإخوان في القاهرة، يدل على أنها بحاجة ماسة إلى إيجاد طريقة جديدة لتعزيز موقفها. لكن مثل هذا التحليل قد يعني أنها تتجه نحو واقعية أكبر حول استبعاد إمكانية تحقيق شيء أكثر من حل الدولتين، أو أنها – مثلما يتخوف الإسرائيليون – تبحث عن طرق جديدة للعب لعبة تكتيكية بأجندة متشددة وغير متغيرة على المدى البعيد.

ويشير البعض أيضا إلى تناقض الموقف الإسرائيلي ، فمثلا لماذا يحق لإسرائيل التفاوض مع حماس من أجل إطلاق سراح جلعاد شاليط، لكن من غير المقبول لأي أحد غيرها – على الأقل أي واحد من حلفائها الغربيين – التحدث مع التنظيم نفسه ؟ ما هو المشكل في صورة التحاق حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية نتيجة للصفقة، بما أن ذلك يمكن تأويله على أنه اعتراف ضمني منهم بإطار أوسلو، الذي مازالت منظمة التحرير الفلسطينية ملتزمة به؟ وبإلقاء نظرة أشمل وتذكر مسارات السلام الفاشلة والناجحة منها في أماكن أخرى من العالم سيتساءل أصحاب العقول الباحثة عن أجوبة هل بإمكان أية حكومة جادة في حل صراعات متجذرة طال أمدها فعل ذلك دون أن تكون مجبرة على التعامل مع “المتشددين” من الجهة الأخرى. ويمكن القول إن سجلّ حماس في احترام تفاهمات مماثلة لما توصلت إليه مع إسرائيل على مر السنوات ليس سجلا سيئا.

ذلك بالطبع يطرح السؤال عما إذا كان منوال التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني في السنوات الماضية كان له أي حظوظ في النجاح بما أنه انبنى على فرضية أن الأميركيين سيتمكنون من تدبير مسار يؤمن دولة فلسطينية طبقا لشروط شبيهة بتلك الشروط الواردة في معايير كلينتون أو اتفاقية جنيف. كل هذا مصحوب بمساندة دولية وإقليمية شاملة وكافية لعباس المنتصر حتى يكون واثقا بأن الرأي العام الفلسطيني – ليس فقط في الضفة الغربية والقدس الشرقية لكن أيضا في غزة وربما بين الشتات في الخارج – سيساند الصفقة بالأغلبية وأن حماس ستقبل نتيجة الاستفتاء.

وفي جزء منه، بسبب الموقف الظاهري لحكومة ناتنياهو حول بعض المسائل الجوهرية والتوسيع الممنهج الحالي للمستوطنات الذي يقضم كل أمل في إقامة حل الدولتين القابل للحياة، أضحى ذلك المنوال غير واقعي منذ زمن بعيد.

هناك على الأقل شيء وحيد يبدو واضحا في لعبة إلقاء اللوم التي يلعبها الطرفان منذ عدة أسابيع (لا أحد منهما يعتقد أن المسار الذي جاء به جون كيري سيصل إلى أية نتيجة إذ أن الإثنين يتاوران بأمل أن يسقط اللوم، لانهياره، على الطرف الآخر) قد تكون الخطوة التي قام بها عباس خطأ كبيرا في الحسابات إن كان يقصد بها مجرد خطوة تكتيكية لأنه بذلك يعطي لناتنياهو كل المجال للتراجع عن مسار مثّل خطرا على تماسك حكومته.

وفي كل الأحوال هذا الشطب لآمال كيري مرة أخرى لا يمكنه إلا أن يقوي تقييم أولائك من أمثال الذين وصلوا على مضض إلى النتيجة المتشائمة التي مفادها أن نافذة الأمل لتحقيق حل الدولتين قد أغلقت الآن . وهذا بالرغم من أن مثل هذا الحل كان هو الأصوب في ما يتعلق بتحقيق تطلعات الطرفين، وبالرغم من الغياب – في المستقبل – المنظور لأي بديل للصراع المستمر.


* باحث مساعد في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي البريطاني للدراسات الاستراتيجية –تشاتم هاوس



* ترجمة: منصف الخروبي

7