محمود قاسم ينفي عن الغرب تهمة تشويه صورة الآخر

لعله من النادر وجود نصوص أدبية غربية تتناول شخصية العربي المسلم بشكل إيجابي، ولا تظهره بالنموذج النمطي المعروف كبدوي متخلف، خاصة أنه منذ الحروب الصليبية حدث تشويه لصورة العربي المسلم لدى الغرب الذي تعامل معه باعتباره عدوا، وقد تأثر الأدب بهذه الصورة فقدم منذ قرون العربي إما باعتباره قاتلا متوحشا وإما بوصفه جاهلا متخلفا، وأسهمت كتب الرحالة الغربيين في ترسيخ تلك الصورة، التي تلقفتها السينما فيما بعد.
الجمعة 2017/11/10
يجب تغيير صورة العربي النمطية

القاهرة- الصورة السلبية النمطية التي يقدمها الأدب الغربي حول الشخصية العربية، تعاملت معها كتب عربية عديدة في محاولة لتفسيرها أو لتفكيكها، لكن كتاب ”الإسلام والمسلمون في الأدب العالمي” حاول فيه مؤلفه محمود قاسم نفي الصورة الراسخة، فاختار 35 كتابا ورواية غربية يرى أنها قدمت صورة إيجابية عن المسلم ويصفها في المقدمة بأنها ”الجانب الآخر من الحقيقة، الجانب الذي لا نعرفه بشكل واضح”.

ويضيف واصفا ما تحويه صفحات كتابه “ما جاء في هذا الكتاب بعيد تماما عن الصورة التقليدية التي تكونت في أذهان الكثيرين منا، فسوف نرى كيف صور أدباء من كل أنحاء العالم، كيف أن المسلمين متحضرون، صنعوا وشاركوا في بناء الحضارات”.

صورة أخرى

يوحي عنوان الكتاب، الصادر عن وكالة الصحافة العربية ناشرون، بأن هدفه هو رصد ملامح صورة المسلم لدى الآخر، حيث بين الكاتب في مقدمته أن “ما جاء في هذا الكتاب بعيد تماما عن الصورة التقليدية التي تكونت في أذهان الكثيرين منا، فسوف نرى كيف صوَّر أدباء من كل أنحاء العالم كيف أن المسلمين متحضرون. هو كتاب متنوعة مصادره الأساسية وموجودة في اللغة الفرنسية، والإنجليزية، واليونانية، والإسبانية، والروسية، وغيرها من اللغات، بما يعني تعدد الثقافات، وقد جاء الكُتاب بأنفسهم إلى أرضنا وعاشوا فيها، وكتبوا رواياتهم”.

أول مقالات الكتاب عن إيزابيل أبرهارد، وهي سيدة ذات أصل روسي ولدت في سويسرا عام 1877، أعجبتها تونس بعدما زارتها كسائحة فقررت الإقامة فيها، وتزوجت من جزائري، ثم اعتنقت الإسلام وجابت مدن الجزائر والمغرب مع رحالة المتصوفة، وأقامت معهم في منطقة تشهد ملتقى سنويا للصوفيين، ولسوء حظها ظنها أهل تلك المنطقة جاسوسة فرنسية فألقوا القبض عليها، وكانت ضعيفة البنية لم تحتمل قسوة السجن فماتت وهي ابنة 27 عاما، مخلفة كتابا في أدب الرحلات سجلت فيه انطباعاتها عن المدن المغاربية التي زارتها.

لم يعرض محمود قاسم لتفاصيل رحلتها وإنما انشغل بقصة حياتها المأساوية، فخرج بذلك عما اختطه لكتابه، ثم إنها بعدما اعتنقت الإسلام لم يعد المسلم بالنسبة إليها آخر، نفس الشيء يمكن قوله عن الفرنسية المنحدرة من أصول تركية كينزي مراد التي يعرض الكتاب لروايتها “فيما يخص الأميرة الميتة”.

الغرب يشوهنا

أما الكاتب المنحدر من قرغيزستان جنكيز إتمانوف، فحينما أقدم على كتابة روايته ”جميلة” التي وصفها لوي أراجون بأنها أجمل قصة حب في العالم، كان يهدف إلى تصوير انعكاس الحرب على القرية التي غاب عنها رجالها مما اضطر النساء إلى الخروج للعمل، كان يكتب عن قريته وناسها الذين يعرفهم وأغلبهم من المسلمين، فلم ينظر لهم باعتبارهم آخر، ولم يكن الإسلام قضيته، نفس الشيء يقال عن الطاهر بن جلون وروايته ” ليلة القدر”.

” نسيم إذن شخصية عربية تعرف هدفها الوطني بجدية” هكذا ينهي محمود قاسم مقالته عن رباعية الإسكندرية، ليدلل على أن لورانس داريل رسم صورة إيجابية للمسلمين في رباعيته، مع أن الرواية تصف الإسكندريّة بـأنها “مدينة تعجّ بالضوء والذباب والمتسوّلين والغبار، كما أنّ روّاد بازارها كانوا بدواً متخلّفين وأقرب لطبائع الحيوانات من طبائع البشر”.

هذا المقتبس يصلح للتدليل على الرؤية المتعالية لمستعمر بريطاني يكره المدينة التي كتب عنها روايته، ويحتقر ناسها، كذلك سام دونكان الذي ألف رواية “السويس” ليظهر ديلسبس وكأنه بطل قومي فرنسي، فراح يزور وقائع التاريخ لينفي عنه قسوته التي تسببت في مقتل المئات من العاملين في حفر قناة السويس مدعيا أن سوء أحوال الطقس هو السبب.

السلبية والإيجابية

يؤرخ البريطاني والتر ماسون للثورة المهدية في السودان التي يراها عصيانا يستحق القمع، وكلتا الروايتين تصلحان للتدليل على تزييف وتضليل ما عرف بالروايات الاستعمارية، لذا سقط أصحابها من الذاكرة الأدبية، ولا يمكن بأي حال اعتبارهما أدبا ”عالميا” فضلا عن تقديمهما صورة سلبية لشخصية المسلم، كذلك ”نايبول” صاحب مقولة افتقار الإسلام إلى أرض ثقافية، وهو يرى في الإسلام نموذجا تاريخياً مستمراً من الإقصاء لثقافات أخرى.

أما بخصوص برنارد شو الذي ناصر حركات التحرر الوطني ضد المستعمر، وانتقد ما فعله الإنكليز في دنشواي، فيشير الكتاب إلى أحد دارسي برنارد شو وهو محمود علي مراد الذي حصل على الدكتوراه عن مؤلفه ”برنارد شو والإسلام”.

أيضا هناك غوته صاحب ”الديوان الشرقي للمؤلف الغربي”، وفيه ذكر فضل شعراء مسلمين عليه مثل حافظ الشيرازي؛ وهناك الإسباني خوان جويتسولو الذي ناصر القضية الفلسطينية، وقبلها ساند الكفاح الجزائري ضد فرنسا وأدان المذابح ضد المسلمين في سراييفو. لعله من الجدير بالذكر أن مثل هذه المحاولات النقدية لرصد شخصية العربي في الكتابات الغربية، تستحق التوقف والرصد أكثر مع كل نموذج إبداعي عني بتناول الشخصية العربية، خاصة أننا نعيش في مرحلة تاريخية أصبح العربي فيها موسوما بالإرهاب، إذ ربما يسهم الأدب والفن والإبداع في تصحيح هذه الصورة.

14