محمود قرني: نحتاج إلى مدرسة جديدة للإحياء الفكري

الأربعاء 2013/12/11
قرني: لا يمكن رد شعوبنا إلى الجاهلية المطلقة

لم تفضح ثورات الربيع العربي ولم تعرّ فساد النظم العربية وتخلفها فقط، وإنما فضحت وعرّت أيضا سطوة خطابات وموروثات متشددة ومتطرفة، أدّت إلى عزلة الرؤى والأفكار وحجمت تطورها وتجديدها، فكان أن أصيبت البنية الفكرية والثقافية والمعرفية لمختلف النخب بالضمور، والنتيجة تدهور حادّ في الفكر العربي المنوط به تجديد الخطابات وفرز الموروثات وتشكيل الحاضر والمستقبل.. حول أزمة جمود الفكر العربي في ظل الراهن الحالي وعلاقاته بما جرى ويجري في المشهد العربي، كان هذا الحوار ضمن سلسلة من الحوارات أجريناها مع مفكرين ومبدعين ذوي اتجاهات ثقافية مختلفة.

ألقى الكاتب محمود قرني بمسؤولية ما آل إليه الفكر العربي في حاضره إلى مجموعة من الأسباب تشكل في ما بينها محاور أزمته التي أدّت إلى جموده وعدم قدرته على التطور والتجدد، بحيث كان هذا المشهد وراء ما عليه الأمة العربية من تشتت وتمزق، في ما لا يستطيع الفكر أن يلعب دورا فاعلا في تجنيبها ما آلت إليه، وهو خلال ذلك ناقش المجتمعات ونخبها وما ترزح تحت وطأته من تدن، وفي الحوار المزيد من الإيضاح لنقاط رئيسية فاعلة في المشهد العام فكريا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا.


أداء رجعي


محمود قرني ناقش محاولات التشكيك في الفكر العربي بقوله: "حاولَت الكثير من الأدبيات المحدثة التشكيك في وجود الفكر العربي بالأساس، باعتباره يقتات من مخلفات عصر النهضة في تجلياته الغربية، وباعتباره أيضا مردودا استشراقيا لم ينجح في التعبير عن القطاعات العريضة من المتعلمين وأنصاف المتعلمين فضلا عن الحشود الكبرى من عامة الناس ودهمائهم. ورغم أن جانبا من تلك التصورات لم يكن بعيدا عن الحقيقة، إلا أن ذلك لم يحل دون تشكل التكوينات الفكرية المحلية، التي استطاعت صناعة تمايزات مقبولة مع جذرها التاريخي.

زكي نجيب محمود استطاع تفتيت مفهوم جماعات واسعة من الأصوليين الذين ما زالوا حتى الآن يدفعون باتجاه العودة إلى الماضي، وأظن أن كثيرين غيره فعلوا الشيء نفسه

فلا يمكننا مثلا التحدث عن الوضعية المنطقية عند زكي نجيب محمود باعتبارها إعادة إنتاج لفرانسيس بيكون أو جون ستيوارت ميل أو مدرسة فيينا جملة. فقد استطاع عبر قناعته بـ"التحليلية" أن يقدم قراءة مدهشة لموقفه من التراث، واستطاع عبر المنهج نفسه مع آخرين، تفتيت مفهوم جماعات واسعة من الأصوليين الذين ما زالوا حتى الآن يدفعون باتجاه العودة للماضي، وأظن أن كثيرين غيره فعلوا الشيء نفسه".

وأكد أن الكثير من هذه الآراء قد أثمرت مجتمعا لا يمكن رده للجاهلية المطلقة. مجتمع اخترقت حصونه مفاهيم عديدة حول نبذ الحكم العشائري وتصاعد الأبنية العقلية واحتلالها مركز الصدارة. وأضاف "غير أن تأمل تلك التصورات في مواجهة نظم الحكم ستدهشنا بالنتائج التي نراها على الأرض الآن. وهذا الانفصال بين البناءات العقلية المتقدمة والأداء الرجعي لا يمكن فهمه دون تحليل الواقعين السياسي والمجتمعي، وتبلور طبقات الحكم، أقصد السلطة والمال في مواجهة الأداة الناعمة للتعبير العقلي".

ورأى محمود قرني أن جزءا أساسيا من أزمة الفكر العربي يرتبط بقوة بعدم اختبار مقولاته على الأرض. فالنداءات الحارقة لاحترام الآخر "الغربي تحديدا" كدعوة متقدمة؛ كانت تحض على التعايش وتحاول أن تتجاوز التاريخ الاستعماري الشائن، لم تسفر في النهاية سوى عن تكريس مفاهيم التبعية، وإعادة إنتاج الأنماط الاستعمارية بصور مختلفة بسبب إصرار هذا الآخر على التعامل مع مستعمراته القديمة باعتبارها فرائس محتملة.

ولم تسفر، مثلا، دعوات عولمة المعرفة والاقتصاد، سوى عن مزيد من الجوعى جنوب خط الاستواء، ومزيد من الغرقى وهم يعبرون من قيظ الجنوب إلى نسمات الشمال، التي سمعوا عنها لكن لم يقدّر لهم أن يروها. من هنا ستظل مقولات الفكر العربي في حاجة إلى إعادة اختبار، لكن ذلك لن يحدث سوى بعد أن يعيد تعريف الآخر وفق احتياجاته وليس وفق احتياجات هذا الآخر.


السيطرة على الوعي


وحول الدور الذي لعبته الأنظمة العربية في جمود الفكر العربي باغتيالها للعقل ووقوفها ضدّ أي محاولات لاستمرار تجديده بتشويهه وتحجيم مساحة وجوده وحصاره بالعقل النقلي لأيديولوجيات وأفكار جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي والتحالف معها ليسيطرا معا على الوعي العربي، قال محمود قرني "بالطبع، لقد تجسدّ في بداية ثورات التحرر عدد من الأفكار البراقة حول استعادة الفرد لصوته الخاص، وعودة الطبقة المتوسطة لقيادة المجتمع، بعد عشرات العقود من الحكم الهيراركي، وكانت فكرة التحرر الوطني فكرة مركزية التف حولها الشعب العربي من محيطه إلى خليجه.

وفي غياب فكرة تداول السلطة أيا كان الشكل الذي يحتويها تبلورت مع الوقت فكرة الديكتاتور العادل والنبي المخلص، وكانت تهديدات الغرب جزءا من تعزيز هذه الحلول غير الديمقراطية، وفي غمرة الصراع الاستعماري القديم تمّ كسر المشروع الوطني العربي الذي تجسد في مراكز تقليدية مثل بغداد والقاهرة ودمشق، حدث ذلك بصور مختلفة.

وكان أبرز نقاط تبلور هذا الصراع في غير صالح الطموحات الوطنية في دولة حديثة متجسدا في هزيمة السابع والستين ومعاهدة السلام التي أخرجت مصر، ليس من الصراع العسكري فحسب، بل من الصراع الحضاري نفسه".

وأضاف قرني قوله: "استعاد الغرب طبعا مراكز نفوذه القديمة، ودعم حكاما يقترب أداؤهم من الخيانة الوطنية، وفي سبيل ذلك تمّ دعم تحالفات غير أخلاقية مع رأس المال من ناحية ومع التيارات الدينية المتشددة، لتؤدي دورا لا يمكن وصفه بأقل من الخيانة، فهي من ناحية تلعب دورا في حماية تلك الأنظمة لقاء حصة في الحكم ولقاء استحقاقات الوجود، مقابل ذلك فقد قبلت تلك الجماعات باستخدامها كفزاعة للنموذج الحضاري الذي ينبذ الحكم الديني ويعتبره خصما تاريخيا.

كسر تحالف السلطة مع رأس المال، وعودة المثقف إلى وظيفته الأصيلة باعتباره ممثلا أعلى للحقيقة كما يقول إدوارد سعيد.

على جانب آخر فقد نجحت الكثير من إغراءات السلطة في كسر إرادة النخبة العربية بدرجات متفاوتة، هؤلاء الذين انعقدت حولهم الآمال في إعادة صياغة العقل العام بعيدا عن نظر الهيراركية والأنظمة الأبوية، وبكل أسف استمرّ عمل هؤلاء لعشرات السنين، الذي يتمحور حول كونهم أدوات تبريرية لخطاب سياسي يفتقر إلى أدنى الروادع القانونية والأخلاقية".


طريق الواصلين


وشدد محمود قرني على أن هناك إشكاليات داخل ما يسمي بالفكر العربي، وهناك من يتحدث عن غياب المنهج، وهناك أيضا من يتكلم عن خروج العرب، لهذه الأسباب، من الصراع الحضاري، حيث يقول: "إنني أرى أن ثمة مبالغات كبيرة في هذا الطرح، وأتصور أيضا أن الاعتماد على مناهج تفكير تفتقر إلى الخصوصية ليس سببا كافيا لوصم العقل العربي، فالمستقبل يكتشف قوانينه من خلال التجربة.

والتجربة في العلوم الإنسانية كما في العلوم التجريبية، لا تعني سوى الكشف، والكشف كما تقول المتصوفة: طريق الواصلين. من هنا فإن غياب التجربة أو عدم اكتمالها في معظم الأحايين يعني تحول المقولات إلى كائنات مصطنعة ومصمتة لا تعني شيئا سوى كونها ذكرى أليمة.

ورأى أن الراهن بحاجة ماسة إلى مدرسة جديدة للإحياء الفكري. لكن ذلك لن يحدث سوى بتحقق أمرين: الأول تغيير مفهوم الدولة عن نفسها باعتبارها منتج المعرفة، ومن ثم فهي تسعى دائما إلى تشكيل العقل العام تحت وصايتها.

وهذه حلقة من حلقات تحوّر العقل الجماعي في أخطر وأسوإ صوره. ومن ثم لا بدّ من كسر هذه الحلقة عبر ترسيخ مناخات الحرية بكل أنواعها بما فيها حرية المعتقد، وكذلك تعميق مفاهيم التمازج الحضاري. الأمر الثاني: كسر تحالف السلطة مع رأس المال، وعودة المثقف إلى وظيفته الأصيلة باعتباره ممثلا أعلى للحقيقة كما يقول إدوارد سعيد.

_____________________


غدا عبد المالك أشهبون: علينا أن نتحوّل من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث

15